وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْخَفِيف
(مَا أُبَالِي أنبّ بالحزن تيسٌ أم لحاني بِظهْر غيبٍ لئيم)
لما تقدّم قبله.
وأنشده فِي بَاب أَو على أَن أم فِي الْبَيْت وَاقعَة فِي موقعها وَلَا يجوز أَو.
وَقَالَ: وَتقول: أتضرب زيدا أَو تَشْتُم عمرا إِذا أردْت: هَل يكون شَيْء من هَذِه الْأَفْعَال.
وَإِن شِئْت قلت: أتضرب عمرا أم تَشْتُم زيدا على معنى أيّهما.
قَالَ حسان:
مَا أُبَالِي أنبّ بالحزن تيسٌ الْبَيْت كَأَنَّهُ قَالَ: أَي الْفِعْلَيْنِ كَانَ. انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي دُخُول أم عديلةً للألف. وَلَا يجوز أَن تدخل أَو هُنَا لِأَن قَوْله: مَا أُبَالِي وَالْمعْنَى: قد اسْتَوَى عِنْدِي نبيب التّيس بالحزن ونيل اللَّئِيم من عرضي بِظهْر الْغَيْب. ونبيب التيس: صَوته عِنْد هياجه.
والحزن: مَا غلظ من الأَرْض. وخصّه لِأَن الْجبَال أخصب للمعز من السّهول. انْتهى.
وَالْبَيْت من قصيدة لحسان بن ثَابت الصَّحَابِيّ قَالَهَا فِي غَزْوَة أحد. قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وَهَذِه القصيدة من أَجود شعره وَقَالَهَا حسان لَيْلًا ونادى قومه: أَنا أَبُو الحسام أَنا أَبُو الْوَلِيد وهما كنيتان لَهُ ثمّ أَمرهم أَن يرووها
[ ١١ / ١٥٥ ]
عَنهُ قبل النَّهَار مَخَافَة أَن يعوقه عائق.
فَخر فِيهَا على ابْن الزّبعرى بمقامات لَهُ عِنْد مُلُوك الشَّام من أَبنَاء جَفْنَة افتكّ فِيهَا عناةً من قومه وَذكر مقَام خَاله عِنْد النّعمان الغسّانيّ من آل جَفْنَة وَذكر فِيهَا حماة اللّواء من بني عبد الدَّار وأنّهم صرّعوا حوله حَتَّى أَخَذته امْرَأَة مِنْهُم وَهِي عمْرَة بنت عَلْقَمَة فَلذَلِك قَالَ:
(لم تطق حمله الْعَوَاتِق مِنْهُم إنّما يحمل اللّواء النّجوم)
انْتهى.
-
وَهَذَا أول القصيدة:
(منع النّوم بالعشاء الهموم وخيالٌ إِذا تغور النّجوم)
(من حبيبٍ أصَاب قَلْبك مِنْهُ سقمٌ فَهُوَ داخلٌ مَكْتُوم»
(همّها الْعطر والفراش ويعلو هَا لجينٌ ولؤلؤٌ منظوم)
(لَو يدبّ الدّبيب من ولد الذّ رّ عَلَيْهَا لأندبتها الكلوم)
(لم تفقها شمس النّهار بشيءٍ غير أنّ الشّباب لَيْسَ يَدُوم)
(إنّ خَالِي خطيب جابية الجو لَان عِنْد النّعمان حِين يقوم)
(وَأبي فِي سميجة الْقَائِل الْفَا صل يَوْم التفّت عَلَيْهِ الْخُصُوم)
(وَأَنا الصّقر عِنْد بَاب ابْن سلمى يَوْم نعْمَان فِي الكبول مُقيم)
(وأبيٌّ ووافدٌ أطلقا لي ثمّ رحنا وقفلهم محطوم
[ ١١ / ١٥٦ ]
)
(وسطت نسبتي الذّوائب مِنْهُم كلّ دارٍ فِيهَا أبٌ لي عَظِيم)
(ربّ حلمٍ أضاعه عدم الما ل وجهلٍ غطى عَلَيْهِ النّعيم)
(مَا أُبَالِي أنبّ بالحزن تيسٌ أم لحاني بظهرٍ غيبٍ لئيم)
(تِلْكَ أفعالنا وَفعل الزّبعرى خاملٌ فِي صديقه مَذْمُوم)
قَالَ جَامع ديوانه مُحَمَّد بن حبيب بِرِوَايَة السكرِي عَنهُ: الجولان بِالْجِيم: من عمل دمشق على طَرِيق مصر.
