الرجز
(فَإِن عثرت بعْدهَا إِن وألت نَفسِي من هاتا فقولا: لَا لعا)
على أَنه إِن دخل الشَّرْط على شَرط بِدُونِ فَاء كَانَ الْجَواب للشّرط الأول وَكَانَ الشَّرْط الأول مَعَ جَوَابه جَوَاب الشَّرْط الثَّانِي. وَالتَّقْدِير: إِن وألت نَفسِي فَإِن عثرت بعْدهَا فقولا: لَا لعا.
وَهَذَا الْبَيْت من مَقْصُورَة ابْن دُرَيْد الْمَشْهُورَة وَهُوَ من المولدين فَكَانَ الأولى
الاستشهاد بِكَلَام من يوثق بِهِ كَقَوْلِه: الْبَسِيط أَي إِن تذعروا فَإِن تستغيثوا بِنَا تَجدوا إِلَخ وَفِيه ضَرُورَة وَهُوَ وُقُوع الشَّرْط الثَّانِي الْمَحْذُوف جَوَابه مضارعًا وَالْقِيَاس مضيه كَمَا تقدم.
وَنقل شرَّاح التسهيل عَن ابْن مَالك أَن الشَّرْط الثَّانِي مُقَيّد للْأولِ بِمَثَابَة الْحَال فَكَأَنَّهُ قيبل فِي الْبَيْت: إِن تستغيثوا بِنَا مذعورين.
وَجعله بَعضهم مُؤَخرا فِي التَّقْدِير فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن تستغيثوا بِنَا تَجدوا معاقل عزٍ إِن تذعروا وَمَا قبله الْجَواب فَهُوَ على هَذَا مقدم فِي الْمَعْنى.
قَالَ ابْن عقيل: وَالصَّحِيح فِي مَسْأَلَة توالي الشُّرُوط أَن الْجَواب للْأولِ وَجَوَاب الثَّانِي مَحْذُوف لدلَالَة الشَّرْط الأول وَجَوَابه عَلَيْهِ وَجَوَاب الثَّالِث مَحْذُوف لدلَالَة الشَّرْط الثَّانِي وَجَوَابه عَلَيْهِ.
فَإِذا قلت: إِن دخلت الدَّار إِن كلمت زيدا إِن
[ ١١ / ٣٥٩ ]
جَاءَ إِلَيْك فَأَنت حر فقولك: فَأَنت حر جَوَاب إِن دخلت وَإِن دخلت وَجَوَابه دَلِيل جَوَاب إِن كلمت وَجَوَابه دَلِيل جَوَاب إِن جَاءَ.)
وَالدَّلِيل على الْجَواب جَوَاب فِي الْمَعْنى وَالْجَوَاب مُتَأَخّر فَالشَّرْط الثَّالِث مقدم وَكَذَا الْبَاقِي وَكَأَنَّهُ قيل: إِن جَاءَ فَإِن كلمت فَإِن دخلت فَأَنت حر. فَلَا يعْتق إِلَّا إِذا وَقعت هَكَذَا: مجيئٌ ثمَّ كَلَام ثمَّ دُخُول.
وَالسَّمَاع يشْهد لهَذَا القَوْل قَالَ: إِن تستغيثوا بِنَا الْبَيْت. وَعَلِيهِ عمل فصحاء المولدين وَقَالَ ابْن فَإِن عثرت بعْدهَا إِن وألت الْبَيْت
وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء: الْجَواب للأخير وَالشّرط الْأَخير وَجَوَابه جَوَاب الثَّانِي وَالشّرط الثَّانِي وَجَوَابه جَوَاب الأول وعَلى هَذَا لَا يعْتق حَتَّى يُوجد كَذَلِك دخولٌ ثمَّ كَلَام ثمَّ مَجِيء.
وَقَالَ بَعضهم: إِذا اجْتمعت حصل الْعتْق تقدم الْمُتَأَخر أَو لَا. وَمَا ذكر مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ التوالي بِلَا عاطف فَإِن عطف أحد الشَّرْطَيْنِ على الآخر فَإِن كَانَ الْعَطف بِأَو فَالْجَوَاب لأَحَدهمَا من الأول وَالثَّانِي دون تعْيين نَحْو: إِن جئتني أَو إِن أكرمت زيدا أحسن إِلَيْك.
