الْبَيْت الشَّاهِد كَونه لِابْنِ الأسلت هُوَ مَا ذكره أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَهُوَ من معرفَة الْأَشْعَار أديب غير مُنَازع فِيهَا. وَقد نسبه الزَّمَخْشَرِيّ فِي الأجاجي إِلَى الشماخ وَقد راجعت ديوانه فَلم أَجِدهُ فِيهِ.
وَنسبه بعض شرَّاح شَوَاهِد كتاب سِيبَوَيْهٍ لرجل من كنَانَة. وَنسبه بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل تبعا للزمخشري فِي شرح أَبْيَات الْكتاب لأبي قيس بن رِفَاعَة الْأنْصَارِيّ.
أَقُول: لم يُوجد فِي كتب الصَّحَابَة من يُقَال لَهُ أَبُو قيس بن رِفَاعَة وَإِنَّمَا الْمَوْجُود قيس بن رِفَاعَة وَهُوَ وَاحِد أَو اثْنَان. قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة فِي الْقسم الأول: قيس بن رِفَاعَة الوَاقِفِي من بني وَاقِف
[ ٣ / ٤١٣ ]
بن امْرِئ الْقَيْس بن مَالك بن الْأَوْس الْأنْصَارِيّ. ذكره المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء وَقَالَ: أسلم وَكَانَ أَعور وَأنْشد لَهُ:
(أَنا النذير لكم مني مجاهرة كي لَا نلام على نهي وإنذار)
(من يصل نَارِي بِلَا ذَنْب وَلَا ترة يصل بِنَار كريم غير غدار)
(وَصَاحب الْوتر لَيْسَ الدَّهْر يُدْرِكهُ عِنْدِي وَإِنِّي لدرّاك لأوتاري)
ثمَّ قَالَ ابْن حجر: قيس بن رِفَاعَة بن الهميس بن عَامر بن عانس بن نمير الْأنْصَارِيّ ذكره الْعَدوي وَقَالَ: كَانَ شَاعِرًا وَأدْركَ الْإِسْلَام فَأسلم.
وَذكره ابْن الْأَثِير فَقَالَ: كَانَ من شعراء الْعَرَب. قلت: يحتملأن يكون الَّذِي قبله. انْتهى.
قلت: كَيفَ يكون هُوَ الَّذِي قبله مَعَ اخْتِلَاف النسبين وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا اثْنَان. وَالله أعلم.)
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ
(غير أَنِّي قد أستعين على اله مّ إِذا خفّ بالثويّ النَّجَاء)
على أَن غيرًا يجوز أَن تكون مَبْنِيَّة على الْفَتْح إضافتها إِلَى أَن الْمُشَدّدَة وَيجوز أَن تكون مَنْصُوبَة
[ ٣ / ٤١٤ ]
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة الْحَارِث بن حلّزة الْيَشْكُرِي وَهِي سابعة المعلّقات السَّبْعَة وأولها:
(آذنتنا ببينها أَسمَاء ربّ ثاو يملّ مِنْهُ الثواء)
(آذنتنا ببينها ثمَّ ولّت لَيْت شعري مَتى يكون اللِّقَاء)
(بعد عهد لَهَا ببرقة شمّا ء فأدنى ديارها الخلصاء)
(لَا أرى من عهِدت فِيهَا فأبكى الي وم دلهًا وَمَا يردّ الْبكاء)
(وبعينيك أوقدت هِنْد النا ر أصيلًا تلوي بهَا العلياء)
(أوقدتها بَين العقيق وشخصي ن بِعُود كَمَا يلوح الضياء)
(فتنوّرت نارها من بعيد بخزاز هَيْهَات مِنْك الصلاء)
(غير أَنِّي قد أستعين على اله مّ إِذا خفّ بالثوي النَّجَاء)
(بزفوف كَأَنَّهَا هقلة أ مّ رئال دوية سقفاء)
قَوْله: آذنتنا أَي: أعلمتنا. والبين: الْفِرَاق. وَأَسْمَاء: حبيبته. والثاوي: الْمُقِيم يُقَال: ثوى يثوي ثواء وثواية: إِذا قَامَ وروى جمَاعَة من اللغويين أثوى بِمَعْنَاهُ وأنكرها الْأَصْمَعِي. ويملّ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من الْملَل وَهُوَ الضجر والسأم. وَهَذَا المصراع الثَّانِي من قبيل إرْسَال الْمثل.
وَقَوله: بعد عهد لَهَا الخ البرقة بِالضَّمِّ: رابية فِيهَا حِجَارَة يخلطها
[ ٣ / ٤١٥ ]
رمل وطين وشماء: اسْم أكمة. وَأدنى: أقرب. والخلصاء: مَوضِع أَيْضا يَقُول: عزمت على فراقنا بعد أَن لقيتها ببرقة شمّاء والخلصاء هِيَ أقرب ديارها إِلَيْنَا.
ثمَّ اورد بَيْتَيْنِ آخَرين فيهمَا أسامي أَمَاكِن معطوفة على الخلصاء لَا فَائِدَة فِي إيرادها.
