وكم بمعرض مدح قد هجوتهم وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم١
هذا النوع من مستخرجات ابن أبي الأصبع، وهو أن يقصد المتكلم هجاء إنسان، فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح وباطنها القدح٢، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه، كقول الحماسي:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جميع الناس إنسانا٣
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة والخشية والتقوى، وباطنه المقصود أنهم في غاية الذل وعدم المنعة، وظريف قول بعضهم في الشريف ابن الشجري:
يا سيد والذي يعيذك من نظم قريض يصدي به الفكر٤
ما فيك من جدك النبي سوى أنك لا ينبغي لك الشعر
ومن ملح هذا الباب، قول ابن سناء الملك في قواد٥:
لي صاحب أفديه من صاحب حلو التأني حسن الاحتيال
لو شاء من رقة ألفاظه ألف ما بين الهدى والضلال٦
يكفيك منه أنه ربما قاد إلى المهجو طيف الخيال
_________________
(١) ١ سدتم: صرتم سادة. ٢ القدح: الذم والهجاء. ٣ لخشيته: أي لأجل أن ينفذوا خشيته أي ليخشوه. والخشية هي الإحساس بمراقبة الله في القول والعمل. ٤ يصدى: يعطش ويجف، ويصدأ. ٥ القواد: الذي يصلح بين القاتل وأهل المقتول ويأخذ لهم القود أي البدل. ٦ ألّف: جمع.
[ ١ / ٢٦١ ]
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع: لقد تشبثت بأذيال القاضي، السعيد بن سناء الملك، في هذا النوع بقولي، فيمن ادعى الفقه والكرم:
إن فلانًا أكرم الناس لا يمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقد نص على التقليد في درسه
فيحسنُ البحث على وجهه ويوجب الدخل على نفسه١
والفرق بين الهجاء في معرض المدح وبين التهكم، أن التهكم لا تخلو ألفاظه من اللفظ الدال على نوع من أنواع الذم، أو لفظة توهم من فحواها الهجو. وألفاظ المدح في معرض الذم لا يقع فيها شيء من ذلك، ولا تزال تدل على ظاهر المدح، حتى يقرن بها ما يصرفها عنه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
من معشر يرخص الأعراض جوهرهم ويحملون الأذى من كل مهتضم٢
فقوله: ويحملون الأذى من كل مهتضم، ينظر إلى قول الحماسي: "يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة" والمراد بما أبطنه الذل وعدم المنعة.
والعميان لم ينظموا هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
في معرض المدح تهجي من قبيلته أعراضهم بين معمور ومنهدم
الذي أقوله: إن الشيخ عز الدين قفل مصراعي بيته، ومنع الأفهام من الدخول إليه، فإن لم أجد فيه ما يدل على مجرد المدح، ولا اقترن به ما يصرفه إلى صيغة الهجو، بل أقول وأنا أستغفر الله: إن هذا البيت أجساد ألفاظه ما دب فيها من المعاني روح، وليس له بهذا النوع إلمام.
وبيت بديعيتي:
وكم بمعرض مدح قد هجوتهم وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم
فحمل الضيم، ينظر إلى قول الحماسي، إذ ظاهره الحلم والحسن وباطنه الذل وعدم المنعة ولكن حمل التهم هو الغاية القصوى في ظاهره وباطنه، والله أعلم.
_________________
(١) ١ الدَخْل: بفتح الدال وسكون الخاء: ما يدخل عليه من مال، وبفتح الخاء، ما يداخل عقل الإنسان من فساد، والالتباس والشبهة. ٢ الإعراض: عدم النظر أو الالتفات إلى الشيء، والعرض في سبيل البيع، المهتضم: الظالم الذي يهتضم الحقوق.
[ ١ / ٢٦٢ ]