وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: الْبَسِيط يَا دَار ميّة بالعلياء فالسّند هَذَا صدر وعجزه: أقوت وَطَالَ عَلَيْهَا سالف الأمد على أَن الْفَاء فِيهِ لإِفَادَة التَّرْتِيب فِي الذّكر فَتكون عاطفة على مَعْنَاهَا وَلم يُمكن جعلهَا بِمَعْنى إِلَى كَمَا تقدم فِي أول التخريجين فَبِي بَيت امْرِئ الْقَيْس لعدم ظُهُور الْغَايَة.
وَقصد بِهَذَا الرّدّ على الجرميّ فِي زَعمه أنّ الْفَاء فِي الْأَمَاكِن لمُطلق الْجمع كالواو
فَلَا تدلّ على تَرْتِيب لأنّ الْحَرْف وَغَيره إِذا أمكن بَقَاؤُهُ على مَا وضع لَهُ فَلَا يعدل إِلَى خِلَافه.
والعلياء والسّند كلّ مِنْهُمَا لَيْسَ اسْم مَكَان بِعَيْنِه قَالَ صَاحب الصِّحَاح: العلياء: كلّ مَكَان مشرف وَهُوَ بِفَتْح الْعين والمدّ.
وَقَالَ صَاحب الْعباب: السّند بِالتَّحْرِيكِ: مَا قابلك من الْجَبَل وَعلا عَن السفح وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَلِهَذَا لم يذكر الْبكْرِيّ العلياء فِي مُعْجَمه لَكِن أورد السَّنَد فَقَالَ: هُوَ بِفَتْح أَوله وثانيه: مَاء بتهامة مَعْرُوف وَهُوَ الَّذِي عَنى النَّابِغَة بقوله.
يَا دَار ميّة بالعلياء فالسّند
[ ١١ / ٣٢ ]
وَقد حدّده الْأَحْوَص فِي قَوْله: مجزوء الوافر
(غشيت الدّار بالسّند دوين الشّعب من أحد)
وَقَالَ أَبُو بكر: سَنَد: مَاء مَعْرُوف لبني سعد انْتهى وَهَذَا غير ذَاك.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي الْمسَائِل البصرية: مَسْأَلَة: يَا دَار ميّة بالعلياء فالسّند يَا دَار ميّة بالعلياء غيّرها الجارّ مُتَعَلق بأقوت وبغيّرها لِأَن دَار ميّة معرفَة فَلَا يكون الْفِعْل صفة. فَأَما قَوْله: الطَّوِيل
أدارًا بحزوى هجت للعين عِبْرَة فَلَا يكون بحزوى إلاّ مُتَعَلقا بِمَحْذُوف أَلا ترى أنّ دَارا نكرَة وَيجوز فِي الْأَوَّلين أَن يكون الْجَار)
مُتَعَلقا بِمَحْذُوف فَيكون فِي مَوضِع حَال كَقَوْلِه: الْبَسِيط يَا بؤس للْجَهْل ضرّارًا لأقوام وَلَا يجوز عِنْدِي فِي قَوْله: الوافر أَلا يَا بَيت بالعلياء بَيت
[ ١١ / ٣٣ ]
أَن يكون مُتَعَلقا بِمَحْذُوف على أَن يكون حَالا وَلَكِن مُتَعَلق بِمَحْذُوف على نَحْو: فِي الدَّار رجل لِأَنَّهُ خبر بَيت الثَّانِي وَيكون أقوت وغيّرها منقطعين مِمَّا قبلهمَا كَأَنَّهُ لما نَادَى أقبل على غَيرهَا فخاطبه.
وَالدَّلِيل على كَون الظّرْف حَالا فِي بَيت ذِي الرمة وَأَنه يجوز أَن لَا يكون مُتَعَلقا
بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ غيّرها قَوْله فِي أُخْرَى: الْبَسِيط
(يَا دَار ميّة بالخلصاء فالجرد سقيا وَإِن هجت أدنى الشّوق والكمد)
فَإِن قلت: لم لَا تجْعَل بالعلياء فِي قَوْلك: أَلا يَا بَيت بالعلياء بَيت حَالا وَتجْعَل بَيت الثَّانِي بَدَلا من الأول ليخلص الظّرْف حَالا قلت: ذَلِك لَا يجوز. أَلا ترى أَنه لَا يَسْتَقِيم أَن تَقول مبتدئًا: يَا زيد وَلَوْلَا عمرا أكرمت كَمَا قَالَ: وَلَوْلَا حبّ أهلك مَا أتيت وَإِن شِئْت أجزته كَمَا قَالَ: الْخَفِيف
(يَا ابْن أمّي وَلَو شهدتك إِذْ تد عو تميمًا وَأَنت غير مجاب)
وَمنعه ابْن جني فِي الْمُحْتَسب فَقَالَ: وسألني قَدِيما بعض من كَانَ يَأْخُذ عني فَقَالَ: لم لَا يكون بَيت الثَّانِي تكريرًا على الأول كَقَوْلِك: يَا زيد زيد وَيكون بالعلياء فِي مَوضِع الْحَال من الْبَيْت كَمَا كَانَ قَول النَّابِغَة:
[ ١١ / ٣٤ ]
يَا دَار ميّة بالعلياء فالسّند
قَوْله: بالعلياء فِي مَوضِع الْحَال أَي: يَا جَار ميّة عالية مُرْتَفعَة فَيكون كَقَوْلِه: يَا بؤس للْجَهْل ضرّارًا لأقوام هَذَا معنى مَا أوردهُ بعد أَن سدّدت السُّؤَال ومكّنته فَقلت: لايجوز ذَلِك هُنَا وَذَلِكَ أَنه لَو لَوْلَا حبّ أهلك مَا أتيت)
فَيكون كَقَوْلِك: يَا زيد لَوْلَا مَكَانك مَا فعلت كَذَا وَأَنت لَا تَقول: يَا زيد وَلَوْلَا مَكَانك لم أفعل كَذَا فَإِذا بَطل هَذَا ثَبت مَا قَالَه صَاحب الْكتاب من كَونه كلَاما بعد كَلَام وَجُمْلَة تتلو جملَة وَهَذَا وَاضح.