وَقَوله: لَا أرى من عهِدت الخ دلهًا أَي: بَاطِلا وَهُوَ مفعول مُطلق وَقيل: هُوَ من قَوْلهم دلّهني أَي: حيّرني فَهُوَ تَمْيِيز. يَقُول: لَا أرى فِي هَذِه الْمَوَاضِع من عهِدت وَهِي أَسمَاء فَأَنا أبْكِي الْيَوْم بكاء بَاطِلا اَوْ ذَاهِب الْعقل. وَمَا استفهامية للإنكار أَي: لَا يردّ الْبكاء شَيْئا على صَاحبه.
يَعْنِي: لما خلّت هَذِه الْمَوَاضِع مِنْهَا بَكَيْت جزعًا لفراقها مَعَ علمي أَنه لَا فَائِدَة فِي الْبكاء.)
وَرُوِيَ أَيْضا:
(لَا أرى من عهِدت فِيهَا فأبكي أهل ودّي وَمَا يردّ الْبكاء)
أَي: فَأَنا أبْكِي أهل مودتي شوقًا إِلَيْهِم حِين نظرت إِلَى مَنَازِلهمْ الخالية وَرُوِيَ أَيْضا: وَمَا يحير الْبكاء من أحاره بِالْمُهْمَلَةِ أَي: رجعه.
وَقَوله: وبعينيك أوقدت الخ أَي: وَترى بِعَيْنَيْك أَو بمرأى عَيْنَيْك يُقَال: هُوَ مني بمرأى ومسمع أَي: حَيْثُ أرَاهُ وأسمعه. وَالْمعْنَى: أوقدت النَّار ترَاهَا لقربها مِنْك. وَهِنْد مِمَّن كَانَت تواصله بِتِلْكَ الْمنَازل. وَأَصِيلا: ظرف بِمَعْنى الْعشي وَرُوِيَ بدله أخيرًا أَي: فِي آخر عَهْدك بهَا. يَقُول: والعلياء بِالْفَتْح: مَا ارْتَفع من الأَرْض وَإِنَّمَا يُرِيد الْعَالِيَة وَهِي أَرض الْحجاز وَمَا والاها من بِلَاد قيس. وَيُقَال: قد ألوت الأَرْض بالنَّار تلوي بهَا إلواء أَي: رفعتها وَكَذَلِكَ النَّاقة: ألوت: إِذا رفعت ذنبها فلوّحت بِهِ.
[ ٣ / ٤١٦ ]
وَقَوله: أوقدتها بَين العقيق الخ العقيق وشخصان قَالَ الْأَخْفَش: شخصان: أكمة لَهَا قرنان ناتئان وهما الشعبتان. وَالْعود هُوَ عود البخور. وَأَرَادَ بالضياء ضِيَاء الْفجْر وَقيل ضِيَاء السراج.
وَقَوله: فتنوّرت نارها الخ يُقَال: تنورت النَّار: إِذا نظرتها بِاللَّيْلِ لتعلم: أقريبة هِيَ أم بعيدَة أكثيرة أم قَليلَة وخزاز بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة والزاءين المعجمتين: مَوضِع.
وَقَوله: هَيْهَات الخ يَقُول: رَأَيْت نارها فطمعت أَن تكون قريبَة وتأملتها
فَإِذا هِيَ بعيدَة بخزار فَلَمَّا يئست مِنْهَا قلت: هَيْهَات أخبر أَنه رَآهَا بالعلياء ثمَّ أخبر أَنه رَآهَا بَين العقيق وشخصين ثمَّ بخزاز وَهُوَ جبل. والصلاء: مصدر صلا النَّار وَصلي بالنَّار يصلى صلاء. إِذا ناله حرهَا.
وَقَوله: غير أَنِّي قد أستعين. . الخ بِنَقْل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى دَال قد وخف فلَان للمضي إِذا تحرّك لذَلِك يُقَال: خف يخف خفَّة. والثوي مُبَالغَة ثاو أَي: مُقيم. والنجاء بِفَتْح النُّون وَالْجِيم: الْمُضِيّ يُقَال: مِنْهُ نجا ينجو نجاءً ونجوًا. وَالْبَاء للتعدية. أَي: إِذا اضْطر الْمُقِيم للسَّفر وأقلقه السّير والمضي لعظم الْخطب وَشدَّة الْخَوْف.
وَبِهَذَا الْبَيْت خرج من صفة النِّسَاء وَصَارَ إِلَى صفة نَاقَته على طَريقَة الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع من قَوْله فتنورت أَو من قَوْله وَمَا يرد الْبكاء أَي: وَمَا يرد على بُكَائِي بعد أَن تَبَاعَدت عني فاهتممت)
بذلك لكني أستعين على همي بِهَذِهِ النَّاقة الْآتِي وصفهَا فِيمَا بعد. فَغير الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع وفتحتها إِمَّا حَرَكَة إِعْرَاب وَإِمَّا فَتْحة بِنَاء بنيت لإضافتها إِلَى مَبْنِيّ فَتكون حِينَئِذٍ فِي مَحل نصب.
