وَهُوَ من شَوَاهِد س: الطَّوِيل
(بَكت جزعًا واسترجعت ثمّ آذَنت ركائبها أَن لَا إِلَيْنَا رُجُوعهَا)
على أَن لَا يجوز عدم تكريرها مَعَ المفصول عِنْد المبّرد وَابْن كيسَان كَمَا فِي الْبَيْت وَعند غَيرهمَا شاذّ.
وَقد أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ وَمن تبعه على عدم تَكْرِير لَا مَعَ الْمعرفَة وَهُوَ الْوَجْه.
قَالَ أَبُو عليّ فِي الْمسَائِل المنثورة: إِذا كَانَ بعد لَا معرفَة ارْتَفَعت الْمعرفَة بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ قَوْلك: لَا أَبوك فيرتفع بِالِابْتِدَاءِ وَيكون خَبره مضمرًا وَتَكون لَا جَوَابا كأنّه قَالَ: هَل أبي فَقَالَ: لَا أَبوك. فنفى أَن يكون أَبَاهُ.
وَأما قَول الشَّاعِر: بَكت جزعًا واسترجعت. الْبَيْت فَرفع رُجُوعهَا بِالِابْتِدَاءِ وأضمر الْخَبَر كأنّه قَالَ: مَوْجُود أَو وَاقع وَجعل إِلَيْنَا تبيينًا مثل قَوْله سُبْحَانَهُ إنّي لَكمَا لمن النّاصحين هـ.
وَزعم صدر الأفاضل فِي التحبير كَمَا نَقله عَنهُ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات المفصّل وبعضٌ آخر فِي شرح أَبْيَات الموشح أنّ لَا هُنَا لَيست بالنافية للْجِنْس إنّما هِيَ الَّتِي تدخل على الْفِعْل الْمُضَارع. ورُجُوعهَا
مَرْفُوع على أَنه فَاعل فعل مُضْمر تَقْدِيره ألاّ ترى أنّه لَو لم
[ ٤ / ٣٤ ]
تضمر فِيهِ الْوُقُوع للَزِمَ التناقص وَهَذَا لأنّ الإيذان يَقْتَضِي ألاّ يكون الرُّجُوع فِي الْحَال متحققًا كَمَا يُقَال: هَذِه الْعَارِضَة تؤذن بالاستسقاء إِذا لم يكن وَاقعا وَلَو لم يضمر الْفِعْل فِيهِ لاقتضت لَا أَن يكون انتقاء الرُّجُوع فِي الْحَال متحقّقًا هـ.
وَلَا يخفى أَن هَذَا لَيْسَ من الْمَوَاضِع الَّتِي يحذف فِيهَا الْفِعْل وَيبقى الْفَاعِل. ويندفع مَا عدّه تناقصًا بِجعْل خبر رُجُوعهَا اسْم فَاعل من الْوُقُوع. فتأمّل.
وَقَوله: بَكت جزعًا هُوَ مفعول مُطلق نوعيُّ أَي بكاء جزع وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا لأَجله.
وروى: قَضَت وطرًا واسترجعت وَفِي الاسترجاع هُنَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أنّه من الاسترجاع عِنْد الْمُصِيبَة وَهُوَ قَول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون.
وَثَانِيهمَا: أَنه طلب الرّجوع من الرّحيل لكَرَاهَة فِرَاق الأحبّة.
وَقَوله: ثمَّ آذَنت الخ ركائبها فَاعل آذَنت جمع ركوبة وَهِي الرَّاحِلَة الَّتِي تركب. وآذَنت بِمَعْنى أشعرت وأعلمت. جعل تهيؤ الْإِبِل للرّكوب عَلَيْهَا كأنّه إعلامٌ مِنْهَا بالفراق. وَفِي إِسْنَاد)
الإيذان للرّكائب دون الحبيبة أمرٌ لطيف لَا يخفى حسنه. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف مُضَاف أَي: وَقَوله: أَن لَا إِلَيْنَا الخ أَن هُنَا مفسّرة للإيذان وَهِي الْوَاقِعَة بعد جملَة فِيهَا معنى القَوْل دون حُرُوفه. وَقَالَ شرّاح أَبْيَات المفصّل إنّما هِيَ المخفّفة من الثَّقِيلَة قَالُوا: وَالْأَصْل بِأَنَّهُ وَالضَّمِير للشأن.
[ ٤ / ٣٥ ]
وَالْبَيْت ظَاهره إخبارٌ وَمَعْنَاهُ: تأسف وتحسّر. وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لَا يعرف قَائِلهَا. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