وَهُوَ من شَوَاهِد س:
[ ٤ / ١٢٠ ]
الْبَسِيط
(إلاّ أواريّ مَا إِن لَا أبينها)
على أنّ الفرّاء أنْشدهُ بِالْجمعِ بَين ثَلَاثَة أحرف نَافِيَة وَالرِّوَايَة: لأيًا مَا أبينها.
هَذِه الرِّوَايَة أنشدها الفرّاء فِي تَفْسِيره المسمّى بمعاني الْقُرْآن فِي أَوَاخِر سُورَة يُونُس عِنْد قَوْله تَعَالَى: فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إلاّ قوم يُونُس. وَهَذَا نَص كَلَامه: فِي قِرَاءَة أبيّ فهلاّ لأنّ مَعْنَاهَا أنّهم لم يُؤمنُوا ثمَّ اسْتثْنى قوم يُونُس بِالنّصب على الِانْقِطَاع مِمَّا قبله أَلا ترى أنّ مَا بعد إلاّ فِي الْجحْد يتبع مَا قبلهَا فَتَقول: مَا قَامَ أحدٌ إلاّ أَبوك لأنّ الْأَب من الْأَحَد: فَإِذا قلت: مَا فِيهَا أحد إلاّ كَلْبا وَحِمَارًا نصبت لأنّها منقطعةٌ مِمَّا قبل إلاّ إِذْ لم يكن من شكله وَلَا جنسه: كَذَلِك كَانَ قوم يُونُس منقطعين من قوم غَيره من الْأَنْبِيَاء.
وَلَو كَانَ الِاسْتِثْنَاء هَاهُنَا وَقع على طَائِفَة مِنْهُم لَكَانَ رفعا. وَقد يجوز الرّفْع كَمَا أنّ الْمُخْتَلف ف الْجِنْس قد يتبع فِيهِ مَا بعد إلاّ مَا قبل إلاّ كَمَا قَالَ الشَّاعِر: الرجز
والنّصب فِي قَوْله تَعَالَى: مَا لَهُم بِهِ من علم إلاّ اتِّبَاع الظّنّ لَا ينْسب إِلَى الْعلم. وأنشدونا بَيت النَّابِغَة بِالنّصب: . .
[ ٤ / ١٢١ ]
وَمَا بِالربعِ من أحد إلاّ أواريّ مَا إِن أبيّنها
قَالَ الفرّاء: جمع هَذَا الْبَيْت بَين ثَلَاثَة أحرفٍ من حُرُوف الْجحْد: لَا وَإِن وَمَا. وَالنّصب فِي هَذَا النَّوْع الْمُخْتَلف من كَلَام أهل الْحجاز والاتباع من كَلَام تَمِيم. انْتهى كَلَام الفرّاء.
وَأَرَادَ اجتماعها على سَبِيل التوكيد لَا أنّ الثَّانِي نافٍ للنَّفْي فَيثبت وَالثَّالِث نافٍ للثَّانِي فينفى. وَقد أورد الفرّاء فِي تَفْسِيره الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا الشَّارِح فِي أَوَاخِر سُورَة النِّسَاء عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إلاّ من أَمر بصدقةٍ قَالَ: من فِي مَوضِع خفضٍ ونصبٍ: الْخَفْض إلاّ فِيمَن أَمر بِصَدقَة.
والنّجوى هَاهُنَا رجال كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذ هم نجوى وَمن جعل النّجوى فعلا كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا يكون من نجوى ثلاثةٍ فَمن حِينَئِذٍ فِي مَوضِع رفع.
وَأما النّصب فَأن تجْعَل النّجوى فعلا فَإِذا استثنيت الشَّيْء من خِلَافه كَانَ الْوَجْه النصب كَمَا)
( وَمَا بالربّع من أحد)
(إلاّ أواريّ لأيًا مَا أبنّيها والنّؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد)
[ ٤ / ١٢٢ ]
وَقد تكون فِي مَوضِع رفع وَإِن ردّت على خلَافهَا قَالَ الشَّاعِر:
(وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس إلاّ اليعافير وإلاّ العيس)
انْتهى.
وإنّما سقنا كَلَامه فِي الْمَوْضِعَيْنِ برمّته للتبرّك وليعلم طرز تَفْسِيره فَإِنَّهُ لقدمه قلّما يطلع عَلَيْهِ أحد.
وَقد أوردهُ الزّجّاجيّ بِهَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضا فِي تَفْسِيره الْمَعْرُوف بمعاني الْقُرْآن فِي سُورَة الْبَقَرَة عِنْد قَوْله تَعَالَى: إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم ياتّخاذكم الْعجل قَالَ: الظّلم فِي اللّغة: وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه الْعَرَب تَقول: من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم مَعْنَاهُ لم يَقع الشّبَه غير موقعه وَيُقَال: ظلم فلَان سقاءه إِذا شرب وَسَقَى مِنْهُ قبل إِدْرَاكه وأراض مظلومة إِذا حفر فِيهَا وَلم يكن حفر فِيهَا قبل وَإِذا جَاءَ الْمَطَر يقربهَا ويتخطّاها.
قَالَ النَّابِغَة:
(إلاّ أورايّ لأيًا مَا أبينّها والنّؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد)
وَأوردهُ الزّجّاج أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَلَو أنّا كتبنَا عَلَيْهِم أَن اقْتُلُوا أَنفسكُم أَو اخْرُجُوا من دِيَاركُمْ. قَالَ: وَأما رفع إلاّ قليلٌ مِنْهُم فعلى الْبَدَل
من الْوَاو وَالْمعْنَى مَا فعله إلاّ قَلِيل.
وَالنّصب جَائِز فِي غير الْقُرْآن على معنى مَا فَعَلُوهُ أستثني قَلِيلا مِنْهُم. وعَلى مَا فسّرناه فِي نصب
[ ٤ / ١٢٣ ]
الِاسْتِثْنَاء فَإِن كَانَ فِي النَّفْي نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ فالاختيار النصب وَالْبدل جَائِز تَقول: مَا بِالدَّار أحدٌ إلاّ حمارا.
قَالَ النَّابِغَة الذّبيانيّ: الْبَسِيط
(وقفت فِيهَا أصيلالا أسائلها عيّت جَوَابا وَمَا بالربّع من أحد)
إلاّ أواريّ لأيّا مَا أبنيها . . الخ فَقَالَ: مَا بالربّع من أحد أَي: مَا بِالربعِ أحدٌ إلاّ أواريّ. لأنّ الأواريّ لَيست من النَّاس. وَقد يجوز الرّفْع على الْبَدَل وَإِن كَانَ من غير جنس الأوّل كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(وبلدةٍ لَيْسَ بهَا أنيس إلاّ اليعافير وإلاّ العيس»
فَجعل اليعافير والعيس بَدَلا من الأنيس. وَجَائِز أَن يكون جعل أنيس ذَلِك الْبَلَد اليعافير والعيس. انْتهى كَلَامه.
وَقد رويا كِلَاهُمَا إلاّ الأواريّ معرّفًا ومنكرًا. قَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح حكى عبد القاهر عَن شَيْخه عبد الْوَارِث ابْن أُخْت أبي عليّ أَنه قَالَ: الجيّد أَن يرْوى إلاّ الأواريّ بِالْألف وَاللَّام ليَكُون الْفَتْح خَالِصا. وَإِذا نكّر جَازَ أَن يكون بَدَلا من أحد وَلَكِن لم يكسر لِأَنَّهُ غير منصرف انْتهى.
وَقَوله: وَإِذا نكّر جَازَ أَن يكون بَدَلا من أحد هَذَا الْجَوَاز مَمْنُوع عِنْد الْبَصرِيين. وَقد بينّه ابْن السيّد فِي شرح الْجمل قَالَ: ويروى عَن الكسائيّ أنّه أجَاز خفض الأواريّ على الْبَدَل من لفظ أحد. وَهَذَا عِنْد البصرييّن خطأ لأنّه يصير التَّقْدِير: وَمَا بالربّع إلاّ من أورايّ فَتكون من زَائِدَة فِي الْوَاجِب. وَمن لَا تزاد
إلاّ فِي النَّفْي. وَلَو أنّها من الَّتِي تدخل على الْمُوجب والمنفيّ لجَاز ذَلِك كَقَوْلِك: مَا أخذت من أحد إلاّ زيدٍ درهما.