[ ٣ / ٤١٧ ]
وَقَوله: بزفوف كَأَنَّهَا الخ الْبَاء مُتَعَلقَة بأستعين. والزفوف بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وبفاءين أَرَادَ بِهِ النَّاقة السريعة من الزفيف وَهُوَ السرعة وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي النعام. شبّه نَاقَته فِي وطاءتها وسرعتها بنعامة تزفّ والزفيف مثل الدفيف وَذَلِكَ أَن النعامة إِذا عدت نشرت جناحيها وَرفعت ذنبها ومرّت على الأَرْض أخفّ من الرّيح وَرُبمَا ارْتَفَعت من الأَرْض لخفتها. والزفيف للنعام والدفيف للطير يُقَال: زفّ النعام يزف زفًا وزفيفًا ودفّ الطير يدفّ دفًّا ودفيفًا.
والهقلة بِكَسْر الْهَاء وَسُكُون الْقَاف: أُنْثَى النعام والهقل ذكره.
والرئال بِكَسْر الرَّاء المهماة فَعَدهَا همزَة مَفْتُوحَة: جمع رأل بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَهُوَ ولد النعام. والدويّة بتَشْديد الْوَاو منسوبة إِلَى الدوّ وَهِي الأَرْض الْبَعِيدَة الواسعة وَهُوَ صفة أمّ وَكَذَلِكَ سقفاء من السّقف بفاء بعد قَاف وَهُوَ طول فِي انحناء وَالذكر أَسْقُف. يَقُول: أستعين على إِزَالَة همي بِنَاقَة مسرعة مكأنها فِي إسراعها نعَامَة لَهَا أَوْلَاد طَوِيلَة منحنية لَا تفارق المفاوز.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة الْحَارِث بن حلّزة مَعَ شرح أَبْيَات من هَذِه الْمُعَلقَة فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ فِي بَاب التَّنَازُع.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(أنيخت فَأَلْقَت بَلْدَة فَوق بَلْدَة قَلِيل بهَا الْأَصْوَات إِلَّا بغامها)
[ ٣ / ٤١٨ ]
. على أَن إِلَّا صفة للأصوات وَهِي وَإِن كَانَت معرفَة بلام الْجِنْس فَهِيَ شَبيهَة بالمنكر. وَلما كَانَت إِلَّا الوصفية فِي صُورَة الْحَرْف الاستثنائي نقل إعرابها الَّذِي تستحقه إِلَى مَا بعْدهَا فَرفع بغامها إِنَّمَا هُوَ بطرِيق النَّقْل من إِلَّا إِلَيْهِ. وَالْمعْنَى: أَن صَوتا غير بغام النَّاقة قَلِيل فِي تِلْكَ الْبَلدة وَأما بغامها فَهُوَ كثير.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَيجوز فِي الْبَيْت أَن تكون إِلَّا للإستثناء وَمَا بعْدهَا بَدَلا من الْأَصْوَات لن فِي قَلِيل معنى النَّفْي. وَالْمعْنَى على هَذَا: مَا فِي تِلْكَ الْبَلدة من جنس الْأَصْوَات إِلَّا بغامها بِخِلَاف الْمَعْنى الأول فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَن يكون فِيهَا صَوت غير البغام لكنه قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى البغام.
قَالَ: وَمذهب سِيبَوَيْهٍ جَوَاز وُقُوع إِلَّا صفة مَعَ صِحَة الِاسْتِثْنَاء.
نسب ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا الْجَوَاز إِلَى جماعات من النَّحْوِيين ثمَّ قَالَ: وَقد يُقَال إِنَّه مُخَالف لمثال سِيبَوَيْهٍ: لَو كَانَ مَعنا رجل إِلَّا زيد لغلبنا وَلقَوْله تَعَالَى: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا قَالَ: فَلَا يجوز فِي إِلَّا هَذِه أَن تكون للإستثناء من جِهَة الْمَعْنى إِذْ التَّقْدِير حِينَئِذٍ: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة لَيْسَ فيهم الله لفسدتا وَذَلِكَ
يَقْتَضِي بمفهومه أَنه لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة فيهم الله لم يفسدا وَلَيْسَ ذَلِك المُرَاد. وَلَا من جِهَة اللَّفْظ لِأَن آلِهَة جمع منكّر فِي الْإِثْبَات فَلَا عُمُوم لَهُ فَلَا يَصح الِاسْتِثْنَاء مِنْهُ لَو قلت قَامَ رجل إِلَّا زيد لم يَصح اتِّفَاقًا. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لذِي الرمة وَقَبله:
(أَلا خيّلت ميّ وَقد نَام صحبتي فَمَا نفّر التهويم إِلَّا سلامها)
(طروقًا وجلب الرحل مشدودة بِهِ سفينة برّ تَحت خدي زمامها)
[ ٣ / ٤١٩ ]
.
(أنيخت فَأَلْقَت بَلْدَة فَوق بَلْدَة قَلِيل بهَا الْأَصْوَات إِلَّا بغامها)
قَوْله: أَلا خيلت مي الخ خيلت أَي: رَأينَا مِنْهَا خيالًا جَاءَ فِي الْمَنَام. وميّ: اسْم محبوبته.
وَجُمْلَة قد نَام الخ حَالية. والتهويم: مَفْعُوله مصدر هوّم الرجل: إِذا هزّ رَأسه من النعاس.
وسلامها: فَاعل نفر يَقُول: نفر نومنا حِين سلّم الخيال علينا.
وَقَوله: طروقًا الخ الطروق: مصدر طرق أَي: أَتَى لَيْلًا وَهُوَ من بَاب قعد. يُرِيد: خيلت)
طروقًا. وجلب الرحل: بِكَسْر الْجِيم وَضمّهَا: عيدانه وخشبه وَهُوَ مُبْتَدأ ومشدودة خَبره وسفينة نَائِب فَاعل الْخَبَر وَبِه أَي: بالجلب. وَأَرَادَ بسفينة البرّ النَّاقة. وزمامها مُبْتَدأ وَتَحْت خدّي خَبره. وَالْجُمْلَة: صفة سفينة يُرِيد: أَنه كَانَ نزل عَن نَاقَته آخر اللَّيْل وَجعل زمامها تَحت خَدّه ونام.
وَقَوله: أنيخت فَأَلْقَت. الخ هُوَ مَجْهُول أنختها أَي: أبركتها. والبلدة الأولى: الصَّدْر وَالثَّانيَِة: الأَرْض. أَي: أبركت فَأَلْقَت صدرها على الأَرْض. وَالضَّمِير فِي أنيخت وَأَلْقَتْ وبغامها رَاجع إِلَى سفينة برّ المُرَاد بهَا النَّاقة. وقَلِيل بالجرّ صفة سَبَبِيَّة للبلدة الثَّانِيَة. والأصوات: فَاعل قَلِيل والرابط ضمير بهَا.
وَيجوز رفع قَلِيل على انه خبر الْأَصْوَات وَالْجُمْلَة صفة. والبغام: بموحدة مَضْمُومَة بعْدهَا غين مُعْجمَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: بغام الظبية: صَوتهَا وَكَذَلِكَ بغام النَّاقة: صَوت لَا تفصح بِهِ وَقَوله: يَمَانِية فِي وثبها الخ بِالتَّخْفِيفِ أَي: هَذِه النَّاقة منسوبة إِلَى الْيمن.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
والوثب بِالْمُثَلثَةِ وثب وثبًا ووثوبًا: إِذا ظفر. والعجرفية: الْجفَاء وركوب الرَّأْس وَهُوَ أَن يسير سيرًا مختلطًا. وإطلاها: خاصرتاها مثنى إطل بِكَسْر الْهمزَة. وأودى: ذهب وَهلك. يَقُول: هِيَ فِي ضمرها هَكَذَا شَدِيدَة فَكيف تكون قبل الضمر وترجمة ذِي الرمّة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
الشَّاهِد الْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ لعمر أَبِيك إِلَّا الفرقدان)
على أَن إِلَّا صفة لكل مَعَ صِحَة جعلهَا أَدَاة اسْتثِْنَاء وَنصب الفرقدين على الِاسْتِثْنَاء كَمَا هُوَ الشَّرْط فِي وَصفِيَّة إِلَّا.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَالْوَصْف هُنَا مُخَصص فَإِن مَا بعد إِلَّا مُطَابق لما قبلهَا لِأَن الْمَعْنى: كل أَخَوَيْنِ غير هذَيْن الكوكبين متفارقان. وَلَيْسَ إِلَّا استثنائية وَإِلَّا لقَالَ: إِلَّا الفرقدين بِالنّصب لِأَنَّهُ بعد كَلَام تَامّ مُوجب كَمَا هُوَ الظَّاهِر مَعَ كَونه لمستغرق وَهُوَ كل أَخ كَمَا نصب الشَّاعِر فِي هَذَا الْبَيْت وَهُوَ من أَبْيَات مَذْكُورَة فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لأبي تَمام صَاحب الحماسة لأسعد الذهلي وَهُوَ:
(وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ لشحط الدَّار إِلَّا ابْني شمام)
[ ٣ / ٤٢١ ]
قَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم فِي أَمْثَاله: ابْني شمام هُنَا: جبلان. وَهُوَ بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم كحذام.
وَفِي المرصع لِابْنِ الْأَثِير: ابْنا شمام جبلان فِي دَار بني تَمِيم مِمَّا يَلِي دَار عَمْرو بن كلاب وَقيل: شمام هُوَ جبل. وابناه: رأساه وَأنْشد الْخَلِيل:
(وإنكما على غير اللَّيَالِي لأبقى من فروع ابْني شمام اه)
وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي أَمْثَاله الَّتِي جَاءَت على أفعل: ابْنا شمام: هضبتان فِي أصل جبل يُقَال لَهُ: شمام.