انْتهى كَلَامه وَكَأَنَّهُ لم يستحضر آخر كَلَام أبي عَليّ.
وَقد غفل الْعَيْنِيّ عَن حكم وُقُوع الظّرْف بعد الْمعرفَة بجعله حَالا مِنْهَا فَقَالَ: بالعلياء محلّها النصب على أَنَّهَا صفة لدار ميّة وَالتَّقْدِير الكائنة بالعلياء وَهَذَا تحريره والبعرة تدلّ على الْبَعِير.
وميّة: اسْم امراة وأقوت: خلت من السّكّان وأقفرت وَفِيه الْتِفَات من الْخطاب إِلَى الْغَيْبَة حَيْثُ لم يقل: أقويت والسالف: الْمَاضِي. والأبد: الدَّهْر.
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للنابغة الذبياني تقدم ذكر سَببهَا مَعَ شرح أَبْيَات من أَولهَا فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَبعده:
[ ١١ / ٣٥ ]
الْبَسِيط
(وقفت فِيهَا أصيلالًا أسائلها أعيت جَوَابا وَمَا بالدّار من أحد
)
وَهَذِه الأبيات الثَّلَاثَة أنشدها سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب الِاسْتِثْنَاء وَالشَّاهِد فِي الْبَيْت الثَّالِث وَهُوَ رفع الأواريّ فِي لُغَة تَمِيم ونصبه فِي لُغَة الْحجاز.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي قَوْله: إلاّ الأواريّ بِالنّصب على الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطع لِأَنَّهَا من غير جنس الْأَحَد وَالرَّفْع جَائِز على الْبَدَل من الْموضع وَالتَّقْدِير: ومَا بِالربعِ أحد إلاّ الأواريّ على أَن تجْعَل من جنس الْأَحَد اتّساعًا ومجازًا انْتهى.
وَقد تقدّم شرح الْبَيْت مفصّلًا فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسبْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.
وأنشده بعده: الْكَامِل وَإِذا هَلَكت فَعِنْدَ ذَلِك فاجزعي على أنّ إِحْدَى الفاءين زَائِدَة. وَلم يعيّن الزَّائِد.
-
قَالَ أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية: الْفَاء الأولى زَائِدَة وَالثَّانيَِة فَاء الْجَزَاء. ثمَّ قَالَ: اجْعَل الزَّائِد أيّهما شِئْت.
وعيّن القَاضِي فِي تَفْسِيره الأولى فَإِنَّهُ أورد الْبَيْت نظيرًا لقَوْله تَعَالَى: فبذلك فليفرحوا قَالَ:)
الْفَاء فِي فبذلك زَائِدَة مثلهَا الْفَاء الدَّاخِلَة على عِنْد فِي الْبَيْت. وَتَقْدِيم عِنْد للتَّخْفِيف كتقديم ذَلِك.
وسيبويه لَا يثبت
[ ١١ / ٣٦ ]
زِيَادَة الْفَاء وَحكم بزيادتها هُنَا للضَّرُورَة. وَمن تبعه وجّه مَا أوهم الزِّيَادَة فوجّهها صَاحب اللّبَاب بِأَنَّهَا إِنَّمَا كرّرت هُنَا لبعد الْعَهْد بِالْفَاءِ الأولى كَمَا كرّر الْعَامِل فِي قَوْله: الطَّوِيل
(لقد علم الحيّ اليمانون أنّني إِذا قلت أمّا بعد أنّي خطيبها)
أُعِيد أنّي لبعد الْعَهْد بأنني انْتهى.
وَهَذَا لَا يطّرد لَهُ فِي الْآيَة.
وَهَذَا المصراع عجز وصدره: لَا تجزعي إِن منفسٌ أهلكته وَالْبَيْت آخر قصيدة للنمر بن تولب الصَّحَابِيّ وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مَعَ شرح القصيدة وترجمته فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده