أنْشد فِيهِ وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(يركب كل عَاقِر جُمْهُور مَخَافَة وزعل المحبور)
والهول من تهول الهبور على أَن زعل المحبور والهول مفعول لأَجله. وَفِيه رد على الْجرْمِي فِي زَعمه أَن الْمُسَمّى مَفْعُولا لأَجله هُوَ حَال. فَيلْزم تنكيره.
وَبَيَان الرَّد: أَن الأول معرف بِالْإِضَافَة وَهِي إِضَافَة معنوية وَالثَّانِي معرف بأل فَلَا يكونَانِ حَالين فَتعين أَن يكون كل مِنْهُمَا مَفْعُولا لأَجله.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح: وانتصاب مَخَافَة وزعل والهول المعطوفين عَلَيْهِ على الْمَفْعُول لَهُ. وَأَصله اللَّام فَلَمَّا سقط الْخَافِض تعدى إِلَيْهِ الْفِعْل. والرياشي زعم أَنه لَا يكون إِلَّا نكرَة كالحال والتمييز. وسيبويه يُجِيز الْأَمريْنِ. انْتهى.
[ ٣ / ١١٤ ]
وَهَذَا من أرجوزة للعجاج. شبه بعيره فِي السرعة بالثور الوحشي الْمَوْصُوف بِهَذَا الْوَصْف.
فَقَوله: يركب فَاعله ضمير الثور الوحشي الَّذِي خَافَ من الصياد فَذهب على وَجهه مسرعًا يصعد تلال الرمل ويعتسف المشاق. والعاقر: الْعَظِيم من الرمل الَّذِي لَا ينْبت شَيْئا شبه بالعاقر الَّتِي لَا تَلد.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: العاقر من الرمل: الْعَظِيم. وَقَالَ غَيره: المشرف الطَّوِيل. وَهَذَا التَّفْسِير كُله وَاحِد لِأَن المشرف الطَّوِيل والرمل الْعَظِيم لَا ينْبت لعدم التُّرَاب والرطوبة الَّتِي يكسبها المطمئن السهل من الرمل. وَالْجُمْهُور بِالضَّمِّ: الرملة
المشرفة على مَا حولهَا وَهِي المجتمعة وَهُوَ صفة لعاقر. وَإِنَّمَا خصّه لِأَن بقر الْوَحْش إِذا دهمها القانص اعتصمت بركوب الرمل فَلَا تقدر الْكلاب عَلَيْهَا. وَقَوله: مَخَافَة مفعول لأَجله. قَالَ صَاحب اللّبَاب: الْمَفْعُول لَهُ عِلّة الْإِقْدَام على)
الْفِعْل يكون سَببا غائيًا كَقَوْلِه: وأغفر عوراء الْكَرِيم ادخاره وسببًا باعثًا لَيْسَ غَايَة يقْصد قَصدهَا نَحْو قَوْله وَأنْشد شعر العجاج فالخوف والزعل والهول كل مِنْهَا سَبَب باعث على ركُوب الْجُمْهُور لَا سَبَب غائي. وزعل مَعْطُوف على مَخَافَة وَهُوَ بالزاي الْمُعْجَمَة وَالْعين الْمُهْملَة بِمَعْنى النشاط مصدر زعل من بَاب فَرح وَالْوَصْف
(ولى يهذ انهزامًا وَسطهَا زعلًا جذلان قد أفرخت عَن روعه الكرب)
وَقَالَ طرفَة بن العَبْد:
[ ٣ / ١١٥ ]
وبلاد زعل ظلمانها والمحبور: اسْم مفعول من حبرني الشَّيْء إِذا سرني من بَاب قتل. ف زعل مصدر مُضَاف إِلَى فَاعله فَلَيْسَ مَفْعُولا لأَجله لاخْتِلَاف الْفَاعِل وَإِنَّمَا هُوَ مصدر تشبيهي أَي: زعلًا كزعل المحبور فالمحذوف هُوَ الْمَفْعُول لَهُ. وَقَوله: والهول مَعْطُوف على مَخَافَة وَهُوَ مصدر هاله يهوله هولًا: إِذا أفزعه. قَالَ
الشَّارِح: فالهول مَعْنَاهُ الإفزاع لَا الْفَزع والثور لَيْسَ بمفزع بل هُوَ فزع.
فالفاعلان مُخْتَلِفَانِ. وَقد جوزه بعض النَّحْوِيين وَهُوَ الَّذِي يقوى فِي ظَنِّي وَإِن كَانَ الْأَغْلَب هُوَ الأول ا. هـ.
