وأفضى بنا الرّكب الى رملة بيضاء، مفضية الى قرارة خضراء، تتفجر فيها عين كعين زرقاء، صفاء مائها، كصفاء إنسانها، وقد أحدق بها النبت كهدب أجفانها، فنهلنا من نميرها، وكرعنا في غديرها، وركزنا رماح الخط، وجعلنا عالينا رباط العصب، وافترشنا مطارف الوشي فوق درائك العشب وجعلنا من اللُّجُمِ أوتادًا موتودة، واتخذنا من الأعنّة أسبابًا ممدودة، فقام الخِبا، واستوى البِنا، والماء يقهقه في خريره، والقمري يُقرقر في هديره، والنسيم يعبق عن الروض الزكي، والجو مضمخ بزعفران العشي:
تشدو بعيدان الأراك حمامة شدو القيان عزفن بالأعواد
مال النسيم بغصنه فتمايلت مهتزة الأعطاف والأجياد
هذي تودع تلك توديع التي قد أيقنت منها بوشك بعاد
واستعبرت لفراقه عين النّدى فابتل مئزر غصنها الميّاد
وإنّا لكذلك، إذ برقت السماء فسلت مُذهب نصولها، ورعدت فضربت مُنذِرَ طبولها، وجعل يُعَبّئُ مواكبه، وأخذ الرباب يرتب كتائبه،
[ ٣٠٠ ]
فبعدنا أغذّ السير وامتدّ طلقه، غلبه البهر فتصبب عرقه، فخر هنالك لقى، فعند ذلك نام الروض فغنّى وسقى، فتنفست الأرض عن نكهة العروس، وتبرجت في حلية الطاووس:
وكأنّ صوت الرعد خلف سحابه حاد إذا ونت السحائب صاحا
مرتجة الأرجاء يحبس سيرها ثقل فتعطيه الرياح سراحا
أخفى مسالكها الظلام فأثبتت من برقها كي تهتدي مصباحا
جادت على التلعات فاكتست الربا حللًا أقام لها الربيع وشاحا
فساعة خمد البرق، وانقشع ذلك الودق، واعتزمنا على الرحيل، والتحول في برد الأصيل، فبصرنا بمطوّقة قد أفردها الدهر عن إلفها، واستاقها الحَيْن الى حتفها، تصرف من الياقوت طرفًا، وتقلب من المرجان كفًّا، كأنّ الزبرجد نظم عقدها، والفيروزج نمنم بردها، فبينا هي في سرحها تلتقط بفرخي جلم، وتَسْرُطُ بفِلْقَيْ قلم:
أهوى لها أسفع الخدّين مُطّرِقُ ريش القوادم لم يُنصَب له شرك
فكأنّما اكتحل بلهب، وانتعل بذهب، ملتفت من شَذْرَهْ، وملتحف في حَبْرَهْ، من رماحه أظفاره، ومن سيوفه منقاره، من اللواتي تنافس الملوك فيها، وتمسكها عجبًا بها على أيديها، آية بادية، ونعمة من الله نامية، تبذل لك الجهد سراحا، وتُعيرك في بغيتك جناحا، وتتفق معك على طلب الأرزاق، على اختلاف الخلق والأخلاق، ثم تلوذ بك لواذ من يرجوك، وتفي لك وفاء لا يلزمه لك ابنك ولا أخوك، فلما ارتقت في السماء، اتخذ
[ ٣٠١ ]
إليها سلمًا من الهواء، وهي تبعد منه بعد الأمل، وهو يقرب منها قرب الأجل، واختطفها أسرع من اللحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر بها أقرب من اللفظ، فكأنما هي منه، فجعل يتناولها بمثل السبعين، وقد أدخلها في أضيق من التسعين، فكان لها موتًا عاجلًا، وكانت له قوتًا حاصلًا، والحمد لله الذي منّ بهذه النعمة على الإنسان، وفضّله بما سخر له من الحيوان، وفيه أقول:
فانقض مثل الدلو خلاه الرشا ليس يشا غير الذي منه يُشا
إن طار عنه صيده وإن مشى أو غاب عنه في السماء فتّشا
أو غاص عنه الأرض عليه نبشا يسفر عن خد صباح أبرشا
طارت بقايا الليل فيه نمشا يخاله من قد رآه أرقشا
عاجا بآبنوسه محرشا
وما زلنا في ذلك نتحول عن تلك المنازل، ونتجول في تلك الخمائل، حتى ثار من حُمُرِها أفراد حِران، كأنّهن أولاد غزلان، قد جمع الأجل منها ما افترق، وأخرجها من كل نفق، فأخذت في الهرب، وأخذنا في اطلب، إثر كل رواع ينعطف انعطاف البرة، ووثّاب يجتمع اجتماع الكرة، وحاك الغضب إزاره، وصاغ التبر حلوقه وسواره، وحلك بالعنبر متنه، وضمخ بالكافور بطنه، ونضج بعبير، ولفّع بحرير، ينام بعيني ساهر، ويفوت بجناحي طائر، قصير اليدين، طويل الساقين، هاتان في الصعود تنجده، وتانك عند الوثوب تؤيّده. فلما طال به الجري، وظن أنّه نجي، ثم أشلينا كلبًا حللناه من ساجوره، وخلّيناه الى مسروره، فمرّ يخفي شخصه غباره، وفي شدقه شقرته ناره، إن تنكّب ارتقبه طرفه، وإن
[ ٣٠٢ ]
تغيّب أشخصه أنفه، من القَبّ الطامحة العيون، والهُرْت اللاحقة البطون، معرق في نجابته، معم مخول في فراهته، يسمع منك إيماء، ويفهم عنك إيحاء، يمشي فلا يمس الأرض بأربعه، ويجري فلا يسبقه الريح الى منزعه، معترض كالسمهري المعرض، وأبلق كالإبريق المفضض، طرز بالكافور على قدته، ورسم بالمسك على لبّته:
إذا عدا واشتد في طلابه يكاد أن يخرج من إهابه
متقدًا كالنار في التهابه لا يطعن الصيد بغير نابه
فغشيه كالغيث، وأخذه كالليث، ففقر فقاره بشفاره، وقد قميصه بأظفاره، وتلاحقنا به وقد أكبّ على صيده وقعد، كأنها فريسة بين ساعدي أسد، فروّيناه من دمه، وحللنا بينه وبين أدمه، فتهيّز لنا من السوانح ما أردناه، وتمكن بالجوارح ما قصدناه، وحمدنا الله تعالى إذ علمنا فعلمناها، وجعلها آلة من آلات الرزق فاستعملناها، ثم أظلّنا ليل كظهر الفيل التف جنحه بإهابه، وافترّ فجره عن نابه، فكأنّ بدره ينبس عن صبحه بمصباح ومرّ يحدوه النسر، الى أن لفّ الرُّبا في ملاءة الفجر، فنمنا نومة النصب، وهدأنا هدأة الوصب، فما صحت العين من رقادها، إلا لتغريد الطير في أعوادها، وذكاء قد أذكت نفسه علينا، وسفت فكشفت عن صفحتها إلينا:
بتنا وبات البرد يضربه الندى من كل أخضر بارد الأنداء
والليل يخفي نفسه في نفسه والصبح كشاف لكل غطاء
وكأنّما الإصباح تنشر مهرقًا أثر المداد به من الإمساء
وقُرّبت السوابق فجلنا في متونها، واطمأنت الأوابد فخليناها لشؤونها وعدنا من تلك النزهة وقد تسلّت النفوس، ورجعنا من تلك الوجهة
[ ٣٠٣ ]
ولا عطر بعد عروس. فتفرغت إذ ذاك للجواب، وتذكرت ما أوتيه الحاجب أعزه الله من الحكمة وفصْل الخطاب. فسقط في يديّ، واستد دوني باب القول فارتج عليّ، غير أني تخيلت، أبقاه الله، صفاته، فجعلت أكتب ما يحكى، وتأملت مكرماته، فأخذت أنسخ ما يُملى:
يقولون هذا أبلغ الناس كلهم فقلت المعاني علمتني المعاليا
وما لي في قول تضمّن لفظه مناقب قوم غير ما كنت راويا
وعسى الأيام أن تسعف فنلتقي، أو تنصف فنسْتقي، فلو أمكنني مكان كتابي السير، لاستعرت أجنحة الطير، فوافيت حضرة المجد، أسرع من الطرف، ولاقيت غرة السعد، أطوع من الكف، وقلت:
والشعر يُبْدي عطفه ويهزّ لي سيف القريض ورمحه الداسا
من طرّقت عنه صروف زمانه سمعًا أزل وحية نهاس
يسري الى ملك تهلل وجهه شمسًا وراحَتُه نَدًى رجّاسا
يرمي مع الأقدار رمي مؤيد جعلت لأسهم رأيه أقواسا
قد غادرت عين الزمان وأذنه ما تسأم الإيناس والإنحاس
وكتيبة مكتوبة بفوارس يلقون لا كشفًا ولا إنكاسا
فإذا تفهمت الجيوش كتابه دانت لمن راض الأمور وساسا
وكأنّما النقع المثار دجنة تفِدُ الأسنّةُ منهمُ أقباسا
وكأنّما غرر الجياد أهلّة يقطفن من هفواته أغلاسا
وتخاله سلّ المجرة سيفه وتحرّك العيوق فيه لباسا
على أنّي أتمهّد من برّ أمير المؤمنين أعزه الله رق الرئال،
[ ٣٠٤ ]
وأحل من إكرامه محل الهلال، قد أينع لي روض المنى، وانتظم زهره، وطاب عن غرس الندى، واجتني حلوه، وفيه أقول أيده الله ونصره:
أيَا ناصر الدين لم أنتصر بغيرك من زمن ظالم
إذا ما تحرك أسكنته كما أسكن الفعل بالجازم
يفيض نداك على المجتدي كبحر يفيض على العالم
بمكارم هاشمية، وأفعال علوية:
من القوم الذين سمعت عنهم بني الزهراء واختصر المقالا
وفيهم أقول:
أبناء فاطمة رسل العلا رضعوا وبالسماح غُذُوا والجود إذ فطموا
قوم إذا حلف الأقوام أنهم خير البرية لم يحنث لهم قسم
سما لهم في سماء المجد من شرف بيت تداعت إليه العرب والعجم
مناقب سمحت في كل مكرمة كأنّما هي في أنف العلا شمم
والفقيه المذكور يُؤويني كنف رعايته ويُلْحِفُني جناح عنايته، فألوذ بما غمر من فضله، وشمل القريب والبعيد من عدله، وفيه أقول:
فتى واحد في عصره غير أنّه يقوم لراجيه مقام ألوف
وما هو إلا رحمةالله مدها على كل ملهوف وكل ضعيف
وأنفذ في الأحكام آراء فيصل لها في قضاياه مضاء سيوف
فقل لليالي عن أياديه إنها حصوني التي أعددتها وكهوفي
حكم فعدل، وقال ففعل، وزير وضعت به الحرب أوزارها، ومدير جعلت عليه الخلافة مدارها، فتنزّه عن الكبر والعجب ووضع الهِناءَ مواضع النُّقْبِ، وفي ذلك أقول:
[ ٣٠٥ ]
لما قدر الأقوام هذا أن يرى أبدًا ولكن ذاك فعل قدير
يلقاك بسّام بوجه ضاحك سار السفير إليه دون سفير
ما يسرت يده الكريمة في الورى إلا لوضع يد وجبر كسير
إن جئته يومًا لدهرك شاكيًا أغنته فطنته عن التذكير
خشن الزمان لديّ حتى جئته فرفلت من نُعماه فوق حرير
