ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي يسعى معي فسعى لكن أراق دمي
حد الملفق أن يكون كل من الركنين مركبًا من كلمتين، وهذا هو الفرق بينه وبين المركب وقل من أفراده عنه، وغالب المؤلفين ما فرقوا بينهما، بل عدوا كل واحد منهما مركبًا إلا الحاتمي وابن رشيق وأمثالهما، ولعمري لو سموا الملفق مركبًا والمركب ملفقًا،
[ ١ / ٦٧ ]
لكان أقرب إلى المطابقة في التسمية، لأن الملفق مركب في الركنين، والمركب ركن واحد كلمة مفردة، والثاني مركب من كلمتين، وهذا هو التلفيق وما ألم بالملفق أحد من أصحاب البديعيات غير الشيخ صفي الدين الحلي، وما ذاك إلا أنه قال، في خطبة بديعيته، أنها نتيجة سبعين كتابًا في هذا الفن، وهذا دليل على أنه لما عارضه الشيخ عز الدين، والتزم تسمية الأنواع التي ذكرها الشيخ صفي الدين، لم يجد بدًّا من نظمه لأجل المعارضة، ولكن نحت فيه بيتًا من الجبال، وسيأتي. وأما العميان فإنهم عدوه في بديعيتهم من المركب، فاختصرته هنا، وكذلك بقية أبياتهم في أنواع الجناس تعين اختصارها، فإنهم لم يأتوا في البيت إلا بالنوع الواحد.
ومن الملفق في النظم قول الشاعر:
وكم لجباه الراغبين إليه من مجال سجود في مجالس جود
وما ألطف ما قال القاضي أبو علي عبد الباقي بن أبي حصين في هذا النوع، وقد ولي القضاء بالمعرة وهو ابن خمس وعشرين سنة، واقام في الحكم خمس سنين وهو:
وليت الحكم خمسًا وهي خمس لعمري والصبا في العنفوان
فلم تضع الأعادي قدر شاني ولا قالوا فلان قد رشاني
وأما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن عنين في هذا الباب:
خبروها بأنه ما تصدى لسلو عنها ولو مات صدا١
ويعجبني قوله بعد المطلع:
وسلوها في زروة من خيال إن تكن لم تجد من الهجر بدا٢
وبيت الحلي في الملفق:
فقد ضمنت وجود الدمع من عدم لهم ولم أستطع من ذاك منع دمي
ولم يمكن الشيخ صفي الدين أن يحصر مع الملفق غيره من أنواع الجناس في بيت واحد، لما تقدم من صعوبة مسلكه، وهو عزيز الوقوع، ولكن له رونق وموقع في الذوق لطلاوة٣ تركيبه، وغرابة أسلوبه، وبيت الشيخ صفي الدين في غاية الرقة والانسجام،
_________________
(١) ١ سلو: نسيان. ٢ زروة: أي زراة. ٣ الطلاوة: الحسن والرونق.
[ ١ / ٦٨ ]
غير أن التحريف حكم عليه فصار مشوشًا، والمشوش كل جنس تجاذبه طرفان من الصنعة، فلا يمكن إطلاق أحدهما على الآخر، وبيت صفي الدين تجاذبه المحرف والملفق انتهى.
وبيت الشيخ عز الدين:
ملفق ظاهر سرى وشان دمي لما جرى من عيوني إذ وشى ندمي١
هذا البيت فيه الجناس الملفق على الصنعة، وتسميته على الشروط المذكورة، ولكن عجزت لعقاده تركيبه، عن الطيران بأجنحة الفهم لا أحوم له على معنى، ونظرت بعد ذلك في شرحه فوجدته قد قال: إن لفظه ملفق صفة للجار والمجرور في قوله فحيي سلمى وسل ما ركبت بشذا، يعني إن الشذا الذي أطلقته سلمى أمام الحي كان ملفقًا، وبيتي المسئول له من الله السلامة:
ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي يسعى معي فسعى لكن أراق دمي
والكلام في رقة قولي: ورمت تلفيق صبري إلخ البيت، إنما وقع من أصحاب الغراميات، لا من أصحاب البديعيات، وقد تقدم قولي: إن الفرقة الناجية من التعسف والتكلف، فيب النظم، لم ترض بالجناس إذا أمكنت التورية، وقال المقر المرحومي الفخري، في التورية التي سماها جناسًا ملفقًا:
إن الهواءين يا معشوق قد عبثا بالروح والجسم في سري وفي علني
فالرروح تفديك بالممدود قد تلفت والجسم حوشيت بالمقصور فيك فني٢
وأنشدني، من لفظه لنفسه، علامة عصره الشيخ بدر الدين الدماميني:
تدري لماذا أتاك قلبي في عسكر الوحد وهو ذائب
أذنب ثم اختشى فوافى من ذلك الذنب فيك تائب
وأنشدني، من لظفه لنفسه الكريمة، أحد أعيان العصر ابن مكانس:
كمال أوصافي يا منيتي في الحب أن أصبحت مثل الخلال
وملت من سكر الهوى نشوة فارحم معنىً مغرمًا فيك مال٣
_________________
(١) ١ سرى: سار متخفيًّا - شان: عاب - وشى: دل. ٢ الممدود: الجسم - تلفت: خربت - المقصور: أو المقصورة وهي مكان الإقامة أو الصلاة والتورية في قوله: فيك فني التي يوهم لفظها بقوله في كفني. ٣ معنى: أسير الحب. أو الذي يعاني من الحب.
[ ١ / ٦٩ ]
ومن نظمي في هذا النوع الغريب:
رأت حياة شبابي قد قضت أجلا والسقم قد زاد لما قل مصطبري
قالت سرقت نحول الخصر قلت لها ما يحمل الشيخ هذا وهو في كبري١
انتهى والله ﷿ أعلم.
_________________
(١) ١ نحول الخصر: ضموره ودقته.
[ ١ / ٧٠ ]