وَعند ابْن الْحَاجِب فِي الْبَيْت الشَّاهِد شذوذ من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهمَا: أَنه اشْترط فِي وُقُوع إِلَّا صفة تعذر الِاسْتِثْنَاء وَهنا يَصح لَو نَصبه.
وَثَانِيهمَا: وصف الْمُضَاف وَالْمَشْهُور وصف الْمُضَاف إِلَيْهِ. وثالثهما: الْفَصْل بَين الصّفة والموصوف بالْخبر وَهُوَ قَلِيل.
قَالَ صَاحب المقتبس: وَفِي الْبَيْت تَخْرِيج يتَرَاءَى لي غير بعيد عَن الصَّوَاب وَهُوَ أَن يَجْعَل قَوْله: مفارقه أَخُوهُ: صفة لكل وصاغ ذَلِك لكَونه نكرَة إِذْ أضافته لفظية ثمَّ يَجْعَل إِلَّا الفرقدان خبًا للمبتدأ الْمَوْصُوف وَلَا يخرج جعلهَا خَبرا عَن الوصفية لِأَن الْخَبَر أَيْضا صفة حَقِيقِيَّة.)
فَتكون إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: إِلَّا الله لفسدتا صفة نحوية. وَفِي الْبَيْت صفة معنوية وَبِهَذَا الْوَجْه يخرج الْكَلَام عَن تخَلّل الْخَبَر بَين الصّفة والموصوف.
وَتَقْدِير الْبَيْت على مَا ذكرت: وكل أَخ مفارق أَخَاهُ مُغَاير للفرقدين أَي: لَيْسَ على صفتهما لِأَنَّهُمَا لَا يفترقان مُنْذُ كَانَا. انْتهى.
ورده السَّيِّد عبد الله فِي شرح اللب بقوله: وَلَا يجوز أَن يَجْعَل مفارقه صفة
[ ٣ / ٤٢٢ ]
وَإِلَّا الفرقدان خَبرا حَتَّى يتَخَلَّص من هَذِه الفسادات كَمَا قيل لفساد الْمَعْنى. وَوَجهه أَن المُرَاد الحكم من على كل أَخ بِأَنَّهُ مفارق أَخَاهُ فِي الدُّنْيَا سوى الفرقدين فَإِنَّهُمَا لَا يفترقان إِلَّا عِنْد فنَاء الدُّنْيَا وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا ذكره فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَفْهُومه: أَن كل أَخ لَا يُفَارق أَخَاهُ مثل الفرقدين فِي اجْتِمَاع الشمل. وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَخَوان لَا يفترقان. فَتَأمل.
وَفِي الْبَيْت تخاريج أخر: إِحْدَاهمَا للكوفيين نَقله عَنْهُم ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أَن إِلَّا هُنَا بِمَعْنى الْوَاو وَهِي تَأتي بِمَعْنَاهُ كثيرا كَقَوْلِه تَعَالَى: لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة إِلَّا الَّذين ظلمُوا أَي: وَلَا الَّذين ظلمُوا لَا تكون لَهُم
أَيْضا حجَّة وَقَوله تَعَالَى: لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء من القَوْل إِلَّا من ظلم أَي: وَمن ظلم لَا يحب أَيْضا الْجَهْر بالسوء مِنْهُ وَكَذَا قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ فِي أحد أوجه إِلَّا فِي قَوْله تَعَالَى: خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك إِن إِلَّا بِمَعْنى الْوَاو وَأورد هَذَا الْبَيْت وَغَيره شَاهدا لمجيء إِلَّا بِمَعْنى الْوَاو وَأجَاب البصريون أَن إِلَّا فِي الْبَيْت بِمَعْنى غير وَفِي الْآيَات للاستثناء الْمُنْقَطع.
ثَانِيهَا مَا ذهب إِلَيْهِ الْكسَائي. أَن أَصله إِلَّا أَن يكون الفرقدان وَقد رد سِيبَوَيْهٍ هَذَا القَوْل كَمَا بَينه الشَّرْح الْمُحَقق.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: أنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وَقَالَ: لَا يجوز أَن يكون قَوْله: إِلَّا الفرقدان على تَقْدِير إِلَّا أَن يكون الفرقدان. وَإِنَّمَا لم يجز هَذَا لِأَنَّك لَا تحذف الْمَوْصُول وَتَدَع الصِّلَة لِأَن الصِّلَة تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول فَإِذا حذفت الْمَوْصُول لم يجز حذفه وذكرك مَا يكون إيضاحًا لَهُ.
وَنَظِير ذَلِك أَجْمَعُونَ فِي التوكيد لَا يجوز أَن تذكره وتحذف الْمُؤَكّد. فَإِن قلت: لم لَا يكون كالصفة والموصوف فِي جَوَاز حذف الْمَوْصُوف وَذكر الصّفة وَكَذَلِكَ تحذف الْمَوْصُول وتذكر الصِّلَة قلت: لم يكن فِي هَذَا كالوصف إِذا كَانَ مُفردا أَلا ترى أَن الْوَصْف إِذا كَانَ مُفردا كَانَ)
كالموصوف فِي الْإِفْرَاد وَإِذا كَانَ مثله جَازَ وُقُوعه مواقع الْمَوْصُوف من حَيْثُ كَانَ مُفردا مثله مَعَ استقباح لذَلِك.
