وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
[ ٤ / ٩ ]
الْبَسِيط
(قد قيل ذَلِك إِن حقّا وَإِن كذبا فَمَا اعتذارك من شَيْء إِذا قيلا)
على أنّ كَانَ تحذف مَعَ اسْمهَا بعد إِن الشرطيّة أَي: إِن كَانَ ذَلِك حَقًا وَإِن كَانَ كذبا جعله صَاحب اللّبَاب من قبيل: النّاس مجزيّون بأعمالهم: إِن خيرا فَخير وَإِن شرًّا فشرّ فِي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة.
-
قَالَ شَارِحه الفالي: يجوز فِيهِ أَرْبَعَة أوجه: رفعهما ونصبهما وَرفع الأوّل وَنصب الثَّانِي وَبِالْعَكْسِ. وَتَقْدِير الرّفْع فيهمَا: إِن وَقع حقٌ وَإِن وَقع كذبٌ أَو إِن كَانَ فِيهِ أَي: فِي الْمَقُول حقّ وَإِن كَانَ فِيهِ كذب. ونصبهما على أنّهما خبر كَانَ وَالتَّقْدِير: إِن كَانَ الْمَقُول حَقًا وَإِن كَانَ الْمَقُول كذبا وَأما رفع أَحدهمَا وَنصب الآخر فَيظْهر من بَيَان نصبهما ورفعهما. وإنّما قَالَ: مِنْهُ لِأَن الْوُجُوه الْأَرْبَعَة كَانَت فِي الشَّرْط وَالْجَزَاء وَهُوَ إِن خيرا فَخير وَفِي الْبَيْت الْوُجُوه فِي الشَّرْطَيْنِ وهما إِن حَقًا وَإِن كذبا.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ للنّعمان بن الْمُنْذر أوّلها:
(شرّد برحلك عنّي حَيْثُ شِئْت وَلَا تكْثر عليّ ودع عَنْك الأقاويلا)
(فقد رميت بداءٍ لست غاسله مَا جاور السّيل أهل الشّام والنّيلا)
(فَمَا انتفاؤك مِنْهُ مَا قطعت هوج المطيّ بِهِ أكناف شمليلا)
(قد قيل ذَلِك إِن حَقًا وَإِن كذبا فَمَا اعتذارك من شيءٍ إِذا قيلا)
(فَالْحق بِحَيْثُ رَأَيْت الأَرْض وَاسِعَة وانشر بهَا الطّرف إِن عرضا وَإِن طولا)
[ ٤ / ١٠ ]
قَوْله: شرّد برحلك أَي: أبعده وارتحل عني. وَقَوله: فقد رميت رُوِيَ بدله: فقد ذكرت بِهِ والرّكب حامله وَضمير بِهِ وحامله للبرص الْمَذْكُور. وَقَوله: شمليلا قَالَ البكريّ فِي مُعْجم
مَا استعجم: هُوَ بِكَسْر أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه بعده لَام مَكْسُورَة على وزن فعليل بلد وانشد هَذَا الْبَيْت. وَمن الْعَجَائِب تَفْسِير العينيّ إيّاه بالناقة الْخَفِيفَة وكأنّه يكْتب من غير أَن يتصورّ الْمَعْنى.
وَالسَّبَب فِي هَذِه الأبيات هُوَ مَا رَوَاهُ الْحسن الطوسيّ فِي شرح ديوَان لبيد والمفضّل بن سَلمَة)
فِي الفاخر وَابْن خلف فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَقد تدَاخل كَلَام كل مِنْهُم فِي الآخر أنّ وَفد بني عَامر مِنْهُم طفيل بن مَالك وعامر بن مَالك أَتَوا النُّعْمَان بن الْمُنْذر أول مَا ملك فِي أُسَارَى من بني عَامر يشترونهم مِنْهُ وَمَعَهُمْ نَاس من بني جَعْفَر وَمَعَهُمْ لبيدٌ وَهُوَ غلامٌ صَغِير فخلّفوه فِي رحالهم ودخلوا على النّعمان فوجدوا عِنْده الرّبيع بن زِيَاد العبسيّ وَكَانَ نديم النّعمان قد غلب على حَدِيثه ومجلسه فَجعل الرّبيع يهزأ يهم ويسخر مِنْهُم لعداوة غطفان وهوازن فغاظهم ذَلِك فَرَجَعُوا بِحَال سيّئة فَقَالَ لَهُم لبيد: إنّكم تنطلقون بِحَال حَسَنَة ثمَّ ترجعون وَقد ذهب ذَاك وَتغَير. قَالُوا: خَالك وَكَانَت أمّ لبيد عبسيّة كلّما أقبل علينا بِوَجْهِهِ صدّه عنّا بِلِسَان بليغ مُطَاع.
فَقَالَ لَهُم لبيد: فَمَا يمنعكم من معارضته قَالُوا: لحسن مَنْزِلَته عِنْد النُّعْمَان. قَالَ: فَانْطَلقُوا بِي مَعكُمْ. فأزمعوا أَن يذهبوا بِهِ وحلقوا رَأسه وألبسوه حلّةً وَغدا مَعَهم فَانْتَهوا إِلَى النُّعْمَان وربيع مَعَه وهما يأكلان طَعَاما وَقيل تَمرا وزبدًا فَقَالَ لبيد: أَبيت اللَّعْن وَإِن رَأَيْت أَن تَأذن لي فِي الْكَلَام. فَأذن لَهُ فَأَنْشد:
[ ٤ / ١١ ]
الرجز
(مهلا أَبيت اللّعن لَا تَأْكُل مَعَه إنّ استه من برص ملمّعه)
(وإنّه يدْخل فِيهَا إصبعه يدخلهَا حتّى يواري أشجعه)
كَأَنَّمَا يطْلب شَيْئا ضيّعه وَسَيَأْتِي شرح هَذِه الأبيات إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي ربّ من حُرُوف الجرّ.
فَرفع النّعمان يَده وأفّف وَقَالَ: كفّ وَيلك يَا ربيع إِنِّي أحسبك كَمَا ذكر. فَقَالَ الرّبيع: إنّ الْغُلَام لَكَاذِب. فَترك النّعمان مؤاكلته وَقَالَ: عد إِلَى قَوْمك. فَمضى الرّبيع لوقته وتجرّد وأحضر من شَاهد بدنه وَأَنه لَيْسَ فِيهِ سوء وَلحق بأَهْله وَأرْسل إِلَى النُّعْمَان بِأَبْيَات مِنْهَا: الْبَسِيط
(لَئِن رحلت ركابي لَا إِلَى سعةٍ مَا مثلهَا سعةٌ عرضا وَلَا طولا)
(وَلَو جمعت بني لخمٍ بأسرتها لم يعدلُوا ريشةً من ريش قتميلا)
وروى: شمويلا فَأَجَابَهُ النّعمان:
(شرّد برحلك عنّي حَيْثُ شِئْت وَلَا تكْثر عليّ ودع عَنْك الأقاويلا)
الأبيات: والنّعمان بن الْمُنْذر هُوَ آخر مُلُوك الْحيرَة تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين بعد)
الْمِائَة.
وأمّا الرّبيع فَهُوَ الرّبيع بن زِيَاد العبسيّ قَالَ الزّمخشريّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: أَنْجَب من بنت الخرشب هِيَ فَاطِمَة الأنماريّة ولدت لزياد
[ ٤ / ١٢ ]
العبسيّ الكملة: ربيعًا الْكَامِل وَعمارَة الوهّاب وَقيس الْحفاظ وَأنس الفوارس.
وَقيل لَهَا: أيّ بنيك أفضل فَقَالَت: ربيع بل عمَارَة بل قيس بل أنس ثكلتهم إِن كنت وَأنْشد بعده وَهُوَ