وسميجة بِضَم السِّين وَفتح الْمِيم وَالْجِيم: بِئْر بِالْمَدِينَةِ كَانَت لِلْأَوْسِ والخزرج تحاكمت عِنْدهَا ونعمان هَذَا الَّذِي ذكره نعْمَان بن مَالك كَانَ حَبسه النُّعْمَان بن الْمُنْذر فوفد فِيهِ وَفِي غَيره حسان فأطلقوا لَهُ.
وأبيٌّ: هُوَ ابْن كَعْب من بني النجّار: ووَافد: هُوَ ابْن عَمْرو بن الإطنابة من بني الْخَزْرَج.
وَقَوله: وجهلٍ غطى عَلَيْهِ النّعيم غطى يُغطي غطيًا. وَمِنْه يُقَال: غطى اللَّيْل إِذا ستر كلّ شَيْء فَهُوَ غاطٍ. والزّبعرى: هُوَ السّهمي. وَكَانَ ابْن الزّبعرى يهاجي حسان. انْتهى.
قَالَ السّهيلي: غطى بتَخْفِيف أنْشدهُ يُونُس بن حبيب وَمَعْنَاهُ: علا وارتفع.
-
وَكَذَا أنْشد هَذِه القصيدة عبد الْملك بن هِشَام فِي غَزْوَة أحد من سيرته وَزَاد بَيْتا بَين قَوْله: رب حلم الْبَيْت وَبَين قَوْله: مَا أُبَالِي أنب الْبَيْت وَهُوَ:
[ ١١ / ١٥٧ ]
الْخَفِيف
(لَا تسبني فلست بسبي إِن سبي من الرِّجَال الْكَرِيم)
والسب بِالْكَسْرِ: الَّذِي يسابك وَهُوَ نظيرك فِي الْمنزلَة.
وَزعم الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي أَن هَذَا الْبَيْت مَعَ مَا بعده ليسَا من شعره وَإِنَّمَا هما لِابْنِهِ)
عبد الرَّحْمَن بن حسان وَقَالَ: هجا عبد الرَّحْمَن بن حسان مِسْكين بن عَامر الدَّارمِيّ بِثَلَاثَة أَبْيَات وَهِي: الْخَفِيف
(أَيهَا الشاتمي ليحسب مثلي إِنَّمَا أَنْت فِي الضلال تهيم)
مَا أُبَالِي أنب بالحزن تيسٌ . الْبَيْت وَأورد ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على أَبْيَات الْمفصل هَذِه الأبيات الثَّلَاثَة كَذَا ابْن الْأَعرَابِي غير معزوة إِلَى أحد وَقَالَ: هجا الشَّاعِر بِهَذَا الشّعْر مِسْكين بن عَامر الدَّارمِيّ.
وَمَعْنَاهُ: إِنَّك عَالم بِأَن قدرك دون قدري وَأَنَّك لست مِمَّن يسابني وَإِنَّمَا تفعل ذَلِك لتظهر بالمشاتمة أَن هُنَاكَ مماثلة مَعَ علملك بِخِلَافِهِ.
ثمَّ رد فِي عجز الْبَيْت هَذَا الْغَرَض الَّذِي قَصده فَقَالَ: إِنَّمَا أَنْت فِي الضلال تهيم. يَعْنِي: أَن المشاتمة إِنَّمَا يسْتَدلّ بهَا على الْمُمَاثلَة عِنْد تقَارب الشخصين فَأَما عِنْد التباعد فَلَا. فَجعله فِي فعله الَّذِي لَا يتم بِهِ الْغَرَض القصود عِنْد الْعُقَلَاء كركوبه التعاسيف الَّتِي تضر وَلَا تنفهع وَلذَلِك قَالَ: تهيم يُقَال: هام على وَجهه إِذا سلك غير الطَّرِيق.
-
وَمَوْضِع استشهاد الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله: الشاتمي فِي صِحَة إِضَافَة مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام إِلَى الْمُضمر الْمُتَّصِل. ومفعول مَا لم يسم فَاعله مُضْمر مستتر يعة د على الشاتمي لِأَنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي يَشْتمنِي.
