له انسجام دموعي في مدائحه بالله شنف بها يا طيب النغم١
المراد من الانسجام أن يأتي، لخلوّه من العقادة، كانسجام الماء في انحداره، ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة. ولعمري، إن طيور القلب ما برحت على أفنان هذا النوع وارفة، وبمحاسنه الغضة بين الأوراق ساجعة، وأهل الطريق الغرامية هم بدور مطالعه، وسكان مرابعه، فإنهم ما أثقلوا كاهل سهولته بنوع من أنواع البديع، اللهم إلا أن يأتي عفوًا من غير قصد، وعلى هذا أجمع علماء البديع في حد هذا النوع، فإنهم قرروا أن يكون بعيدًا من التصنع، خاليًا من الأنواع البديعية، إلا أن يأتي في ضمن السهولة من قصد.
وغالب شعر الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماه، سقى الله من غيث الرحمة ثراه، ماش على هذا التقرير ويأتي التمثيل به في مكانه إن شاء الله تعالى.
الانسجام في النثر:
وإن كان الانسجام في النثر، يكون غالب فقراته موزونة، من غير قصد لقوة انسجامه، وأعظم الشواهد على هذا ما جاء في القرآن العظيم من الموزون بغير قصد، في بيوت وأشطار بيوت، فمن الطويل الذي جاء على أصل الدائرة في القرآن العظيم:
_________________
(١) ١ شنف: زيّن.
[ ١ / ٤١٧ ]
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ١ وتفعيله القياسي فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
كقول الشاعر:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد فقد زادني مسراك وجدًا على وجدي٢
وجاء في بحر المديد من العروض الثانية المحذوفة، قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٣ كقول الشاعر:
اعلمو أني لكم حافظ شاهدًا ما دمت أو غائبًا
ومن مصرعه:
زعم النعمان ملك العرب ليس ينجي من عصاه الهرب
وجاء، في بحر البسيط من العروض الأولى المخبونة، قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٤ كقول الشاعر: ما بال عينيك منها الماء ينسكب.
وجاء من الوافر من العروض الأولى المقطوفة والضرب المقطوف، قوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥ كقول الشاعر:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا٦
وجاء في الكامل من العروض الصحيحة المجزوة، والضرب المجزو المذال قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٧ كقول الشاعر:
أبني لا تظلم بمكـ ـة لا الصغير ولا الكبير
وجاء في الهزج من عروضه المجزوة، وضربها المحذوف قوله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ ٨ كقول الشاعر:
وما ظهري لباغي الضيـ ـم بالظهر الذلول
_________________
(١) ١ الكهف، ١٨/ ٢٩. ٢ الصبا: الريح الجنوبية. هاج: تحرك وثار. الوجد: شدة الشوق. ٣ هود: ١١/ ٣٧. ٤ الأحقاف: ٤٦/ ٢٥. ٥ التوبة: ٩/ ١٤. ٦ الأندرينا، اسم مكان مشهور بصناعة الخمور الجيدة. ٧ البقرة: ٢٨/ ٢١٣. ٨ يوسف: ١٢/ ٩٣.
