وما أروني التفاتًا عند نفرتهم وأنت يا ظبي أدرى بالتفاتهم
فسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذًا في معنى، فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن رادًا يرده عليه، أو سائلًا يسأله عن سببه، فيلتفت إليه بعد فراغه منه، فإما أن يجلي الشك، أو يؤكده، أو يذكر سببه، كقول الرماح بن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة ولا وصله يصفو لنا فنكارمه١
فكأن الشاعر توهم أن قائلًا يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحلة.
وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة ومثاله في الكتاب، قوله تعالى: بعد الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ٤ ومثال ذلك من الشعر قول جرير:
متى كان الخيا بذي طلوح سقيت الغيث أيتها الخيام
_________________
(١) ١ صرمه: هجره. ٢ الفاتحة: ١/ ٥. ٣ الأحزاب: ٣٣/ ٥٠. ٤ الأنعام: ٦/ ٦.
[ ١ / ١٣٤ ]
وانصراف المتكلم عن الخطاب إلى الأخبار، وهو عكس الأول، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ١ ومثاله أيضًا قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
ثم قال يخبر عن هذه المخاطبة:
كيف المزار وقد تربع أهلنا بعنيزتين وأهلها بالغيلم٢
أو انصراف المتكلم عن الإخبار إلى التكلم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ٣ أو انصراف المتكلم عن التكلم إلى الإخبار، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ ٤ والقراءة في الكلمات الثلاث بالنون شاذة، نقلها صاحب "البحر الزاخر" وفي هذا الكتاب سبعة آلاف رواية. وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاث في ثلاثة أبيات متواليات وهي قوله:
تطاول ليلك بالأثمد ونام الخليُّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأرمد٥
وذلك من نبإ جاءني وخبرته عن أبي الأسود
فخاطب في بيته الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني، وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب. وما أحلى قول مهيار بن مرزويه، في قصيدته التي سارت بمحاسنها الركبان، وامتدح بها الوزير زعيم الدين في يوم نوروز سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، والمطلع هو:
بكر العارض تحدوه النعامى فسقاك الراي يا دار أماما٦
_________________
(١) ١ يونس: ٢٢/ ١٠ ٢ بعنيزتين والغيلم: موضعين بعيدين عن بعضهما كثيرًا. ٣ فاطر: ٩/ ٣٥ ٤ هذه الآية غير موجودة في القرآن الكريم، لأنها كما ذكر الكاتب من القراءات الشاذة. وهي مثبتة بالياء في: إبراهيم ١٩/ ١٤ و٢٠ وفي؛ فاطر: ١٦/ ٣٥ و١٧. ٥ العائر الأرمد: الذي في عينه عوار ورمد. ٦ العارض: المطر - النُّعامى: ريح الجنوب وهي في الجزيرة من أندى الرياح وأرطبها.
[ ١ / ١٣٥ ]
فانصرف عن الإخبار إلى المخاطبة في بيت واحد، ومثله في اللطف قول القاضي الأرجاني:
وهل هي إلا مهجة يطلبونها فإن أرضت الأحباب فهي لهم فدى
إذا رمتمُ قتلي وأنتم أحبتي فماذا الذي أخشى إذا كنتم عدى
ومثله قول أبي الطيب:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
بما بجفنيك من سحر صلى دنفا يهوى الحياة وأما إن صددت فلا١
ومثله قول أبي العلاء:
يود أن ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم والعذب يهجر للإفراط في الخصر٢
ومن لطائف الالتفات: بالانصراف من الخطاب إلى الإخبار، قول ابن نبيه:
من سحر عينيك الأمان الأمان قتلت رب السيف والطيلسان
أسمر كالرمح له مقلة لو لم تكن كحلاء كانت سنان
فقوله عن المقلة، بعد تشبيه القوام بالرمح، أنها لو لم تكن كحلاء كانت سنان، بديع وغريب.