وَهُوَ وَإِن كَانَ مُخَاطبا إِلَّا أَنه لما وَصفه
[ ١١ / ١٥٨ ]
بالموصول أجْرى الضَّمِير على لفظ الْغَيْبَة كَقَوْلِك: أَنْت الَّذِي ضرب. وَهُوَ أحسن من: أَنْت الَّذِي ضربت. انْتهى.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة حسان فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
فِي قَوْلهم: لَا أُبَالِي قَالَ صَاحب الْمُجْمل: اشْتبهَ عَليّ اشتقاق أُبَالِي حَتَّى قَرَأت فِي سعر ليلى الأخيلية: الطَّوِيل
(تبالي رواياهم هبالة بَعْدَمَا وردن وجول المَاء بالجم يرتمي)
فسروا التبالي بالتبادر إِلَى الاستقاء من قلَّة المَاء. فَلَعَلَّهُ مِنْهُ أَي: لَا أبادر إِلَى اقتنائه وَلَا أَعْتَد بِهِ.
-
وَقَالَ المرزوقي: هُوَ مفاعلة من الْبلَاء أَي: لَا أحتفل بِهِ حَتَّى أَعَادَهُ بلائي وبلاءه وأفخره.
وَحكى سِيبَوَيْهٍ: مَا أباليه بالةً كحالة وَأَصله بالية فذفت ياؤه وَذهب غَيره إِلَى أَنه مقلوب وألفه منقلبة عَن وَاو وَأَصله أباول أَي: أكاثر من قَوْلهم: فلَان كثير الْبَوْل أَي: الْوَلَد.)
وَفِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير: وَيُقَال: مَا باليته وَمَا باليت بِهِ أَي: لم أكترث بِهِ. وَمِنْه الحَدِيث: هَؤُلَاءِ فِي الْجنَّة وَلَا أُبَالِي.
[ ١١ / ١٥٩ ]
حكى الْأَزْهَرِي عَن جمَاعَة من الْعلمَاء أَن مَعْنَاهُ لَا أكره. وَمِنْه حَدِيث ابْن عَبَّاس: مَا أباليه بالة وَأَصله بالية مثل عافاه الله عَافِيَة فحذفوا الْيَاء مِنْهَا تَخْفِيفًا كَمَا حذفوا من لم أبل انْتهى.
فجملة أنب يالحزن تَيْس مُعَلّق عَنْهَا الْعَامِل بالاستفهام. وَهِي إِمَّا فِي مَوضِع الْمَفْعُول المسرح أَو وأنشده بعده: الوافر
(فَإنَّك لَا تبالي بعد حولٍ أظبيٌ كَانَ أمك أم حمَار)
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ وَفِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد السبعمائة.
-
وَأنْشد بعده قَول ابْن سيناء وَهُوَ الشهد التَّاسِع بعد التسْعمائَة: الْبَسِيط
(سيان عِنْدِي إِن يرَوا وَإِن فجروا فَلَيْسَ يجْرِي على أمثالهم قلم)
على أَن قَوْله: سيان عِنْدِي دَلِيل جَوَاب الشَّرْط الَّذِي بعده أَي: إِن بروا وَإِن فجروا فهما سيان.
وَفِي هَذَا التَّرْكِيب تَقْوِيَة لقَولهم: سَوَاء أَقمت أم قعدت وَقَوْلهمْ: لَا أُبَالِي أَقمت أم قعدت فِي تَقْدِير الشَّرْط وَدَلِيل الْجَواب. وَالْمعْنَى: إِن قُمْت أَو قعدت فالأمران سَوَاء وَإِن قُمْت أَو قعدت فَلَا أُبَالِي بهما.
[ ١١ / ١٦٠ ]
وَلَا يخفي أنم كَلَام ابْن سيناء كَمَا لَا يَصح الاستشهاد بِهِ لَا يَصح التقوية بِهِ. على أَنه لَا يلْزم من كَون شييئن متفقين معنى اتِّفَاقهمَا إعرابًا.
وَكَأن الشَّارِح الْمُحَقق لم يستحضر قَول الفرزدق: الْبَسِيط وَلَو استحضره مَا عدل عَنهُ.
وَهُوَ بَيت من قصيدة مَشْهُورَة مدح بهَا الإِمَام زين العابدين ابْن الإِمَام الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃.
روى السَّيِّد الْأَجَل علم الْهدى المرتضى فِي أَمَالِيهِ: أَن هِشَام بن عبد الْملك حج فِي خلَافَة عبد الْملك أَو الْوَلِيد فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَ أَن يسْتَلم الْحجر فَلم يقدر عَلَيْهِ من الزحام فنصب لَهُ)
مِنْبَر فَجَلَسَ عَلَيْهِ وأطاف بِهِ أهل الشَّام.