[ ٤ / ١٢٤ ]
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةٍ للنّابغة الذّبيانيّ مدح بهَا النّعمان بن الْمُنْذر وَاعْتذر إِلَيْهِ مِمَّا بلغه عَنهُ.
وَهَذَا مطلع القصيدة:
(يَا دَار ميّة بالعلياء فَالسَّنَد أقوت وَطَالَ عَلَيْهَا سالف الْأَبَد)
(وقفت فِيهَا أصيلانًا أسائلها عيّت جَوَابا وَمَا بالربّع من أحد)
إلاّ الأواريّ لأيًا الْبَيْت وَقد تقدّم شرح أَبْيَات كَثِيرَة مِنْهَا فِي عدّة مَوَاضِع.
وَقد أورد سِيبَوَيْهٍ هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: إلاّ الأواريّ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لأنّها من غير جنس الأحدين. وَالرَّفْع جَائِز على الْبَدَل من الْموضع.
وَالتَّقْدِير: وَمَا بالربّع أحد إلاّ الأواريّ. على أَن يَجْعَل من جنس الأحدين اتساعًا ومجازًا انْتهى.
قَالَ ابْن السّيد: الرّفْع على الْبَدَل من مَوضِع من أحد. لأنّ من زَائِدَة وَأحد مرفوعٌ فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ مخفوضًا فِي اللَّفْظ وَلَيْسَت بِبَدَل من مَوضِع الجارّ وَحده.
وَلَا من مَوضِع الْمَجْرُور وَحده ولكنّها بدل من موضعهما مَعًا.
وَالْبَيْت الأوّل يَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله فِي الْفَاء من حُرُوف الْعَطف.
وَقَوله: وقفت فِيهَا الْبَيْتَيْنِ وصف أَن دَار ميّة خلت من أَهلهَا فَسَأَلَهَا
توجّعًا تذكرًا لمن حلّ)
بهَا فَلم تجبه إِذْ لَا مُجيب بهَا وَلَا أحد فِيهَا إلاّ الأواريّ وَهِي محابس الْخَيل وَاحِدهَا آريّ وَهُوَ من تأرّيت
[ ٤ / ١٢٥ ]
بِالْمَكَانِ: إِذا تحسّبت بِهِ. واللأي: البطء. وَالْمعْنَى: تبيّنتها بعد بطء لتغيّرها. والنّؤي: حاجز حول الخباء يدْفع عَنهُ المَاء ويبعده وَهُوَ من نأيت إِذا بعددت. وشبّهه فِي استدارته بالحوض. والمظلومة أَرض حفر فِيهَا الْحَوْض لغير إِقَامَة لأنّها فِي فلاة فظلمت بذلك وغنّما أَرَادَ أنّ حفر الْحَوْض لم يعمق فَذَلِك أشبه للنّؤي وَلذَلِك جعلهَا جلدا وَهِي الصّلبة.
هَذَا مَا قَالَه الأعلم إِجْمَالا وَأما تَفْصِيلًا فَقَوله: أصيلانًا مَنْصُوب على الظّرْف وَفِيه ثَلَاثَة الثَّانِي: أنّه تَصْغِير أصلان وَهُوَ جمع أصيل كرغفان جمع رغيف. وردّه أَن جمع الْكَثْرَة لَا يصغّر إلاّ بردّه إِلَى الْمُفْرد.
الثَّالِث: أنّه مصغّر اصلان أَيْضا لَكِن أصلانًا اسمٌ مُفْرد بِمَعْنى الْأَصِيل مثل التّكلان والغفران.
حكى هذَيْن الْقَوْلَيْنِ شَارِح الدّيوان واللّخميّ.
وروى أَيْضا: أصيلالا بإبدال النُّون لامًا. والأصيل: الْوَقْت بعد الْعَصْر إلأى الْمغرب. وروى أَيْضا: وقفت فِيهَا أصيلا كي أسائلها وروى أَيْضا: وقفت فِيهَا طَويلا كي أسائلها وَهُوَ إمّا بِتَقْدِير وقوفًا طَويلا وإمّا بِتَقْدِير وقتا طَويلا. وَقَوله: أسائلها الْجُمْلَة حَال: إمّا من تَاء وقفت فَهِيَ جَارِيَة على من هِيَ لَهُ وإمّا من ضمير فِيهَا فَتكون لغير من هِيَ لَهُ.