وَقد فسره شرَّاح أَبْيَات الْكتاب بالفزع وَهُوَ الْمَشْهُور. وَعَلِيهِ فالفاعل مُتحد.
وَنقل أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح الْفَارِسِي عَن بَعضهم أَنه مَعْطُوف على كل عَاقِر أَي: يركب كل عَاقِر ويركب الهول فَيكون مصدرا بِمَعْنى اسْم الْمَفْعُول.
والتهول تفعل مِنْهُ وَهُوَ أَن يعظم الشَّيْء فِي نَفسك حَتَّى يهولك أمره. والهبور: جمع هبر بِفَتْح فَسُكُون وَهُوَ مَا اطْمَأَن من الأَرْض وَمَا حوله مُرْتَفع. وروى شَارِب اللب: وَقَالَ: الهول: الْخَوْف. والتهور: الانهدام. أَي: ولمخافته من تهور
[ ٣ / ١١٦ ]
الْأَمْكِنَة المطمئنة. وَقد اسْتدلَّ صَاحب اللب لتعريف الْمَفْعُول لَهُ بزعل المحبور فَقَط من هَذَا الشّعْر. قَالَ شَارِحه: وَإِنَّمَا لم يذكر آخر الْبَيْت ليَكُون شَاهدا أَيْضا للْمَفْعُول لَهُ الْمُعَرّف بِاللَّامِ وَهُوَ الهول كَمَا ذكر الْمُعَرّف بِالْإِضَافَة لِأَنَّهُ ذكر فِي شرح أَبْيَات الْكتاب أَن الهول عطف على كل وعَلى هَذَا يكون مَفْعُولا بِهِ لَا مَفْعُولا لَهُ فَلَا يكون الْإِتْيَان بِهِ نصا فِي الاستشهاد ا. هـ.
قَالَ ابْن خلف: زعل المحبور عطف على مَخَافَة والهول مَعْطُوف على كل ثمَّ قَالَ: وَالْأَصْل)
لمخافة ولزعل المحبور وللهول أَي: لأجل هَذِه الْأَشْيَاء يركب كل كثيب. هَذَا كَلَامه.
وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين. وأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة قَول ابْن دُرَيْد:
(وَالشَّيْخ إِن قومته من زيغه لم يقم التثقيف مِنْهُ مَا التوى)
على أَنه يجوز أَن يُقَال ضَربته تقويمًا فَمَا استقام إِذْ قد يُطلق أَنه حصل التَّأْثِير.
والتقويم: التَّعْدِيل يُقَال: قومته تقويمًا فتقوّم وَمثله أَقَامَهُ أَي: عدله. والزيغ: الْميل يُقَال: زاغت الشَّمْس تزِيغ زيغًا وأزاغه إزاغة أَي: أماله. والتثقيف: تَعْدِيل المعوج. وَمِنْه: مُتَعَلق بيقم. وَمَا: مَوْصُولَة أَو مَوْصُوفَة وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة. والتوى: تعوج وفاعله ضمير مَا على الأول وَضمير الشَّيْخ على الثَّانِي. وَجُمْلَة الشَّرْط وَالْجَزَاء فِي مَحل رفع خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ الشَّيْخ.
[ ٣ / ١١٧ ]
وَهَذَا الْبَيْت من مَقْصُورَة ابْن دُرَيْد الْمَشْهُورَة. وَقبل هَذَا الْبَيْت:
(وَالنَّاس كالنبت: فَمِنْهُ رائق غضّ نضير عوده مرّ الجنى)
(وَمِنْه مَا تقتحم الْعين فَإِن ذقت جناه انساغ عذبًا فِي اللها)
(يقّوم الشارخ من زيغانه فيستوي مَا انعاج مِنْهُ وانحنى)
وَالشَّيْخ إِن قومته من زيغه . الْبَيْت
(كَذَلِك الْغُصْن يسير عطفه لدنا شَدِيد غمزه إِذا عسا)
(من ظلم النَّاس تحاموا ظلمه وَعز فيهم جانباه واحتمى)
(وهم لمن لَان لَهُم جَانِبه أظلم من حيات أنباث السفى)
وَالنَّاس كلًاّ إِن فحصت عَنْهُم جَمِيع أقطار الْبِلَاد والقرى
(عبيد ذِي المَال وَإِن لم يطعموا من غمره فِي جرعة تشفي الصدى)
(وهم لمن أملق أَعدَاء وَإِن شاركهم فِيمَا أَفَادَ وحوى)
وتقتحمه الْعين. تفوته وتزدريه. واللها بِالْفَتْح: جمع لهاة وَهِي مَا بَين مُنْقَطع اللِّسَان إِلَى مُنْقَطع الْقلب من أَعلَى الْفَم. والشارخ: الشَّاب.