فَبينا كَذَلِك إِذا أقبل زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن وَعَلِيهِ إِزَار ورداء أحسن النَّاس وَجها وأطيبهم رَائِحَة فَجعل يطوف بِالْبَيْتِ وَلما بلغ إِلَى مَوضِع
الْحجر الْأسود تنحى النَّاس عَنهُ حَتَّى يستلمه هَيْبَة مِنْهُ وإجلالًا لَهُ فغاظ ذَلِك هشامًا فَقَالَ رجل من أهل الشَّام: من هَذَا الَّذِي هابه النَّاس فَقَالَ هِشَام: لَا أعرفهُ لِئَلَّا يرغب فِيهِ أهل الشَّام.
فَقَالَ الفرزدق وَكَانَ حَاضرا: أَنا أعرفهُ. قَالَ الشَّامي: من هُوَ يَا أَبَا فراس فَقَالَ مرتجلًا: الْبَسِيط.
(هَذَا ابْن خير عباد الله كلهم هَذَا التقى النقي الطَّاهِر الْعلم)
(هَذَا الَّذِي تعرف الْبَطْحَاء وطأته وَالْبَيْت يعرفهُ والحل وَالْحرم)
[ ١١ / ١٦١ ]
(يكَاد يمسِكهُ عرفان رَاحَته ركن الْحطيم إِذا مَا جَاءَ يسْتَلم)
(يغضي حَيَاء ويغضي من مهابته فَمَا يكلم إِلَّا حِين يبتسم)
(مشتقةٌ من رَسُول الله نبعته طابت عناصره والخيم والشيم)
(الله شرفه قدمًا وفضله جرى بِذَاكَ لَهُ فِي لوحة الْقَلَم)
(ينشق ثوب الدجى عَن نور غرته كَالشَّمْسِ ينجاب عَن إشارقها القتم)
(سهل الخليقة لَا تخشى بوادره يزينه اثْنَان: حسن الْخلق وَالْكَرم
)
(مَا قَالَ لَا قطّ إِلَّا فِي تشهده لَوْلَا التَّشَهُّد لم ينْطق بِذَاكَ فَم)
(من معشرٍ حبهم دينٌ ويغضهم كفرٌ وقربهم منجى ومعتصم)
(مقدمٌ بعد ذكر الله ذكرهم فِي كل بَدْء ومختومٍ بِهِ الْكَلم)
(إِن عد أهل التقى كَانُوا أئمتهم أَو قيل خير من أهل الأَرْض قيل هم)
(لَا يَسْتَطِيع جدوادٌ بعد غايتهم وَلَا يدانيهم قومٌ وَإِن كرموا)
(لَا ينقص الْعسر بسطًا من أكفهم سيان ذَلِك إِن اثروا وَإِن عدموا)
(هَذَا ابْن فاطمةٍ إِن كنت جاهله بجده أَنْبيَاء الله قد ختموا)
(فَلَيْسَ قَوْلك من الله بضائره الْعَرَب تعرف من أنْكرت والعجم)
وَهِي أَكثر مِمَّا كتبته. قَالَ: فَغَضب هِشَام وَأمر بِحَبْس الفرزدق بعسفان
[ ١١ / ١٦٢ ]
بَين مَكَّة وَالْمَدينَة بلغ ذَلِك زين العابدين فَبعث إِلَيْهِ بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم وَقَالَ: أعذر يَا أَبَا فراس لَو كَانَ عندنَا)
هُنَا أَكثر مِنْهَا لوصلناك بهَا.
فَردهَا القرزدق وَقَالَ: يَا ابْن رَسُول اله كَمَا قلت الَّذِي قلته إِلَّا محبَّة فِي الله وَرَسُوله لَا طَمَعا فِي شَيْء.