[ ١ / ٤١٨ ]
وجاء في الرجز، قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ١ كقول الشاعر:
شالوا على جمالهم جمالهم وسر حادي عيسم يغني٢
وجاء في الرمل من العروض الثانية المجزوة، والضرب الثاني المجزو، قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ٣، كقول الشاعر:
مقفرات دارسات مثل آيات الزبور٤
ومن مصرعه:
أي شخص كأبان عند ضرب وطعان
وجاء في السريع، من العروض الأولى المطوية المكسوفة، قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ ٥ ومنه ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ ٦ كقول الشاعر:
يا هنديا أخت بني عامر لست على هجرك بالصابر
وجاء من المنسرح، من العروض الأولى الوافية، قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ ٧، كقول الشاعر: زموا المطايا بالواد ما ودعوا. وجاء من الخفيف، من العروض التامة الصحيحة، قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ٨ كذا أورده صاحب المفتاح، ومنه: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ٩. وهذا من مستخرجات المصنف فسح الله في أجله، كقول الشاعر:
ليت ما فات من شبابي يعود كيف والشيب كل يوم يزيد
وجاء من المضارع، وهو بحر قليل الاستعمال جدًّا، ومنهم من لم يعده بحرًا، ولا
_________________
(١) ١ الإنسان: ٧٦/ ١٤. ٢ شال: حمل، حادي العيس: هو الذي يحدوها أي يستحثها للمسير، بواسطة الحداء. الذي هو نوع من الغناء. ٣ سبأ: ٣٤/ ١٣. ٤ الزبور: هو الكتاب الذي أنزل على داود ﵇ "الصحف". ٥ طه: ٢٠/ ٩٥ ٦ البقرة: ٢/ ٢٥٩. ٧ الإنسان: ٧٦/ ٢. ٨ الماعون: ١٠٧/١. ٩ النساء: ٤/ ٧٨.
[ ١ / ٤١٩ ]
جاء فيه شعر معروف. وقيل: إنه لم يسمع من العرب. وقال أبو العباس العتابي في كتابه المسمى بـ"نزهة الأبصار في أوزان الأشعار": إن الخليل جعله جنسًا وأحسبه قاسه وما أدري ما روي في كتب العروض، أمصنوع هو أم مسموع من العرب. انتهى كلام العتابي. وتفاعيله في الأصل: مفاعلين فاع لا تن مفاعلين، ومثلها ولكنه ما استعمل إلا مجزوًا فبقي مربعًا. فما وقع في مخرومه في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ١ والخرم هنا حذف الأول من مفاعلين. فعاد فاعيلن. فنقل إلى مفعولن فتفاعيل هذه الآية الشريفة مفعول فاعلات، كقول الشاعر:
قلنا لهم وقالوا وكل له مقال
وجاء في المقتضب من العروض المجزوة المطوية، قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٢ وتفعيل ذلك فاعلات مستعلن. وجاء فيه من الشعر:
أقبلت فلاح لها عارضان كالسبج٣
ومن مصرعه:
غننا على الدرج بالخفيف والهزج
وهذا البحر في القلة كبحر المضارع، إلا أنه سمع منه أبيات على عهد رسول الله، ﷺ، منها:
هل عليَّ ويحكما إن عشقت من حرج
وجاء في المجتث من العروض الصحيحة المجزوة والضرب المجزو، قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤ كقول الشاعر:
البطن منها خميص والوجه مثل الهلال٥
وجاء في المتقارب من العروض الأولى الوافية، قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٦ فعولن فعولن فعولن فعولن، كقول الشاعر:
_________________
(١) ١ غافر: ٤٠/ ٣٢، ٣٣. ٢ البقرة: ٢/ ١٠. ٣ السبج: الخرز الأسود، ويبدو شديد الملاسة واللمعان. ٤ الحجر: ١٥/ ٤٩. ٥ خميص: خاوي. فارغ. ٦ الأعراف:٧/ ١٨٣. والقلم: ٦٨/ ٤٥.
[ ١ / ٤٢٠ ]
فأما تميم تميم بن مر فألفاهم القوم روبى نياما١
ولولا الإطالة لذكرت ما دخل فيما أوردته من الزحاف، وقد أوردت هنا خمسة عشر بحرًا، ولم أذكر المتدارك، إذ هو محدث اخترعه المتأخرون، ولم تعرفه العرب في الزمن المتقدم، وهو خارج عن الخمسة عشر بحرًا، وقال ابن الحجاب في عروضه:
وخسمة عشر دون ما متدارك وما عده منها الخليل فعدلا
_________________
(١) ١ روبى: جمع رائب وهو الذي يبدو كالدايخ.
[ ١ / ٤٢١ ]