ابن صمادح
صاحب المريّة وبجانة والصّمادحيّة كان في عصر ابن عمار، وسمعت الأمير نجم الدين أبا محمد بن فضال ينشد أبياتًا كتبها أبو بكر بن عمار إليه في جواب أبيات كتبها ابن صمادح، ويستحسنها، ويطرب بها.
فأما أبيات ابن صمادح فهي معاتبة:
ودهّدني في الناس معرفتي بهم وطول اختباري صاحبًا بعد صاحب
فلم ترني الأيام خلًا تسرّني مباديه إلا ساءني في العواقب
ولا قلت أرجوه لدفع ملمّة من الدهر إلا كان إحدى النّوائب
[ ٨٣ ]
والأبيات التي أجاب المعتصمَ ابنُ عمار بها:
فديتُك لا تزهد وثَم بقيّة سيرغب فيها عند وقع التجارب
وأبق على الخلصان إنّ لديهمُ على البدء كرّات بحسن العواقب
تكنّفتني بالنظم والنثر عاتبًا وسقت عليّ القول من كل جانب
وقد كان لي لو شئت ردّ وإنما أجرّ لساني ذكر تلك المواهب
ولا بد من شكوى ولو بتنفّس يخفّف من حر الحشا والتّرائب
كتبت على رسمي وبعد نسيئة قرأت جوابي في سطور المواكب
ثلاثة أبيات وهيهات إنما بعثت الى حرْبي ثلاث كتائب
وكيف يلذّ العيش في عتب سيّد وما لذّ لي يومًا على عتب صاحب
[ ٨٤ ]
وقبْلُ جرت عن بعض كتبي جفوة ألحّت على وجهي بغمز الحواجب
سلكت سبيلي للزيادة إثرها فصادفت دفعًا في صدور الرّكائب
وما كنت مرتادًا ولكن لنفحة تعوّدت من ريحان تلك الضرائب
ولو لمعت لي من سمائك برقة ركبت الى مغناك هوج الجنائب
فقبّلت من يمناك أعذب مورد وقضّيت من لقياك أوكد واجب
وأبتُ خفيف الظهر إلا من النّوى وخلّفت للعافي ثقال الحقائب
سواك لغا قول الوشاة من العدى وغيرك يقضي بالظنون الكواذب
وقال أبو يحيى بن صمادح في بركة بناها بالصمادحية:
كأنّ انسياب الماء في صفحاتها حسام صقيل المتن سلّ من الغمد
تفور به فوّارة مستديرة لها مقلة زرقاء موصولة السّهد
أدرنا بها كأسًا كأنّ حبابها حباب سقط الطّلّ في ورق الورد
لها في غدير الماء لألاء جمرة حكت نار إبراهيم في اللون والبرد
[ ٨٥ ]
مأخوذ من قول ابن المعتز:
ومشمولة قد طال بالنقص حينما حكت نار إبراهيم في اللون والبرد
حططنا الى خمّارها بعد هجعة رِحالَ مطايا لم تزل نوقها تحدي
وأحسن ما قيل في الفوّارة قول علي بن الجهم:
وفوّارة ثأرها في السماء فليست تقصر عن ثارها
تردّ على المزن ما أنزلت على الأرض من صوب مدرارها
وذكر مؤلف كتاب قلائد العقيان المعتصم بن صمادح، فأكثر له الممادح، وذكر أنّ دولته كانت منبعًا للجود، ومطلعًا للسعود، ومشرعًا للوفود، ووصفه برواج بضائع الرجاء في سوقه، وإنارة مطالع الفضلاء بشروقه، واتّساق نظام نفائس الأفاضل، واتّساع مجالي مجالس الأماثل، وتحلّي الساعات بمذاكرة الفضل، وتخلّي الأوقات عن مساورة الجهل، وكان متنقّلًا من مدارسة الى مؤانسة، ومن مذاكرة الى معاشرة، وهو من مغنى أدب، الى مثوى طرب، لم يزاحم مليكًا على ملكه، ولم ينظر إلا في إجراء فلَكه، وإرساء فلْكه، حتى قصد، وبالنّوائب أرصد، ونوزل وقوتل، وطالت عليه الطوائل، وغالته الغوائل فقضى نحبه، وما قضى حبه، وفاضت نفسه مضضًا، وزاده إحداق الأعداء به على مرضه مرضًا.