والزيغان: الْعُدُول عَن الْحق وانعاج: انعطف. وَمَا: فِيهِ الْوَجْهَانِ.)
وَقَوله: كَذَلِك الْغُصْن الْإِشَارَة رَاجِعَة إِلَى تَقْوِيم الشارخ وَالشَّيْخ. واللدن: اللين والطريّ.
والغمز: الْعَصْر بِالْيَدِ والهزّ. وعسا: صلب وَاشْتَدَّ فِي الْقَامُوس: النبث كفلس: النبش وَقيل: التُّرَاب الْمُسْتَخْرج من الْبِئْر. والسفى بسين مُهْملَة مَفْتُوحَة وَفَاء: التُّرَاب وه امن قَوْلهم فِي الْمثل: أظلم من
[ ٣ / ١١٨ ]
حَيَّة لِأَنَّهَا لَا تحفر جحرًا وَإِنَّمَا تَأتي إِلَى جُحر قد احتفره غَيرهَا فَتدخل فِيهِ وتغلب عَلَيْهِ فَكل بَيت قصدت إِلَيْهِ هرب أَهله مِنْهُ وخلّوه لَهَا.
وَهَذِه القصيدة طَوِيلَة عدتهَا مِائَتَان وَتِسْعَة وَثَلَاثُونَ بَيْتا لَهَا شُرُوح لَا تحصى كَثْرَة. وَأحسن شروحها شرح الْعَلامَة الأديب أبي عَليّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن هِشَام بن إِبْرَاهِيم اللَّخْمِيّ السبتي.
وَقد شرحتها أَنا شرحًا موجزًا مَعَ إِيضَاح واف وتبيين شاف فِي أَيَّام الشبيبة. نفع الله بِهِ.
ومدح ابْن دُرَيْد بِهَذِهِ الْمَقْصُورَة الشاه وأخاه أَبَا الْعَبَّاس إِسْمَاعِيل ابْني ميكال يُقَال: إِنَّهَا اشْتَمَلت على نَحْو الثُّلُث من الْمَقْصُور. وفيهَا كل مثل سَائِر وَخبر نَادِر مَعَ سلاسة أَلْفَاظ ورشاقة أسلوب وانسجام معَان يَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب.
وَهَذِه نبذة من نسبه وأحواله. وَهُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحسن بن دُرَيْد وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى الأزد بن الْغَوْث وَمِنْه إِلَى قحطان وَهُوَ أَبُو قبائل الْيمن.
ولد بِالْبَصْرَةِ فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَنَشَأ بهَا وَتعلم فِيهَا ثمَّ ارتحل مِنْهَا مَعَ عَمه عِنْد ظُهُور الزنج وَسكن عمان وَأقَام اثْنَتَيْ عشرَة سنة ثمَّ عَاد إِلَى الْبَصْرَة وَسكن بهَا زَمَانا ثمَّ خرج إِلَى نواحي فَارس وَصَحب ابْني ميكال وَكَانَا يَوْمئِذٍ على عمالة فَارس وَعمل لَهما كتاب الجمهرة وقلداه ديوَان فَارس
فَكَانَت الْكتب لَا تكْتب إِلَّا عَن رَأْيه وَلَا ينفذ أَمر إِلَّا بعد توقيعه. وَكَانَ سخيًّا متلافًا لَا يمسك درهما.
[ ٣ / ١١٩ ]
ومدحهما بِهِ هـ القصيدة الْمَقْصُورَة فوصلاه بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. ثمَّ انْتقل من فَارس إِلَى بَغْدَاد ودخلها سنة ثَمَان وثلثمائة بعد عزل ابْني ميكال وانتقالهما إِلَى خُرَاسَان. وَلما دخل بَغْدَاد أنزلهُ عَليّ بن مُحَمَّد فِي جواره وَأفضل عَلَيْهِ وعرّف الْخَلِيفَة المقتدر العباسي مَكَانَهُ من الْعلم فَأجرى عَلَيْهِ فِي كل شهر خمسين دِينَارا وَلم تزل جَارِيَة عَلَيْهِ إِلَى حِين وَفَاته. وَتُوفِّي يَوْم الْأَرْبَعَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من شعْبَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلثمائة بِبَغْدَاد.