فَأَما الصِّلَة فَلَا تقع مواقع الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَت جملا كَمَا لم يجز أَن تبدل الْجمل من الْمُفْرد من حَيْثُ كَانَ الْبَدَل فِي تَقْدِير تَكْرِير الْعَامِل وَالْعَامِل فِي الْمُفْرد لَا يعْمل فِي لفظ الْجُمْلَة فَكَذَلِك لَا يجوز أَن تحذف الْمَوْصُول وتقيم الصِّلَة مقَامه. فَإِن قلت: هلاّ جَازَ حذفهَا كَمَا جَازَ حذف الصلات وإبقاء الموصولة كَقَوْلِه: بعد اللتيا وَالَّتِي قلت: إبْقَاء الْمَوْصُول وَحذف الصِّلَة أشبه من عكس ذَلِك لِأَن
الْمَوْصُول مُفْرد وَلَيْسَ كالصلة الَّتِي هِيَ جملَة فَكَذَلِك جَاءَ فِي الشّعْر وَلم يمْتَنع كَمَا لَا يمْتَنع أَن يذكر الْمُؤَكّد وَلَا يذكر التَّأْكِيد. وَلَو ذكرت أَجْمَعُونَ وَنَحْوه وَلم تذكر الْمُؤَكّد لم يجز.
انْتهى كَلَام أبي عَليّ ولكثرة فَوَائده نَقَلْنَاهُ برمّته.
ثالثهما مَا نَقله بعض شرّاح أَبْيَات الْمفصل من فضلاء الْعَجم وَهُوَ أَن إِلَّا هُنَا بِمَعْنى حَتَّى وَالْمعْنَى: كل أَخ مفارقه أَخُوهُ حَتَّى إِن الفرقدين مَعَ
[ ٣ / ٤٢٤ ]
شدَّة اجْتِمَاعهمَا وَكَثْرَة مصاحبتهما يفرق كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن صَاحبه فَمَا ظَنك بِغَيْرِهِمَا قَالَ: وعَلى هَذَا تكون إِلَّا مستعملة اسْتِعْمَال حَتَّى للمناسبة بَين الِاسْتِثْنَاء والغاية وَيكون ذَلِك كَقَوْلِهِم: مَاتَ النَّاس حَتَّى الْأَنْبِيَاء. هَذَا كَلَامه وَلَيْسَ الْمَعْنى على مَا زَعمه وَفِيه تعسف أَيْضا.
رَابِعهَا: مَا ذكره ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: أَن إِلَّا هُنَا للاستثناء الْمُنْقَطع قَالَ: أَرَادَ لَكِن الفرقدان فَإِنَّهُمَا لَا يفترقان على زعمهم فِي بَقَاء هَذِه الْأَشْيَاء. هُوَ غير متبادر مِنْهُ وَهُوَ كَقَوْل الأعلم فِي شرح أَبْيَات الْكتاب: وَهَذَا على مَذْهَب الْجَاهِلِيَّة مَعَ أَن قَائِل هَذَا الْبَيْت صَحَابِيّ كَمَا سَيَأْتِي.
وسبقهما الْمبرد فِي الْكَامِل فَإِنَّهُ بعد أَن نسب الْبَيْت لعَمْرو بن معد يكرب اعتذر عَنهُ فَقَالَ: وَهَذَا الْبَيْت قَالَه قبل أَن يسلم. ثمَّ أورد عقبه بَيت أبي الْعَتَاهِيَة دَلِيلا على مَا فهمه بقوله: وَقَالَ اسماعيل بن الْقَاسِم:
(وَلم أر مَا يَدُوم لَهُ اجْتِمَاع سيفترق اجْتِمَاع الفرقدين)
وَنحن نقُول: محمل هَذَا الْبَيْت أَنَّهُمَا يفترقان عِنْد قيام السَّاعَة. وَلكُل وجهة. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب لَا يُفَارق أَحدهمَا الآخر.