وَقَالُوا: فِيمَا إِذا دخلت الْفَاء على أَدَاة شَرط بعد أُخْرَى نَحْو: إِن جئتني فَإِن أَحْسَنت إِلَيّ جئْتُك: إِن الْجَواب للثَّانِي وَمَا دخلت عَلَيْهِ الْفَاء من الشَّرْط وَجَوَابه جَوَاب الأول. وَهَذَا فِيهِ إِخْرَاج الْفَاء عَن الْعَطف وَجعلهَا لربط جملَة الْجَزَاء بِالشّرطِ.
وَقَالَ ابم مَالك فِي شرح الكافية: إِذا اجْتمع شَرْطَانِ بعطفٍ فَالْجَوَاب لَهما كَقَوْلِه تَعَالَى: وَإِن تؤمنوا وتتقوا يُؤْتكُم أجوركم وَلَا يسئلكم أَمْوَالكُم إِن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا وَيخرج أضغانكم.
وَهَذَا على مُقْتَضى مَا سبق فِيمَا إِذا كَانَ الْعَطف بِالْوَاو وَإِن تَكَرَّرت أَدَاة الشَّرْط وَفِيمَا إِذا كَانَ
[ ١١ / ٣٦٠ ]
الْعَطف بِالْفَاءِ وَإِنَّمَا تكَرر الشَّرْط بِلَا أَدَاة فِي المكرر.
وَأما الْمَعْطُوف بِأَو فَلَا يدْخل فِي هَذَا لماعلم أَن ان أَو لأحد الشَّيْئَيْنِ أَو الْأَشْيَاء فَلَيْسَ الْمَقْصُود مَجْمُوع الشَّرْطَيْنِ بل أَحدهمَا وَهَذَا بِخِلَاف مَا نَحن فِيهِ فَإِن الْمَقْصُود الْمَجْمُوع فالتوالي على الْجَواب لم يتَحَقَّق فِي الْعَطف بِالْوَاو وَالْفَاء.
قَالَ ابْن عقيل: وَثَبت فِي نُسْخَة من التسهيل عَلَيْهَا خطه بعد قَوْله: وَإِن توالى شَرْطَانِ أَو قسم وَشرط استغني بِجَوَاب سابقهما مَا نَصه: وَثَانِي الشَّرْطَيْنِ لفظا أَو لَهما معنى فِي نَحْو: إِن تتب إِن تذنب ترحم.
وَظَاهر هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي أَنه إِنَّمَا يرى تَقْدِيم الْمُؤخر فِيمَا كَانَ نَحْو هَذَا وَهُوَ مَا يكون فِيهِ)
الأول مترتبًا على الثَّانِي وقوعًا عَادَة فَهُوَ مُوَافق لِلْقَوْلِ الأول الصَّحِيح من
وجهٍ ومخالفه من وَجه.
فالموافقة فِي اعْتِقَاد التَّقْدِيم من تَأْخِيره والمخالفة فِي الْإِشْعَار باالتفصيل إِذْ قَضيته أَنَّهُمَا إِذا لم يَكُونَا كَذَلِك فَكل مِنْهُمَا وَاقع موقعه نَحْو: إِن جئتني أَن أَحْسَنت إِلَيّ أكرمتك. وَأَصْحَاب القَوْل الأول لَا يفرقون بَين الْمرتبَة وَغَيرهَا فالمتأخر عِنْدهم مُتَقَدم مُطلقًا. انْتهى.
وَبَيت أبن دُرَيْد قبله:
(مَا كنت أَدْرِي مَا الزَّمَان مولعٌ بِشَتٍّ ملومٍ وتنكيت قوى)
(أَن الْقَضَاء قاذفي فِي هوةٍ لَا تستبل نفس من فِيهَا هوى)
(وَإِن تكن مدَّتهَا مَوْصُولَة بالحتف سلطت الأسى على الأسى)
وَقَوله: مَا كنت أَدْرِي إِلَخ المولع: من أولع بالشَّيْء على مَا لم يسم فَاعله فَهُوَ مولع بِفَتْح اللَّام أَي: مغرم بِهِ وَالْبَاء مُتَعَلقَة بِهِ. والشت: مصدر
[ ١١ / ٣٦١ ]
شت الْأَمر يشت بِالْكَسْرِ شتًا وشتاتًا أَي: تفرق.