وَكَانَ مواظبًا على شرب الْخمر قَالَ أَبُو مَنْصُور الْأَزْهَرِي: دخلت عَلَيْهِ فرأيته سَكرَان فَلم أعدل إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْن شاهين: كُنَّا ندخل عَلَيْهِ فنستحي مِمَّا نرى عِنْده من العيدان وَالشرَاب)
الْمُصَفّى. وَعرض لَهُ فِي رَأس التسعين من عمره فالج وَسقي الترياق فبرئ وصحّ وَرجع إِلَى أفضل أَحْوَاله. ثمَّ عاوده الفالج بعد عَام لغذاء ضار تنَاوله فَكَانَ يُحَرك يَدَيْهِ حَرَكَة ضَعِيفَة وَبَطل من محزمه إِلَى قَدَمَيْهِ فَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ دَاخل ضج وتألم لدُخُوله.
قَالَ تِلْمِيذه أَبُو عَليّ القالي: كنت أَقُول فِي نَفسِي: إِن الله ﷿ ّ عاقبه لقَوْله فِي هَذِه الْمَقْصُورَة يُخَاطب الدَّهْر:
(مارست من لَو هوت الأفلاك من جَوَانِب الجو عَلَيْهِ مَا شكا)
وَكَانَ يَصِيح من الدَّاخِل عَلَيْهِ صياح من ينخس بالمسالأّ والداخل بعيد وَكَانَ مَعَ هَذِه الْحَال ثَابت الذِّهْن كَامِل الْعقل. وعاش مَعَ الفالج عَاميْنِ. وَكنت أسأله عَن أَشْيَاء فِي اللُّغَة فيردّ بأسرع من النَّفس بِالصَّوَابِ. وَقَالَ لي مرّة وَقد سَأَلته عَن بَيت لَئِن طفئت شحمتا عينيّ لم تَجِد من يشفيك من اعْلَم. وَكَانَ ينشد كثيرا:
[ ٣ / ١٢٠ ]
(فواحزني أَن لاحياة لذيذة وَلَا عمل يرضى بِهِ الله صَالح)
وَأشهر مشايخه: أَبُو حَاتِم السجسْتانِي والرياشي وَعبد الرَّحْمَن ابْن أخي الْأَصْمَعِي والأشنانداني. وَسمع الْأَخْبَار من عَمه الْحسن بن دُرَيْد وَمن غَيره. وَله من التآليف: الجمهرة فِي اللُّغَة وَكتاب السرج واللجام وَكتاب الأنواء وَكتاب المجتنى وَهَذِه الْكتب عِنْدِي وَالْحَمْد لله والْمنَّة. . وَله كتاب الِاشْتِقَاق وَكتاب الْخَيل الْكَبِير وَالصَّغِير وَكتاب الملاحن وَكتاب روّاد الْعَرَب وَكتاب الوشاح وَغير ذَلِك.
وَكَانَ وَاسع الرِّوَايَة لم ير أحفظ مِنْهُ وَكَانُوا يقرؤون عَلَيْهِ دواوين الْعَرَب فيسابق إِلَى إِتْمَامهَا من حفظه. وَله شعر رائق. قَالَ بعض الْمُتَقَدِّمين: ابْن دُرَيْد أعلم الشُّعَرَاء وأشعر الْعلمَاء.
قَالَ المسعوديّ فِي مروج الذَّهَب: كَانَ ابْن دُرَيْد بِبَغْدَاد مِمَّن برع فِي زَمَاننَا فِي الشّعْر. وانْتهى فِي اللُّغَة وَقَامَ مقَام الْخَلِيل بن أَحْمد فِيهَا وَأورد أَشْيَاء فِي اللُّغَة لم تُوجد فِي كتب الْمُتَقَدِّمين. وشعره أَكثر من أَن يُحْصى.
[ ٣ / ١٢١ ]
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
(وأغفر عوراء الْكَرِيم ادخاره وَأعْرض عَن شتم اللَّئِيم تكرما)
على أَنه يرد على من اشْترط التنكير فِي الْمَفْعُول لَهُ هَذَا الْبَيْت وَبَيت العجاج السَّابِق. فَإِن قَوْله: ادخاره مفعول لَهُ وَهُوَ معرفَة.