وَبَقِي فِي الْبَيْت احْتِمَال وَجه آخر لم أر من ذكره وَهُوَ أَن تكون إِلَّا للاستثناء والفرقدان)
مَنْصُوب بعد تَمام الْكَلَام الْمُوجب لكنه بفتحة مقدرَة على
الْألف على لُغَة من يلْزم الْمثنى الْألف فِي الْأَحْوَال الثَّلَاثَة وَهِي لُغَة بني الْحَارِث بن كَعْب. وَالله أعلم.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
وَقَوله: وكل أَخ مفارقه أَخُوهُ قَالَ الفاليّ فِي شرح اللّبَاب: يحْتَمل وُجُوهًا من الْإِعْرَاب: أَحدهَا: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه خَبره وَأَخُوهُ فَاعل مفارقه. وَالثَّانِي: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه مُبْتَدأ ثَانِيًا وَأَخُوهُ خَبره والحملة خبر الأول. الثَّالِث: أَن يكون كل مُبْتَدأ وَأَخُوهُ مُبْتَدأ ثَانِيًا ومفارقه خبر الْمُقدم وَالْجُمْلَة خبر الأول. الرَّابِع: أَن يكون كل مُبْتَدأ ومفارقه بَدَلا مِنْهُ وَأَخُوهُ خبر كلّ أَي: مفارق كل أَخ أَخُوهُ. الْخَامِس: ان يكون مفارقه بَدَلا من كل وَأَخُوهُ مُبْتَدأ وكل أَخ مفارقه خبر مقدم انْتهى.
وَقَوله: لعمر أَبِيك مُبْتَدأ خَبره مَحْذُوف تَقْدِيره: قسمي. وَالْجُمْلَة مُعْتَرضَة. وَهَذَا الْبَيْت جَاءَ فِي شعرين لصحابيين: أَحدهمَا: عَمْرو بن معد يكرب انشده الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين لَهُ وَكَذَا نسبه إِلَيْهِ المبرّد فِي الْكَامِل وَصَاحب جمهرة الْأَشْعَار وَغَيرهم وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
الثَّانِي حضرمي بن عَامر الْأَسدي: قَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: هُوَ حضرمي بن عَامر بن مجمّع بن موعلة بن هِشَام بن ضَب بن كَعْب بن الْقَيْن بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد. وَهُوَ شَاعِر فَارس سيد وَله فِي كتاب بني أَسد أشعار وأخبار حسان وَهُوَ الْقَائِل:
(أَلا عجبت عميرَة أمس لمّا رَأَتْ شيب الذؤابة قد علاني)
[ ٣ / ٤٢٦ ]
. إِلَى أَن قَالَ:
(وَذي فخم عزفت النَّفس عَنهُ حذار الشامتين وَقد شجاني)
(قطعت قرينتي عَنهُ فأغنى غناهُ فَلم أرَاهُ وَلم يراني)
(وكل قرينَة قرنت بِأُخْرَى وَلَو ضنت بهَا ستفرّقان)
(وكل أَخ مُفَارقَة أَخُوهُ لعر أَبِيك أَلا الفرقدان)
(وكل إجَابَتِي إِيَّاه أَنِّي عطفت عَلَيْهِ خوّار الْعَنَان اه)
والذؤابة: الْخصْلَة من الشّعْر. والفخم: بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة: التعظم والاستعلاء وَمثله الفخيمة بِالتَّصْغِيرِ. وعزفت بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالزَّاي وَالْفَاء أَي: صرفت. وحذار: مفعول)
لأَجله لقَوْله عزفت. وَجُمْلَة وَقد شجاني أَي: أحزنني حَالية.
وَقَوله: قطعت قرينتي هُوَ جَوَاب ربّ المقدّرة فِي قَوْله: وَذي فخم. وَمَعْنَاهُ كل نفس مقرونة بِأُخْرَى ستفارقها. وضنّت: بخلت. وَقَوله: وكل إجَابَتِي كلّ: فعل مَاض من الكلال. ويروى: وَكَانَ إجَابَتِي إِيَّاه.
وحضرمي بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة وَبعد الرَّاء مِيم مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء مُشَدّدَة. ومجمّع بِوَزْن اسْم الْفَاعِل من جمع تجميعًا. وموألة بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْوَاو وَبعدهَا همزَة مَفْتُوحَة قَالَ فِي الْقَامُوس: وَبَنُو موألة
[ ٣ / ٤٢٧ ]
كمسعدة: بطن وَهُوَ مفعلة اسْم مَكَان من وأل إِلَيْهِ يئل بِمَعْنى لَجأ وخلص والموئل: الملجأ.
وَضَبطه ابْن حجر فِي الْإِصَابَة مولة بِفَتَحَات وَأورد حمام بدل هِشَام وَأورد بَاقِي النّسَب كَمَا ذكرنَا وَقَالَ: ذكره ابْن شاهين وَغَيره فِي الصَّحَابَة. وروى أَبُو يعلى وَابْن نَافِع من طَرِيق مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة عَن حضرمي بن عَامر الْأَسدي وَكَانَت لَهُ صُحْبَة أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: إِذا بَال أحدكُم فَلَا يسْتَقْبل الرّيح وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: وَلم أَقف لحضرمي على رِوَايَة غير هَذَا الحَدِيث.