وإنّما جَازَ الْوَجْهَانِ لأنّ فِي أسائلها ضميرًا رَاجعا إِلَى السَّائِل وضميرًا رَاجعا للمسؤول واستتر الضَّمِير مَعَ جَرَيَان الْحَال على غير من هِيَ لَهُ لأنّ الْفِعْل يسْتَتر فِيهِ ضمير الأجنبيّ وَغَيره لقوّته فِي الْإِضْمَار. فعلى
[ ٤ / ١٢٦ ]
الأوّل تَقْدِيره مسائلها وعَلى الثَّانِي
مسائلها أَنا بِإِظْهَار الضَّمِير. وَلَا يجوز أَن تكون الْجُمْلَة حَالا من الضميرين على حدّ لَقيته راكبين لاخْتِلَاف العاملين وَلما فِي ذَلِك من التناقص. كَذَا قَالَ ابْن السَّيِّد.
وَقَوله: عيّت اسْتِئْنَاف بيانيٌّ وَقيل حَال بِتَقْدِير قد من ضمير الدَّار فِي أسائلها. يُقَال: عييت بِالْأَمر بِالْكَسْرِ: إِذا لم تعرف وَجهه وروى أَيْضا: أعيت بِالْألف أَي: عجزت. وجَوَابا: إمّا تَمْيِيز محوّل عَن الْفَاعِل أَي: عيّ جوابها ثمَّ اسند الْفِعْل إِلَى ضمير الدَّار.)
وَهَذَا كَقَوْلِه: وقفت برسميها فعيّ جوابها وإمّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: عيّت أَن تجيب جَوَابا. وَفِيه نظر ظَاهر.
وَقَوله: وَمَا بالربّع الخ قَالَ ابْن السيّد جَعلتهَا لَا محلّ لَهَا من الْإِعْرَاب وَإِن شِئْت كَانَت حَالا من ضمير عيّت الْمُسْتَتر أَو من ضمير أسائلها وَيلْزم على هَذَا تَقْدِير ضمير صَاحب الْحَال أَي: وَمَا بالربّع مِنْهَا. وَعند الكوفيّين أل فِي الرّبع معاقبة للضمير أَي: وَمَا بربعها انْتهى. والربّع بِالْفَتْح: محلّة الْقَوْم ومنزلهم أَيْنَمَا كَانَ. والمربع كجعفر: منزلهم فِي الرّبيع خَاصَّة. وَلم يصب اللّخمي فِي قَوْله: الرّبع الْمنزل فِي الرّبيع
[ ٤ / ١٢٧ ]
خاصّة ثمَّ كثر فِي كَلَامهم حتّى قيل لكل منزل ربع وَقَوله: من أحد من زَائِدَة وَأحد فَاعل الظّرْف.
إلاّ الأورايّ لأيًا مَا أبيّنها
الأواريّ يُقَال لَهَا الأواخيّ أَيْضا وهما آريّةً وآخيّة بمدّ الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء فيهمَا وَهِي الَّتِي تحبس بهَا الْخَيل من وتد وحبل. واللأي قَالَ ابْن السيّد: هُوَ مصدر لم يسْتَعْمل مِنْهُ فعل إلاّ بِالزِّيَادَةِ يُقَال: التأى وَلَا يُقَال: لأى.
والمظلومة فِيهَا أَقْوَال: قيل: هِيَ الأَرْض حفر فِيهَا وَلم يكن بهَا حفرٌ قبل ذَلِك وَقيل: هِيَ الَّتِي أَتَاهَا سيلٌ من أَرض أُخْرَى وَقيل: هِيَ أَرض مطرَت فِي غير وَقتهَا وَشعر النَّابِغَة يَقْتَضِي الأوّل.
وَقَالَ ابْن السّكّيت: إنّما قيل بالمظلومة لإنّهم مرّوا فِي برّيّة فَحَفَرُوا فِيهَا حوضًا وَلَيْسَ بِموضع حفر فَجعلُوا الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه. والْجلد بِفَتْح الْجِيم وَاللَّام: الأَرْض الصّلبة من غير حِجَارَة قَالَ ابْن السيّد: وخصّها بذلك لأنّها إِذا كَانَت صلبة تعذر الْحفر فِيهَا فَلم يعمق الْحفر فِيهَا فَهُوَ أولى لتشبيه النؤي بِهِ.