قَالَ الأعلم: نصب الادخار والتكرم على الْمَفْعُول لَهُ وَلَا يجوز مثل هَذَا حَتَّى يكون الْمصدر من معنى الْفِعْل الْمَذْكُور قبله فيضارع الْمصدر الْمُؤَكّد لفعله كَقَوْلِك: قصدتك ابْتِغَاء الْخَيْر.
فَإِن كَانَ الْمصدر لغير الأول لم يجز حذف حرف الْجَرّ لِأَنَّهُ لَا يشبه الْمصدر الْمُؤَكّد لفعله كَقَوْلِك: قصدتك لرغبة زيد فِي ذَلِك لِأَن الرَّاغِب غير القاصد انْتهى.
لَكِن الْمبرد أخرجهُمَا من هَذَا الْبَاب وجعلهما من بَاب الْمَفْعُول الْمُطلق قَالَ فِي الْكَامِل: قَوْله: وأغفر عوراء الْكَرِيم ادخاره أَي: أدخره ادخارًا. وأضافه إِلَيْهِ كَمَا تَقول: ادخارًا لَهُ.
وكذكلك قَوْله: تكرمًا غنما أَرَادَ لتكرم: فَأخْرجهُ مخرج أتكرم تكرمًا انْتهى.
وأغفر: أستر يُقَال: غفر الله لي أَي: ستر عني الْعقُوبَة فَلم يعاقبني. والعوراء بِالْفَتْح: الْكَلِمَة القبيحة وَمِنْه الْعَوْرَة للسوءة
[ ٣ / ١٢٢ ]
وكل مَا يستحى مِنْهُ. والادخار افتعال من الذخر.
وروى أَبُو زيد ف نوادره: وأغفر عوراء الْكَرِيم اصطناعه
وَهُوَ افتعال أَيْضا من الصنع وَهُوَ الْفِعْل الْجَمِيل. والإعراض عَن الشَّيْء: الصفح عَنهُ. يَقُول: إِذا بلغتني كلمة قبيحة عَن رجل كريم قَالَهَا فيّ غفرتها لَهُ لأجل كرمه وحسبه وأبقيت على صداقته وادّخرته ليَوْم أحتاج إِلَيْهِ فِيهِ لِأَن الْكَرِيم إِذا فرط مِنْهُ قَبِيح نَدم على مَا فعل وَمنعه كرمه أَن يعود إِلَى مثله وَأعْرض عَن ذمّ اللَّئِيم إِكْرَاما لنَفْسي عَنهُ وَمَا أحسن قَول طرفَة بن
(وعوراء جَاءَت من أَخ فرددتها بسالمة الْعَينَيْنِ طالبة عذرا)
وَهَذَا من أَحْكَام صَنْعَة الشّعْر ومقابلة الألقاب بِمَا يشاكلها ويتمّم مَعَانِيهَا وَذَلِكَ أَنه لما كَانَ الْكَلَام الْقَبِيح يشبّه بالأعور الْعين سمّي ضدّه سَالم الْعَينَيْنِ.
وَقد أورد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت فِي التَّفْسِير عِنْد قَوْله تَعَالَى حذر الْمَوْت على أَنه مفعول لَهُ معرّفًا بِالْإِضَافَة كَمَا فِي ادّخاره.)
وَهُوَ من قصيدة طَوِيلَة لحاتم الطائيّ تتَعَلَّق بِالْكَرمِ وَمَكَارِم الْأَخْلَاق. وَهِي مسطورة فِي الحماسة البصرية وَغَيرهَا. وَهِي هَذِه:
(وعاذلتين هبّتا بعد هجعة تلومان متلافًا مُفِيدا ملوّما)
[ ٣ / ١٢٣ ]
(تلومان لمّا غوّر النَّجْم ضلّة فَتى لَا يرى الْإِنْفَاق فِي الْحَمد مغرما)
(فَقلت وَقد طَال العتاب عَلَيْهِمَا وأوعدتماني أَن تَبينا وتصرما)
(أَلا لَا تلوماني على مَا تقدّما كفى بصروف الدّهر لمرء محكما)
(فإنكما لَا مَا مضى تدركانه وَلست على مَا فَاتَنِي متندّما)
(فنفسك أكرمها فَإنَّك إِن تهن عَلَيْك فَلَنْ تلقى لَهَا الدَّهْر مكرما)
(أهن للَّذي تهوى التلاد فَإِنَّهُ إِذا مت كَانَ المَال نهبًا مقسّما)
(يقسمهُ غنما ويشري كَرَامَة وَقد صرت فِي خطّ من الأَرْض أعظما)
(قَلِيلا بِهِ مَا يحمدنك وَارِث إِذا نَالَ مِمَّا كنت تجمع مغنما)
(تحلّم عَن الأدنين واستبق ودّهم وَلنْ تَسْتَطِيع الْحلم حَتَّى تحلّما)
(وعوراء قد أَعرَضت عَنْهَا فَلم تضر وَذي أود قوّمته فتقوما)
وأغفر عوراء الْكَرِيم ادّخاره الْبَيْت
(وَلَا أخذل الْمولى وَإِن كَانَ خاذلًا وَلَا أشتم ابْن العمّ إِن كَانَ مفحما)
(وَلَا زادني عَنهُ غناي تباعدًا وَإِن كَانَ ذَا نقص من المَال مصرما)
[ ٣ / ١٢٤ ]
.
(وليل بهيم قد تسربلت هوله إِذا اللَّيْل بالنكس الدنيء تجهما)
(وَلنْ يكْسب الصعلوك حمدًا وَلَا غنى إِذا هُوَ لم يركب من الْأَمر مُعظما)
(لحا الله صعلوكًا مناه وهمّه من الْعَيْش أَن يلقى لبوسًا ومغنمًا)
(ينَام الضُّحَى حَتَّى إِذا نَومه اسْتَوَى تنبّه مثلوج الْفُؤَاد مورّمًا)
(مُقيما مَعَ المثرين لَيْسَ ببارح إِذا نَالَ جدوى من طَعَام ومجثما)
(وَللَّه صعلوك يساور همّه ويمضي على الْأَحْدَاث والدهر مقدما)
(فَتى طلبات لَا يرى الخمص ترحة وَلَا شبعة إِن نالها عدّ مغنما)
(إِذا مَا رأى يَوْمًا مَكَارِم أَعرَضت تيَمّم كبراهن ثمّت صمّما)
(ويغشى إِذا مَا كَانَ يَوْم كريهة صُدُور العوالي فَهُوَ مختضب دَمًا)
)
(يرى رمحه ونبله ومجنّه وَذَا شطب عضب الضريبة مخذما)
(وأحناء سرج فاتر ولحامه عتاد فَتى هيجًا وطرفًا مسوّما)
(فَذَلِك إِن يهْلك فحسنى ثَنَاؤُهُ وَإِن عَاشَ لم يقْعد ضَعِيفا مذمّما)
قَوْله: هبتا أَي: استيقظتا. وغور النَّجْم أَي: غَابَتْ الثريا. وَقَوله: ضلة هُوَ قيد فِي اللوم لامه ضلة: إِذا لم يوفق للرشاد فِي لومه. والمغرم بِالْفَتْح الغرامة. وأغبر الْجوف: الْقَبْر وَمثله: خطّ من الأَرْض. وَقَوله: حَتَّى تحلما أَي: تتحلم أَي: تتكلف الْحلم. وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب.
[ ٣ / ١٢٥ ]
وَقَوله: فَلم تضر من ضار يضير ضد نفع. والأود بِفتْحَتَيْنِ: الاعوجاج. والنكس بِكَسْر النُّون: الرَّدِيء وَأَصله السهْم الَّذِي كسر فَوْقه. وتجهّم: كلح وَجهه. ولحا الله: قبح الله.
والصعلوك بِالضَّمِّ: الْفَقِير. ومثلوج الْفُؤَاد: البليد الَّذِي لَيست فِيهِ حرارة من الهمة. والمجثم بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْمُثَلَّثَة: مَكَان الجثوم وَهُوَ بروك الطَّائِر.
وَقَوله: وَللَّه صعلوك تعجب ومدح يُقَال: عِنْد استغراب الشَّيْء واستعظامه أَي: هُوَ صنع الله ومختاره إِذْ لَهُ الْقُدْرَة على خلق مثله. ويساور: يواثب. وهمه أَي: عزمه مفعول. وَقَوله: ويمضي على الْأَحْدَاث أَي: لَا يشْغلهُ الدَّهْر وحوادثه فِي حَالَة إقدامه على مَا يُرِيد.
وَقَوله: فَتى طلبات إِشَارَة إِلَى علو همته. والخمص بِالْفَتْح: الْجُوع. والترحة: ضد الفرحة.
والشبعة: الْمرة من الشِّبَع. وثمت: حرف يعْطف الْجمل. ورمحه وَمَا عطف عَلَيْهِ: مفعول أول ليرى وعتاد هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. ذَا شطب هُوَ السَّيْف جمع شطبة: وَهِي الطَّرِيقَة فِي متن السَّيْف. والمجنّ بِالْكَسْرِ: الترس والدرقة. والعضب: الْقَاطِع. والضريبة: مَوضِع الضَّرْب.