وَجُمْلَة وَالزَّمَان مولع إِلَى آخر الْبَيْت اعْتِرَاض بَين أَدْرِي وَبَين مَا سد مسد مفعوليها وَهُوَ أَن الْقَضَاء الْبَيْت الْآتِي.
والملوم: الْمُجْتَمع. والتنكيث: النَّقْض. والقوى: جمع قُوَّة وَهِي فِي الأَصْل إِحْدَى طاقات الْحَبل ثمَّ استعير.
وَيكْتب بِالْألف عِنْد الْبَصرِيين لِأَن أَلفه منقلبة عَن وَاو. وبالياء عِنْد الْكُوفِيّين لانضمام أَوله.
وَهَذَا الْمَعْنى مَأْخُوذ من قو جرير: الْبَسِيط
(لَا يأمنن قويٌ نقض مرته إِنِّي أرى الدَّهْر ذَا نقضٍ وإمرار)
وَقَوله: أَن الْقَضَاء إِلَخ أَن بِفَتْح الْهمزَة مَعَ معمولها سدت مسد
المفعولين لأدري فِي الْبَيْت السَّابِق.
والقاذف: الرَّامِي وَهُوَ مُضَاف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم. والهوة بِضَم الْهَاء: حُفْرَة يضيق أَعْلَاهَا ويتسع وَلَا تستبل: لَا تَبرأ من بل من مَرضه وأبل وَإِذا برأَ مِنْهُ. وَكَانَ حَقه أَن يَقُول: لَا تنجو وَلَا تخلص وَنَحْوهمَا. وَجُمْلَة: لَا تستبل إِلَخ صفة هوة. وَهوى: سقط يكْتب بِالْيَاءِ.
وَهَذَا الْمَعْنى مَأْخُوذ من قَول الأفوه الأودي: الرمل
(فصروف الدَّهْر فِي أطباقه خلفةٌ فِيهَا ارْتِفَاع وانحدار»
(بَيْنَمَا النَّاس على عليائها إِذْ هووا فِي هوةٍ مِنْهَا فغاروا)
وَقَوله: فَإِن عثرت إِلَخ عثرت: سَقَطت ومصدره العثار. وَأما العثور فَهُوَ مصدر عثرت عَلَيْهِ بِمَعْنى اطَّلَعت عَلَيْهِ. وألت: نجت وخلصت وَفعله وأل يئل وَألا من بَاب ضرب.
والموئل: مَوضِع النجَاة. وَالضَّمِير فِي بعْدهَا
[ ١١ / ٣٦٢ ]
رَاجع إِلَى الهوة وَقيل: رَاجع إِلَى العثرة المفهومة من عثرت.
وَنَفْسِي: فَاعل وألت. هاتا بِمَعْنى هَذِه والمشار إِلَيْهِ الهوة. وَهَا: حرف تَنْبِيه. وتا: اسْم إِشَارَة للمؤنث وَهِي تسْتَعْمل على أَرْبَعَة أضْرب: إِمَّا أَن تسْتَعْمل مُفْردَة وَلَيْسَ مَعهَا هَا تَنْبِيه وَلَا حرف خطاب كَقَوْلِك: تا وَهَذَا أخصر مَا يكون.
وَإِمَّا أَن يكون مَعهَا حرف التَّنْبِيه مثل هاتا. وَإِمَّا أَن يكون خطاب وتنبيه مثل: هَا تاك أَو وَقَوله: لَا لعا قَالَ الْخَلِيل: لعًا كلمة تقال عِنْد العثرة. وَقَالَ ابْن سَيّده: لعًا كلمة يدعى بهَا للعاثر مَعْنَاهَا الِارْتفَاع.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن السَّيِّد: لعًا من أَسمَاء الْفِعْل مَبْنِيّ على السّكُون والتنوين فِيهِ عَلامَة التكير كالتنوين فِي صهٍ ومهٍ. وَهِي كلمة يُرَاد بهَا الانجبار والارتفاع.