والفقيه القاضي وفقه الله، ركني الذي آوي إليه من الزمان، ومِجَنّي الذي أتّقي به طوارق الحدثان، علم العلم الذي دل على الفضل دلالة الخطوط على المهارق، وفقيه العصر الذي حلّ من المجد محلّ النواصي من الخيل في المفارق، وفيه أقول:
حسنت بحسون خلافة هاشم قاض تخيّره الخليفة وانتقى
وأغرّ وضاح الجبين مبارك يلقي الحياء قناعه عند اللقا
شرفت به الدنيا وأمسى شخصه في المغرب الأقصى فأضى مشرق
صلى الجميع وصام شكرًا واجبًا لما تولى أمرهم وتصدّقا
هُديَ في حكمه الى أقوم الطرق، وحُبي على علمه بحسن الخلق، صنع من حكيم عليهم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
يا هادي الضُّلاّل نهج طريقه وموفي الإسلام كنه حقوقه
وإمام علم الدين والقمر الذي كشف العمى بسنا الهدى وشروقه
وأخا القضاء العدل والحكم الذي سوّاه بين عدوّه وصديقه
[ ٣٠٦ ]
ووقفت فاسقصيت أنك واحد وجدوا صلاح الكل في توفيقه
وما حرك الحاجب أعزّه الله سكنًا، ولا نبّه بقصده نائمًا، وقد طلعت الشمس التي صار بها الغرب شرقًا، وهبت الريح التي عاد بها الحرمان رزقًا، لواء المجد، فارس العقد، يسير صدر الجيش وهو ربه، ويتقلب فيه وهو قلبه:
بكلّ خميس بعيد المدى يضيق بمذهبه المذهب
ثقيل الخطى قاده أدهم ولكنّه بالظّبَى أشهب
كأنّ الحديد على متنه لجين بشمس الضّحى مذهب
مياه ترَقْرَقَ رَجْراجُها وللنقع من فوقها طحلب
يسِحُّ به للندى حاجب إذا جاءه الضيف لا يحجب
تهزّ به الخيل أعطافها إذا مرّ من فوقه الموكب
عفاها السرور به كأسه فظلّت على ودّه تشرب
وقالت: أفي الحق لو أنّني أرى مثل هذا ولا أطرب
كلما لاح بارق ارْتحتُ إليه، أو ذر شارق سلّمت من البعد عليه، فإذا بدت النجوم توهمت همته، وإن نهجت الغيوم تذكرت موهبته ولا أسمع العربية إلا قلت إنه من كلماته، ولا رأيت النّجيبة إلا تيقنت أنها من فعلاته، ولا أحل الرياض إلا وأحسبها شمائله، ولا أرِدُ البحار إلا وخلتها نوافله، وفي ذلك أقول:
وما شبهوا بالبحر كفّيه في الندى ولكنها إحدى أنامله العشر
يدان إذا أوما بها اشتاق ضارب وحنّ سنان وانبرى سارب يجري
وأظهرت الأيام نخوة قده تزيد بحسن الذكر كبرًا على كبر
أمنت به من كل شر أخافه من الدهر حتى نمت في مقلة الدهر
[ ٣٠٧ ]
يعزّ الملك، ويذل الشرك، ويرفع أعلام الحق، ويبسط العدل بين الخلق، شنشنة أعرفها من أخزم، ومن أشبه أباه فما ظلم، ولا بد أن يمد لي الأمل كفيه، ويهز لي الجذل عطفيه، فلئن أزهى بنظمه، فإنّه من شعره، ولئن أعتزي بفضله، فإنني متعلق بحبله، ومعترف بأن الدر يغترف من بحره، وغير منكر على أن أحلب منأخلاف دره، فخذني أعزك الله إليك، فقد تطارحت بنفسي عليك، ورغبت في حلول فنائك، وآثرت أن أصير تحت لوائك.
وإذا كان عند قلبك قلبي لم يضِرْنا تنازح الأبدان
وتصفح بعين صفحك نظمًا قد غدا عن محبّتي ترجمان
قل لريب الزمان كيف تراني شاكيًا بعدها وأنت تراني