والمخذم بِكَسْر أَوله وبالمعجمتين: السَّيْف الْقَاطِع وبإعجام الثَّانِي فَقَط من الخذم وَهُوَ الْقطع السَّرِيع. والأحناء: جمع حنو بِالْكَسْرِ يُطلق على مَا فِيهِ اعوجاج من القتب والسرج وَغَيرهمَا.
والقاتر بِالْقَافِ وبالمثناة الْفَوْقِيَّة: الواقي والحافظ لَا يعقر ظهر الْفرس. وعتاد بِالْفَتْح:
العدّة.
وطرفا: مَعْطُوف على رمحه الَّذِي هُوَ أول مفعولي يرى وَهُوَ الْكَرِيم من الْخَيل. والمسوّم: الْمعلم تشهيرًا لعتقه ولكرمه من السومة وَهِي الْعَلامَة أَو الْمسيب فِي المرعى وَلَا يركب إِلَّا فِي الحروب.
وَقَوله: فَذَلِك إِن يهْلك الخ الْحسنى: مصدر كالبشرى وَقيل: اسْم للإحسان.
[ ٣ / ١٢٦ ]
وَالْمعْنَى: لله فَقير يواثب همته ويمضي مقدما على الدَّهْر وَالْحَال أَنه فَتى طلبات يَتَجَدَّد طلبه)
كل سَاعَة والدهر يسعفه بمطلوبه لجدّه ورشده وَلَا يرى الْجُوع شدَّة وَلَا الشِّبَع غنيمَة لعلو وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بِهَذِهِ الأبيات من قَوْله: صعلوك يساور همه إِلَى آخر الأبيات السَّبْعَة عِنْد قَوْله: أُولَئِكَ على هدى من رَبهم على أَن اسْم الْإِشَارَة وَهُوَ أُولَئِكَ مُؤذن بِأَن الْمَذْكُورين قبله أهل لِاكْتِسَابِ مَا بعده للخصال الَّتِي عدّت لَهُم. فَإِنَّهُ تَعَالَى ذكر الْمُتَّقِينَ بقوله هدى لِلْمُتقين ثمَّ عدّد لَهُم خِصَالًا من كَونهم يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة وينفقون مِمَّا رزقهم الله ويؤمنون بِمَا أنزل على رَسُوله ويوقنون بِالآخِرَة. ثمَّ عقّب ذَلِك بقوله: فَذَلِك إِن يهْلك فحسنى ثَنَاؤُهُ وحاتم هُوَ حَاتِم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امْرِئ الْقَيْس بن عدي بن أخزم الطائيّ الْجواد الْمَشْهُور وَأحد شعراء الْجَاهِلِيَّة. ويكنى أَبَا عدي
وَأَبا سفّانة بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الْفَاء. وَابْنه أدْرك الْإِسْلَام وَأسلم.
[ ٣ / ١٢٧ ]
وَقد مشت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الْأَرْبَعين.
أخرج أَحْمد فِي مُسْنده عَن ابْنه عديّ قَالَ: قلت يَا رَسُول الله: إِن أبي كَانَ يصل الرَّحِم وَيفْعل كَذَا وَكَذَا قَالَ: إِن أَبَاك أَرَادَ امرًا فأدركه يَعْنِي: الذّكر.
وَكَانَت سفّانة بنته أُتِي بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَت: يَا مُحَمَّد هلك الْوَالِد وَغَابَ الْوَافِد فَإِن رَأَيْت أَن تخلي عني وَلَا تشمت بِي أَحيَاء الْعَرَب فَإِن أبي سيد قومه: كَانَ يفك العاني ويحمي الديار ويفرّج عَن المكروبن وَيطْعم الطَّعَام ويفشي السَّلَام وَلم يطْلب إِلَيْهِ طَالب قطّ حَاجَة فردّه أَنا ابْنة حَاتِم طيّ فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: يَا جَارِيَة هَذِه صفة الْمُؤمن لَو كَانَ أَبوك إسلاميًا لترحّمنا عَلَيْهِ خلّوا عَنْهَا فَإِن أَبَاهَا كَانَ يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: كَانَ حَاتِم من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ جوادًا يشبه جوده شعره وَيصدق قَوْله فعله وَكَانَ حَيْثُمَا نزل عرف منزله وَكَانَ مظفرًا: إِذا قَاتل غلب وَإِذا غنم أنهب وَإِذا ضرب بِالْقداحِ فَازَ وَإِذا سَابق سبق وَإِذا أسر أطلق وَكَانَ أقسم بِاللَّه: لَا يقتل وَاحِد أمه وَكَانَ إِذا أهل رَجَب نحر فِي كل يَوْم عشرَة من الْإِبِل وَأطْعم النَّاس واجتمعوا عَلَيْهِ.
