القرطبي. معظم ما يذكره ابن بشرون في المختار من الأندلسيين يرويه عنه ويذكر أنه لقيه في مدينة صقلية وقد صنف لمتملكها رجار الإفرنجي في مسالك الأرض وممالكها كتابًا كبيرًا سماه نزهة المشتاق في مخترق الآفاق، ثم ألّف بعده لولده غليوم صاحب صقلية كتابًا في المعنى أكبر منه سماه روض الأنس ونزهة النفس. ووصف ابن بشرون بتوليد المعاني في الشعر وتجويدها، وتوطيد المباني في السحر وتشييدها، لا سيما في توشية التوشيح، وتوشيع نظمه المليح، فإنّه حاذق زمانه، وسابق ميدانه، وهو قريب في عصرنا هذا. وقد أورد من شعره ما يروع ويروق، ويضوع ويفوق، ويطرب ويشوق، ويحسد عقوده وسعوده العقيان والعيوق، ويصف مزجه ووهجه الرحيق والحريق. فمن ذلك قوله:
وزائر زار في الظلماء إذ هجعت عين الرقيب ولم يشعر بنا بشر
فقلت أهلًا وسهلًا قال من دهش دعني من القول إنّي خائف حذر
فقلت لا خوف إن الحي قد رقدوا والليل محلولك الأرجاء معتكر
ثم اعتنقنا كغصني بانة وفمي بين الترائب أشكو وهو معتذر
حتى إذا نمّ واشي الفجر قام وقد خاف الفضيحة مغتاظًا له ضجر
وقال لما اعتنقنا للوداع وقد رأى التياعي ودمعي مسبل همر
[ ٢٦٠ ]
لا تَبْكِ عيناك بعدي سوف يضحكها مني اقتراب وزورات لنا أخَر
ثم افترقنا ولو أعطى الخيار به لما افترقنا ولكن عاقنا القدر
وقوله:
كم ليلة جمعتنا دار بارقة في عصبة من ذوي الأخطار والرتب
حيتهم الراح في ثوب معصفرة وقلدت جيدها عقدًا من الحبب
بتنا بها والرحيق الصرف تصرعنا بين الجداول والأنهار والعشب
حتى أتى الصبح في جيش النهار وقد ولت عساكر ليل جدّ في الهرب
قمنا حيارى ندير الكأس ثانية بقهوة ترتمي للمزج باللهب
الى عشاء نهار عيب آخره بفرقة سلبتنا بردة الطرب
وقوله من أخرى:
بأبي الذي أذكى الجوانح نارا وفّى فوافى في الظلام وزارا
متحملًا من صرف راح نمة صفراء يخطف نورها الأبصارا
ناولته كأسًا فظل يشجها متمززًا لمذاقها إطهارا
ثم استمر يسيغها وكأنّه ينوي العتاب ويؤثر الإسرارا
حتى إذا لوت المدام بعقله وسطا به والي الخمار وجارا
نبذ الوقار وقام يثني طرفه غضبًا وأعلن بالعتاب جهارا
ما زال يسقيني مدامة عتبه حتى سكرت وما شربت عقارا
ونوى المسير فلم تجبه لسيره قدم وقيده الخمار عثارا
قبلت أخمص نعله وصددته عما أراد من المسير وحارا
[ ٢٦١ ]
منها:
حتى إذا ما الليل شمر ذيله وغدا الصباح يضاحك الأنوارا
نبهته من نومه وكأنّه شمس تجلّت للعيون نهارا
أعلمته ما كان منه بسكره فأتى الجحود ولازم الإنكارا
وأجاب يمزح عند آخر قوله من حبّ ذلّ ومن تعزّز جارا
وقوله في لزوم ما لا يلزم:
أفدي التي زارت وجنح الدجى منسدل تخطو بنا ساريه
أثقلها المشي فلاحت لنا كأنّها في ذاتها ساريه
قلت لها أمزح: من أنت ذي قالت أنا جئتك من ساريه
فبت مسرورًا بها ليلتي والجوّ صاف ما به ساريه
وقوله في الزهد:
أرى كل يوم للمقيمين رحلة ولا شك أنّي فيهم سوف أرحل
وليس معي زاد أعد لرحلتي ولا لي عذر عندما أنا أسأل
وعندي ذنوب لا أقوم بعدِّها يقلّ لها وزن الجبال وتثقل
وليس سوى عفو الإله فإنّه كريم له عند الرجوع التفضّل