وقال وهو متوجع مضطجع، وقد علا منهم الصوت: نغّص علينا كل شيء حتى الموت، ورمق بطرفه الكليل، حظيّة له قد أخذت في البكاء والعويل، فقال:
ترفّق بدمعك لا تفنه فبين يديك بكاء طويل
[ ٨٦ ]
قال: وكتب ابن عمار إليه بعد أن أقام عنده طويلًا راجيًا إذنًا يجد فيه الى الانصراف سبيلًا:
يا واضحًا وضح السّحاب ال جود في معْنى السماح
ومطابقًا يأتي وجوه ال برّ من طرق المزاح
أسرفت في بر الضيا ف فجد قليلًا بالسراح
فأجابه:
يا فاضلًا في شكره أصل المساء مع الصباح
هلا رفقت بمهجتي عند التكلم بالسّراح
إن السماح ببعدكم والله ليس من السّماح
وقال ابن صمادح في صفة نهر:
انظر الى حسن هذا الماء في صَببهْ كأنّه أرقم قد جدّ في هربه
وقال، وأراد الركوب الى وجهة، والهبوب في نزهة، فأخبر بوفاة حظيّة له معشوقة، بالمقة مرموقة، فلم يثن عنانه، ولم يعطّل لسانه، وقال في ذلك:
لما غدا القلب مفجوعًا بأسوده وفضّ كل ختام عن عزائمه
ركبت ظهر جوادي كي أسلّيه وقلت للسّيف كن لي من تمائمه
[ ٨٧ ]
قال، وتذكّر في بعض منتزهاته حظيّة، فهزّه الشوق إليها فكتب على جناح طائر تحية:
وحمّلتُ ذات الطوق مني تحيةً تكون على أفق المرية مِجْمَرا
قرأت في تاريخ الأندلس الذي صنّفه بعض أهل العصر، وهو محمد بن أيوب بن غالب الأنصاري للملك الناصر بمصر في سنة ثمان وستين وخمسمائة يذكر أن أبا يحيى محمد بن معن بن محمد بن صمادح لمّا حوصر بالمرية، وحاصره جيش أمير المسلمين كان مريضًا، واشتدت حاله، فسمع يومًا صيحة ففتح عينيه وقال: نُغّصَ علينا حتى الموت، ومات في إثر ذلك عند طلوع الشمس من يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة. قال أبو يحيى بن صمادح:
مؤلّف من خلاف قلبه حجر وجسمه نعمة تدميه أنفاسي
وكلّما أتمنّى قربه جعلت مطامعي فيه تهوي بي الى ياسي
وقال أيضًا:
يا من بجسمي لبعده سقم ما فيه غير الدنوّ يبريني
بين جفوني والنوم معترك تصغر عنه حروب صِفّين
إن كان صرف الزمان أبعدني عنك فطيف الخيال يدنيني
وقال:
بأبي من زارني وهنا وقد طبّق الأفق دجاه فأنارا
وعلى يمناه كأس أنبتت من سناها فوق يسراه احمرارا
واكتسى فبدا منه ماء جامد يحمل نارا
[ ٨٨ ]
وقال:
لعمرك إن القلب نحوك شيّق وأنت بما ألقى من الشوق أعلم
فودّك عن ودّي إليك مبلّغ وقلبك عن قلبي لديك مترجم
هذا من قول المتنبي:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده فكلّمه عني ولم أتكلّم
وقال ابن صمادح:
الرّوض يشرب والأنواء تنسكب والشمس تظهر أحيانًا وتحتجب
وللنهار على أفنانه زهر كأنّه فضّة من فوقها ذهب