وَكَانَ أول مَا ظهر من جوده أَن أَبَاهُ خَلفه فِي إبِله وَهُوَ غُلَام فَمر بِهِ جمَاعَة من الشُّعَرَاء فيهم عبيد بن الأبرص وَبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني يُرِيدُونَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر فَقَالُوا)
لَهُ: هَل من قرى وَلم يعرفهُمْ فَقَالَ: أتسألوني الْقرى وَقد رَأَيْتُمْ الْإِبِل وَالْغنم انزلوا فنزلوا فَنحر
[ ٣ / ١٢٨ ]
لكل وَاحِد مِنْهُم وسألهم عَن أسمائهم فأخبروه فَفرق فيهم الْإِبِل وَالْغنم وَجَاء أَبوهُ فَقَالَ: مَا فعلت قَالَ: طوقتك مجد الدَّهْر تطويق الْحَمَامَة وعرفه الْقَضِيَّة.
فَقَالَ أَبوهُ: إِذا لَا أساكنك بعْدهَا أبدا وَلَا أوويك فَقَالَ حَاتِم: إِذا لَا أُبَالِي.
روى مُحرز مولى أبي هُرَيْرَة قَالَ: مر نفر من عبد الْقَيْس بِقَبْر حَاتِم فنزلوا قَرِيبا مِنْهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ: أَبُو الْخَيْبَرِيّ وَجعل يرْكض بِرجلِهِ قَبره وَيَقُول: اقرنا. فَقَالَ بَعضهم: وَيلك مَا يَدْعُوك أَن تعرض لرجل قد مَاتَ قَالَ: إِن طيئًا تزْعم أَنه مَا نزل بِهِ أحد إِلَّا قراه. ثمَّ أجنهم اللَّيْل فَنَامُوا. فَقَامَ أَبُو الْخَيْبَرِيّ فَزعًا وَهُوَ يَقُول: واراحلتاه فَقَالُوا لَهُ: مَالك قَالَ: أَتَانِي حَاتِم فِي النّوم وعقر نَاقَتي بِالسَّيْفِ وَأَنا أنظر إِلَيْهَا ثمَّ أَنْشدني شعرًا حفظته يَقُول فِيهِ:
(أَبَا الْخَيْبَرِيّ وَأَنت امْرُؤ ظلوم الْعَشِيرَة شتامها)
(اتيت بصحبك تبغي الْقرى لَدَى حُفْرَة قد صدت هامها)
(أتبغي لي الذَّم عِنْد الْمبيت وحولك طي وأنعامها)
(فَإنَّا سنشبع أضيافنا ونأتي الْمطِي فنعتامها)
فَقَامُوا وَإِذا نَاقَة الرجل تكوس عقيرًا فانتحروها وَبَاتُوا يَأْكُلُون
[ ٣ / ١٢٩ ]
وَقَالُوا قرانا حَاتِم حَيا وَمَيتًا وأردفوا صَاحبهمْ وَانْطَلَقُوا سائرين وَإِذا بِرَجُل رَاكب بَعِيرًا ويقود آخر قد لحقهم وَهُوَ يَقُول: أَيّكُم أَبُو الْخَيْبَرِيّ قَالَ الرجل: أَنا. قَالَ: فَخذ هَذَا الْبَعِير أَنا عدي بن حَاتِم جَاءَنِي حَاتِم فِي النّوم وَزعم أَنه قراكم بناقتك وَأَمرَنِي أَن أحملك فشأنك وَالْبَعِير وَدفعه إِلَيْهِم وَانْصَرف. وَإِلَى هَذِه الْقَضِيَّة أَشَارَ ابْن دارة الْغَطَفَانِي فِي قَوْله يمدح عدي بن حَاتِم:
(بِهِ تضرب الْأَمْثَال فِي الشّعْر مَيتا وَكَانَ لَهُ إِذْ ذَاك حَيا مصاحبا)
(قرى قَبره الأضياف إِذْ نزلُوا بِهِ وَلم يقر قبر قبله والدهر رَاكِبًا)