قَالَ ابْن حجر: وروى ابْن شاهين من طَرِيق الْمَدَائِنِي عَن جمَاعَة أَنهم قَالُوا: وَفد بَنو أَسد بن خُزَيْمَة وَفِيهِمْ حضرمي بن عَامر وَضِرَار بن الْأَزْوَر وَسَلَمَة وَقَتَادَة وَأَبُو مكعت. فَذكر الحَدِيث فِي قصَّة إسْلَامهمْ وَكتب لَهُم رَسُول الله ﷺ َ كتابا. قَالَ: فتعلّم حضرمي بن عَامر سُورَة عبس وَتَوَلَّى فَزَاد فِيهَا: وَهُوَ الَّذِي أنعم على الحبلى فَأخْرج مِنْهَا نسمَة تسْعَى فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ َ: لَا تزد فِيهَا.
وَأخرجه من طَرِيق منْجَاب بن الْحَارِث من طرق ذكر فِيهَا أَن السُّورَة سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى: وروى عمر بن شبّة بِإِسْنَاد صَحِيح إِلَى أبي وَائِل قَالَ: وَفد بَنو أَسد فَقَالَ لَهُم النَّبِي ﷺ َ: من أَنْتُم قَالُوا: نَحن بَنو الزنية أحلاس الْخَيل قَالَ: بل أَنْتُم بَنو الرشدة فَقَالُوا: لَا نَدع اسْم أَبينَا وَذكر قصَّة طَوِيلَة.
وَقَالَ المرزباني فِي مُعْجَمه: كَانَ حضرمي يكنى أَبَا كدام وَلما سَأَلَهُ
[ ٣ / ٤٢٨ ]
عمر بن الْخطاب عَن شعره فِي حَرْب الْأَعَاجِم أنْشدهُ أبياتًا حَسَنَة فِي ذَلِك.
وروى أَبُو عليّ القاليّ من طَرِيق ابْن الْكَلْبِيّ قَالَ: كَانَ حضرمي بن عَامر عَاشر عشرَة من إخْوَته)
فماتوا فورثهم فَقَالَ فِيهِ ابْن عَم لَهُ يُقَال لَهُ جُزْء بن مَالك: يَا حضرمي ورثت تِسْعَة إخْوَة فَأَصْبَحت نَاعِمًا فَقَالَ حضرمي من أَبْيَات:
(إِن كنت قاولتني بهَا كذبا جُزْء فلاقيت مثلهَا عجلا)
فَجَلَسَ جُزْء على شَفير بِئْر هُوَ وَإِخْوَته وهم أَيْضا تِسْعَة فانخسفت بهم فَلم ينج غير جُزْء فَبلغ ذَلِك حضرمي بن عَامر فَقَالَ: كلمة وَافَقت قدرا وأبقت حقدا انْتهى مَا أوردهُ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة.
وَهَذَا الْبَيْت الَّذِي نَقله عَن أبي القاليّ هُوَ أحد أَبْيَات ثَلَاثَة أوردهَا ابْن السَّيِّد البطليوسي فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب وَهِي:
(يزْعم جُزْء وَلم يقل جللا أَنِّي تروّحت نَاعِمًا جذلا)
(أفرح أَن أرزأ الْكِرَام وَأَن أورث ذودًا شصائصًا نبْلًا)
وجزء بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الزَّاي وثالثه همزَة وهومنادى فِي الْبَيْت الثَّانِي. والجلل هُنَا بِمَعْنى الحقير وَيَأْتِي بِمَعْنى الْعَظِيم أَيْضا وَهُوَ من الأضداد.
[ ٣ / ٤٢٩ ]
وتروّح بِالْحَاء الْمُهْملَة: صَار ذَا رَاحَة.
وناعم: وصف من النَّعيم وَهُوَ الْخَفْض والدّعة وَالْمَال. وجذلان بِمَعْنى فرحان من الجذل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْفَرح. وأزننتني: اتهمتني يُقَال: زننته وأزننته بِكَذَا: إِذا اتهمته بِهِ ونسبته إِلَيْهِ.
وَقَوله: أفرح أَرَادَ أأفرح على معنى التَّقْرِير وَالْإِنْكَار فَترك ذكر الْهمزَة وَهُوَ يريدها حِين فهم مَا أَرَادَ وَهَذَا قَبِيح وَإِنَّمَا يحسن حذفهَا مَعَ أم.
وَقد أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف فِي تَفْسِيره دَلِيلا على حذف همزَة الِاسْتِفْهَام.
والرزء برَاء مَضْمُومَة وزاي سَاكِنة بعْدهَا همزَة قَالَ صَاحب الْقَامُوس: رزأه مَاله كجعله وَعَمله رزًْا بِالضَّمِّ: أصَاب مِنْهُ شَيْئا. فالمفعول الثَّانِي فِي الْبَيْت مَحْذُوف أَي: أرزأ الْكِرَام مَالهم. وأورث بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.
والذود من الْإِبِل: دون الْعشْرَة وَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْإِنَاث. والشصائص الَّتِي لَا ألبان لَهَا الْوَاحِد شصوص بِفَتْح الْمُعْجَمَة وإهمال الصادين يُقَال: شصّت النَّاقة وأشصت.
والنبل بِفَتْح النُّون وَالْمُوَحَّدَة: الصغار قَالَ فِي الْقَامُوس: والنبل محركة: عِظَام الْحِجَارَة والمدر