فَقَالَ النَّبِي
كَاد ينجو وَلما وَترد هَذِه القصيدة إِن شَاءَ الله مشروحة فِي شَوَاهِد مُغنِي اللبيب فَإِنَّهُ اسْتشْهد بغالب أبياتها وَلم يَقع مِنْهَا شَيْء فِي هَذِه الشواهد.
وللأعشى أَخْبَار أخر تَأتي مُتَفَرِّقَة فِي شرح شَوَاهِد من شعره والْأَعْشَى فِي اللُّغَة الَّذِي لَا يبصر بِاللَّيْلِ ويبصر بِالنَّهَارِ وَالْمَرْأَة عشواء وعشي الرجل بِالْكَسْرِ عشا بِالْقصرِ إِذا ضعف بَصَره وَكَانَ هَذَا الْأَعْشَى عمي فِي أَوَاخِر عمره وعدة من هُوَ أعشى من الشُّعَرَاء سَبْعَة عشر شَاعِرًا ذكرهم الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ (الوافر)
(حلائل أسودين وأحمرينا)
وأوله
(فَمَا وجدت بَنَات بني نزار)
على أَن جمع أسود وأحمر جمع تَصْحِيح شَاذ كَمَا يَجِيء فِي بَاب الْجمع وَقَالَ فِي بَاب الْجمع فَكل صفة لَا تلحقها التَّاء فَكَأَنَّهَا من قبيل الْأَسْمَاء فَلِذَا لم يجمع هَذَا الْجمع أفعل فعلاء وفعلان فعلى وَأَجَازَ ابْن كيسَان أحمرون وسكرانون وَاسْتدلَّ بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ عِنْد غَيره شَاذ ا. هـ.
وبَنَات فَاعل وجدت وحلائل مَفْعُوله نزار بِكَسْر النُّون هُوَ وَالِد مُضر بن نزار بن معد بن عدنان والحلائل جمع حليل بِالْحَاء الْمُهْملَة وَهُوَ
[ ١ / ١٧٨ ]
الزَّوْج والحليلة الزَّوْجَة سميا بذلك لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل للأخر وَلَا يحرم أَو لِأَن كلا مِنْهُمَا يحل من صَاحبه محلا لَا يحله غَيره وأسودين صفة حلائل وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لحكيم الْأَعْوَر ابْن عَيَّاش الْكَلْبِيّ من شعراء الشَّام هجا بهَا مُضر وَرمى فِيهَا أمْرَأَة الْكُمَيْت بن زيد بِأَهْل الْحَبْس لما فر مِنْهُ بِثِيَاب امْرَأَته
وَسبب حبس الْكُمَيْت على وَجه الِاخْتِصَار أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ ولعا بِهِجَاء مُضر فَكَانَت شعراء مُضر تهجوه وتجيبه وَكَانَ الْكُمَيْت يَقُول هُوَ وَالله أشعر مِنْكُم قَالُوا فأجب الرجل قَالَ إِن خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي محسن إِلَيّ فَلَا أقدر أَن أرد عَلَيْهِ قَالُوا فاسمع بأذنك مَا يَقُول فِي بَنَات عمك وَبَنَات خَالك من الهجاء فأنشدوه ذَلِك فحمي الْكُمَيْت لعشيرته فَقَالَ المذهبة الَّتِي أَولهَا
(أَلا حييت عَنَّا يَا مدينا)
وَأحسن فِيهَا وَهِي زهاء ثَلَاثمِائَة بَيت لم يتْرك فِيهَا حَيا من أَحيَاء الْيمن إِلَّا هجاهم وَمِنْهَا (الوافر)
(وَلَا أَعنِي بذلك أسفليكم وَلَكِنِّي أُرِيد بِهِ الذوينا)
وَتقدم شَرحه وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس عشر وَعرض الْكُمَيْت فِيهَا بِأخذ الْفرس والحبشة وَغَيرهمَا نسَاء الْيمن بقوله
(لنا قمر السَّمَاء وكل نجم تُشِير إِلَيْهِ أَيدي المهتدينا)
[ ١ / ١٧٩ ]
(وَمَا ضربت بَنَات بني نزار هوائج من فحول الأعجمينا)
(وَمَا حملُوا الْحمير على عتاق مطهمة فيلفوا منغلينا)
والهوائج جمع هائج وَهُوَ الْفَحْل الَّذِي يشتهى الضراب وَبلغ خَالِدا الْقَسرِي خبر هَذِه القصيدة فَقَالَ وَالله لأقتلنه ثمَّ اشْترى ثَلَاثِينَ جَارِيَة فِي نِهَايَة الْحسن فرواهن القصائد الهاشميات للكميت ودسهن مَعَ نخاس إِلَى هِشَام بن عبد الْملك فاشتراهن فأنشدنه يَوْمًا القصائد الْمَذْكُورَة فَكتب إِلَى خَالِد وَكَانَ يَوْمئِذٍ عَامله بالعراق أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِرَأْس الْكُمَيْت فَأَخذه خَالِد وحبسه فَوجه الْكُمَيْت إِلَى امْرَأَته وَلبس ثِيَابهَا وَتركهَا فِي مَوْضِعه وهرب من الْحَبْس فَلَمَّا علم خَالِد أَرَادَ أَن ينكل بِالْمَرْأَةِ فاجتمعت بَنو أَسد إِلَيْهِ وَقَالُوا مَا سَبِيلك على امْرَأَة لنا خدعت فخافهم وخلى سَبِيلهَا ثمَّ إِن الْكُمَيْت أتصل بِمسلمَة بن هِشَام فشفع فِيهِ عِنْد وَالِده فشفعه
وَقيل إِن سَبَب هجاء الْكُمَيْت أهل الْيمن أَن حكيما الْأَعْوَر هَذَا كَانَ يهجو عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَبني هَاشم جَمِيعًا وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بني أُميَّة فَانْتدبَ لَهُ الْكُمَيْت رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فهجاه وسبه وأجابه ولج الهجاء بَينهمَا وَكَانَ الْكُمَيْت يخَاف أَن يفصح بِشعرِهِ عَن عَليّ ﵁ لما وَقع بَينه وَبَين هِشَام وَكَانَ يظْهر أَن هجاءه إِيَّاه للعصبية الَّتِي بَين عدنان جد مُضر وَبَين قحطان أبي الْيمن وَقَالَ المستهل بن الْكُمَيْت يَوْمًا لوالده لما افتخر فِي قصيدة بائية مُوَحدَة ببني أَيَّة هاجيا بهَا قحطان كَيفَ فخرت ببني أُميَّة وَأَنت تشهد عَلَيْهَا بالْكفْر فَهَلا فخرت بعلي وَبني هَاشم الَّذين تتولاهم فَقَالَ يَا بني أَنْت تعلم انْقِطَاع الْكَلْبِيّ إِلَى بني أُميَّة وهم أَعدَاء عَليّ ﵁ فَلَو ذكرت
[ ١ / ١٨٠ ]
عليا لترك ذكري وَأَقْبل على هجائه فَأَكُون قد عرضت عليا لَهُ وَلَا أجد لَهُ ناصرا من بني أُميَّة ففخرت عَلَيْهِ ببني أُميَّة وَقلت إِن نقضهَا عَليّ قَتَلُوهُ وَإِن أمسك عَن ذكرهم ثنيته عَن الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ أمسك الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ عَن جَوَابه فغلب عَلَيْهِ وأفحم الْكَلْبِيّ وَقَالَ الْأَعْوَر الْكَلْبِيّ يَوْمًا (الْبَسِيط)
(مَا سرني أَن أُمِّي من بني أَسد وَأَن رَبِّي نجاني من النَّار)
(وَأَنَّهُمْ زوجوني من بناتهم وَأَن لي كل يَوْم ألف دِينَار)
فَأَجَابَهُ الْكُمَيْت (الْبَسِيط)
(يَا كلب مَالك أم من بني أَسد مَعْرُوفَة فَاحْتَرَقَ يَا كلب بالنَّار)
فَأَجَابَهُ الْكَلْبِيّ
(لن يبرح اللؤم هَذَا الْحَيّ من أَسد حَتَّى يفرق بَين السبت والأحد)