وَفِي رِوَايَة: الأواريّ والنّؤي بِالرَّفْع على لُغَة تَمِيم بالإبدال من مَوضِع من أحد وَذَلِكَ على ثَلَاثَة أوجه: الأوّل: أنّه أَرَادَ مَا بالربّع إلاّ الأواريّ فَذكر من أحدٍ تَأْكِيدًا وكأنّه فِي التَّقْدِير: مَا بالربّع شَيْء أحدٌ وَلَا غَيره إلاّ الأواريّ.
وَالْوَجْه الثَّانِي: أنّه جعل الأواريّ من جنس أحد على الْمجَاز كَمَا تَقول
[ ٤ / ١٢٨ ]
تحيّته السّيف وَمَا أَنْت إلاّ أكلٌ وَشرب فَجعل التّحية السَّيْف وَجعله الْأكل وَالشرب مجَازًا.)
وَالْوَجْه الثَّالِث: أنّه خلط من يعقل بِمَا لَا يعقل ثمَّ غلّب من يعقل فَقَالَ: وَمَا بالربّع من أحد وَهُوَ يُرِيد من يعقل وَمَا لَا يعقل ثمَّ أبدل الأواريّ من لفظٍ اشْتَمَل عَلَيْهِ وعَلى غَيره.
وَالْقَوْلَان الأوّلان لسيبويه وَالثَّالِث للمازنيّ.
وَقَوله: كالحوض قَالَ ابْن السيّد: يحْتَمل وَجْهَيْن: إنّ جعلت النّؤي مَرْفُوعا بِالِابْتِدَاءِ فالظرف خَبره وَإِن جعلته مَرْفُوعا بالْعَطْف على الأواريّ فالظرف حَال من النّؤي كم نصب
النّؤي بالْعَطْف على الأواريّ وعامل الْحَال إِذا نصب النؤي معنى الِاسْتِثْنَاء وَإِذا رفع فَمَعْنَى الِاسْتِقْرَار فِي قَوْله بالربّع.
وَقَوله: بالمظلومة حَال من الْحَوْض وَالْعَامِل مَا فِي الْكَاف من معنى التَّشْبِيه. فَإِن قلت: أيّ مَا هِيَ فِي قَوْله لأيا مَا أبينها قلت: هِيَ كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: إنّ الله لَا يستحي أَن يضْرب مثلا مَا بعوضةٌ قَالَ صَاحب الكشّاف: وَمَا هَذِه إبهاميّة وَهِي الَّتِي إِذا اقترنت باسم نكرَة أبهمته إبهامًا وزادته شياعًا وعمومًا كَقَوْلِك: أَعْطِنِي كتابا مَا تُرِيدُ أيّ كتاب كَانَ أَو صلَة للتَّأْكِيد كَالَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: فبمَا نقضهم ميثاقهم انْتهى.
فَالْمَعْنى أنّ هَذَا الرّبع لخلوه من الْأَهْل
[ ٤ / ١٢٩ ]
قد سفت الرّيح عَلَيْهِ التُّرَاب حتّى خفيت الأواريّ فِيهِ فَلَا تظهر للنَّاظِر بادئ بَدْء وإنّما يستبينها ببطء بعد التأمّل.
فَإِن قلت: رِوَايَة الْفراء تناقص رِوَايَة الْجُمْهُور فإنّ رِوَايَته ذ ريحة فِي نفي استبانة الأواريّ وَحِينَئِذٍ لَا معنى لستثناء الأواريّذ. قلت: هِيَ بِتَقْدِير مَا أبينها بسرعةٍ بل ببطء فتطابق رِوَايَة الْجُمْهُور ويصحّ الِاسْتِثْنَاء.
فَإِن قلت: هَل يصحّ مَا فِي رِوَايَة الْجُمْهُور نَافِيَة قلت: لَا لأنّ الْمَعْنى خينئذ أنّ الأواريّ لم أتبينّها ببطء بل بِسُرْعَة. وَهَذَا خلاف مُرَاد الشَّاعِر فتأمّل. وَفِي ذكر الأواريّ دلَالَة على أنّ أهل الرّبع ذَوُو عزّ وشجاعة لَا قتنائهم الْخَيل. وَالله أعلم.
وترجمة النّابغة الذّبيانيّ قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