ومن أغرب ما وقع لي، في هذا النوع اللطيف، أنني صرحت باسم الالتفات عند وقوعه بقولي، من قصيدة قلت فيها:
والله إن لم ألقهم من بعد ذا فعلى زماني لم أزل متعتبا
وقد التفت إليك يا دهري بطو ل تعتبي ويحق لي أن أعتبا
قررت لي طول الشتات وظيفة وجعلت دمعي في الخدود مرتبا
واتفق لي أيضا نظير ذلك، في رسالة كتبت بها إلى العلامة بدر الدين بن قاضي أذرعات ﵀، منها: سكن القلب. وغير بدع إذا كان القلب للبدر منزلًا، ورام هلال الأفق أن يباهي سموه بمطلعه، فقلنا: ما أنت من براعة هذا الاستهلال، ولا تطاول الرامح إلى الطعن في محله الذي يجل قدرًا عن مناظر ومباهي، فقلنا له أقصر مكتفيًا وإلا
_________________
(١) ١ الدنف: المرض الشديد. ٢ الخصر: البرودة المؤلمة.
[ ١ / ١٣٦ ]
فعند التناهي، ولقد شوقتني ظباء المعالي، في هذا المسرح، إلى الالتفات، فقلت ملتفتا إلى تلك الليالي المقمرة بنوره، وقطوف الفواكه البدرية دانيات:
أيا بدر سما أفق المعالي وأوقع طائرًا من كل نسر
ذكرت لياليًا بك قد نقضت فيا شوقي إلى ليلات بدر
وأما بيت القصيدة، أعني البديعية، فإنه البيت الذي حظيت من بابه بالفتح، وناداه الغير من وراء حجراته، وتغاير ظباء الصريم وهو في سرب بديعه على حسن التفاته، وودت ربوع البديعيات أن يسكن منها في بيت، ولكن ﴿رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ﴾ ١ ولقد أنصف الحريري، في المقامة الحلوانية عند إيراد البيت الجامع لمشبهات الثغر بقوله: يا رواة القريض وأساة القول المريض، إن خلاصة الجور تظهر بالسبك، ويد الحق تصدع رداء الشك، وها أنا قد عرضت خبيئتي للاختبار، وعرضت حقيبتي على الاعتبار، وقلت وأنا ماش في عرض بيت بديعيتي على هذا السنن، وأرجو أن يكون بحسن التفاته في مرآة الذوق، مثل الغزال نظرة ولفتة: وسأبرزه بين أقرانه، وإذا انسدلت غدائر الأشكال ظهر الفرق من نور بيانه، فبيت الشيخ صفي الدين:
وعاذل رام بالتعنيف يرشدني عدمت رشدك هل أسمعت ذا صمم
ولم ينظم العميان في بديعيتهم، هذا النوع وأما بيت عز الدين:
وما التفت لساع حج في شغف ما أنت للركل من وجدي بملتزم٢
وبيت بديعيتي:
وما أروني التفاتًا عند نفرتهم وأنت يا ظبي أدرى بالتفاتهم
فهذا البيت فيه التورية بتسمية النوع، وقد برزت في أحسن قوالبها ومراعاة النظير، في الملائمة بين الالتفات والظبي، والنفرة والانسجام الذي أخذ بمجامع القلوب رقة، والتمكين الذي ما تمكنت قافية باستقراراها في بيت، كتمكين قافيته والسهولة التي عدها التيفاشي، في باب الظرافة، وناهيك بظرافة هذا البيت، والتوشيح وهو الذي يكون معنى أول الكلام دالا على آخره، ورد العجز على الصدر والالتفات، الذي هو المقصود دون غيره من الأنواع، فقد اشتمل هذا البيت على ثمانية أنواع من البديع، مع عدم التكلف، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ يوسف: ٢٣/ ١٢ ٢ الساعي: في الحج الذي يهرول بين الصفا والمروة - والركن: هو ركن مسجد النبي في الحجاز.
[ ١ / ١٣٧ ]