-
وَقد بَين أَبُو عُثْمَان سعيد بن عُثْمَان الْقَزاز الْفِعْل الَّذِي لعًا اسْمه فَقَالَ: يُقَال لعا لَك الله أَي: نَعشك الله ورفعك. ف لعا اسْم لنعش كَمَا أَن هَيْهَات اسْم لبعد وصه اسْم لاسكت.
وَلَا فِي قَوْله لَا لعا: نفي للدُّعَاء. ولعا تكْتب بِالْألف لِأَنَّهَا منقلبة عَن وَاو وَلذَلِك أدخلها الْخَلِيل وَغَيره فِي بَاب الْعين وَاللَّام وَالْوَاو.
وَحكى أَبُو عبيد فِي الْأَمْثَال: وَمن دُعَائِهِمْ لَا لعًا لفُلَان أَي: لَا أَقَامَهُ الله فَجعل لعا اسْما لأقامة الله. وَهُوَ قريب من القَوْل الأول لِأَنَّهُ إِذا اقامه فقد رَفعه وَإِذا رَفعه فقد نعشه.
وَقد رد عَلَيْهِ ذَلِك أَبُو عبيد الْبكْرِيّ وَقَالَ: هَذَا مَا قَالَه أحد وَإِنَّمَا قَالَ
[ ١١ / ٣٦٣ ]
اللغويون: لعًا: كلمة تقال للعاثر فِي معنى اسْلَمْ وَكَذَلِكَ دعدع.
وَقد رُوِيَ فِي حَدِيث مَرْفُوع: أَن كره أَن يُقَال للعاثر دعدع وَليقل لَهُ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ وانفع.
(بِذَات لوثٍ عفراناةٍ إِذا عثرت فالتعس أدنى لَهَا من أَن يُقَال لعا»
وَمعنى الْبَيْت ينظر إِلَى قَوْله ﵊ ُ: لَا يلْدغ الْمُؤمن من جحرٍ مرَّتَيْنِ وتأويله: أَنه يَنْبَغِي لَهُ إِذا نكب من وجهٍ أَن لَا يعود لمثله فَابْن دُرَيْد
يَقُول: إِن عثرت بعد أَن نجت نَفسِي من هَذِه فحقي أَن يُقَال لي: لَا لعهًا لِأَنِّي خَالَفت قَول النَّبِي ﷺ َ.
وَقَوله: وَإِن تكن مدَّتهَا إِلَخ أَي: مُدَّة النكبة المفهومة من قَوْله: أَن الْقَضَاء قاذفي فِي هوة وموصولة: مُتَّصِلَة. والحتف: الْمَوْت يُقَال: مَاتَ فلَان حتف أَنفه وحتف أنفيه إِذا مَاتَ على فارشه من غير قتل.
والأسى الأول بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا وَالْقصر جمع إسوة بِكَسْر الْهمزَة وَضمّهَا وَهُوَ الْقدْوَة وَمَا يتأسي بن الحزين أَي: يتعزى ويتسلى يكْتب بِالْيَاءِ على مَذْهَب الْكُوفِيّين وبالأف عِنْد الْبَصرِيين لِأَن أَلفه منقلبة عَن الْوَاو.
والأسى الثَّانِي بِفَتْح الْهمزَة وَالْقصر هُوَ الْحزن وَيكْتب بهما لِأَن التَّثْنِيَة أسيان وأسوان.
وَأما الإساء بِكَسْر الْهمزَة وَالْمدّ
[ ١١ / ٣٦٤ ]
فَهُوَ الدَّوَاء وَاسم الْفَاعِل الآسي كَالْقَاضِي وَهُوَ المداوي والطبيب وَجمعه الإساء كرَاع ورعاء وَيجمع على أساة أَيْضا كرام ورماة.
(وَمَا يَبْكُونَ مثل أخي وَلَكِن أعزي النَّفس عَنهُ بالتآسي)
وَقَالَ الشمردل بن شريك وَقيل غَيره: الطَّوِيل
(وَلَوْلَا الأسى مَا عِشْت فِي النَّاس سَاعَة وَلَكِن إِذا ماشئت جاوبني مثلي
)
وترجمة ابْن دُرَيْد تقدّمت مَعَ شرح أبايت من هَذِه الْمَقْصُورَة فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين بعد الْمِائَة.
وَأنْشد بعده