فَردهَا إِلَيْهِ زين العابدين وَأقسم عَلَيْهِ بقبولها وَقَالَ لَهُ: قد رأى الله مَكَانك وَعلم نيتك وشكر لَك وَنحن أهل بيتٍ إِذا أنفذنا شَيْئا لم نرْجِع فِيهِ فقبلها وهجا هشامًا وَهُوَ فِي الْحَبْس فمما هجاه بِهِ قَوْله: الطَّوِيل
(
ويحسبني بَين الْمَدِينَة وَالَّتِي إِلَيْهَا رِقَاب الْقَوْم يهوي منيبها)
(يقلب رَأْسا لم يكن رَأس سيدٍ وعينًا لَهُ حولاء بادٍ عيوبها)
وكتبت هَذِه الأبيات رَغْبَة فِي الثَّوَاب وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
وَأما بَيت ابْن سيناء فَهُوَ من قصيدة طَوِيلَة مطْلعهَا:
(يَا ربع نكرك الْأَحْدَاث والقدم فَصَارَ عَيْنك كالآثار تتهم)
(كَأَنَّمَا رسمك السِّرّ الَّذِي لَهُم عِنْدِي ونؤيك صبري الدارس الْهَرم)
(أَلا بكاه سحابٌ دمعه همعٌ بالرعد مزدفر بالبرق مبتسم)
[ ١١ / ١٦٣ ]
(لم لَا يجود سحابٌ جوده ديمٌ من الدُّمُوع والهوامي كُلهنَّ دم)
(لَيْت الطول أجابت من بِهِ أبدا فِي حبهم صحةٌ فِي حبهم سقم)
(أَو علها بِلِسَان الْحَال ناطقةٌ قد يفهم الْحَال مَا لَا يفهم الْكَلم)
(مَالِي أرى حكم الْأَفْعَال سَاقِطَة وأسمع الدَّهْر قولا كُله حكم)
(مَالِي أرى فضلا يستهان بِهِ قد أكْرم النَّقْص لما استنقص الْكَرم)
(جولت فِي هَذِه الدُّنْيَا وزخرفها عَيْني فَمَا لقِيت دَارا بهَا أرم
)
(الواجدون غنى العادمون نهى لَيْسَ الَّذِي وجدوا مثل الَّذِي عدموا)
(لَيْسُوا وَإِن نعموا عَيْشًا سوى نعمٍ وَرُبمَا نعمت فِي عيشها النعم)
(كجيفةٍ دودت فالدود منشؤه فِيهَا وَمِنْهَا لَهُ الأذراء والطعم)
(سيان عِنْدِي إِن بروا وَإِن فجروا فَلَيْسَ يجْرِي على أمثالهم قلم)
(لَا تحسدنهم إِن جد جدهم فالجد يجدي وَلَكِن مَا لَهُ عصم)
(أسكنت بَينهم كالليث فِي أجمٍ رَأَيْت ليثًا لَهُ من جنسه أجم»
(بِأَيّ مأثرةٍ ينقاس بِي أحدٌ بِأَيّ مكرمةٍ تحكيني الْأُمَم)
(قد أشهد الروع مرتاعًا فأكشفه إِذا تناكر تياره البهم)
(الضَّرْب متحتدمٌ والطعن منتظمٌ وَالدَّم مرتكمٌ والبأس مغتلم)
[ ١١ / ١٦٤ ]
(والجو يافوخة من نقعه قترٌ والأفق فسطاطة من سفكهم قتم)
(وَالْبيض والسمر حمرٌ تخت عثيره وَالْمَوْت يحكم والأبطال تختصم)
(وَأَعْدل الْقسم فِي حَرْبِيّ وحربهم مِنْهُم لنا غنمٌ منا لَهُم غرم)
(أما البلاغة فاسألني الْخَبِير بهَا أَنا اللِّسَان قويمًا وَالزَّمَان فَم)
(لَا يعلم الْعلم غَيْرِي معلما علما لأَهله أَنا ذَاك الْعَالم الْعلم)
(كَانَت فتاة عُلُوم الْحق عاطلةً حَتَّى جلاها بشرحي الْفَهم والقلم)
وَهِي طَوِيلَة وَلَكِن يَكْفِي من القلادة مَا أحَاط بالعنق.
وَابْن سينا هُوَ الرئيس أَبُو عَليّ واسْمه الْحُسَيْن بن عبد الله بن سينا الْحَكِيم الْمَشْهُور. وَكَانَ أَبوهُ من أهل بَلخ وانتقل مِنْهَا إِلَى بُخَارى وَكَانَ من
الْعمَّال والكفاءة وَتَوَلَّى الْعَمَل بقريةٍ من ضيَاع بُخَارى يُقَال لَهَا: خرميثن من أُمَّهَات قراها وَبهَا ولد الرئيس فِي سنة سبعين وثلثمائة فِي شهر صفر. وَتُوفِّي بهمذان فِي يَوْم الْجُمُعَة من شهر رَمَضَان وَمن سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَدفن بهَا.
وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي تَارِيخه الْكَبِير: بأصبهان وَالْأول أشهر. ثمَّ انْتقل أَبوهُ إِلَى بُخَارى. وانتقل الرئيس فِي الْبِلَاد. واشتغل بالعلوم وَحصل الْفُنُون.
وَلما بلغ عشر سِنِين كَانَ قد أتقن علم الْقُرْآن الْعَزِيز وَالْأَدب وَحفظ أَشْيَاء من أصُول الدَّين وحساب الهندسة والجبر والمقابلة.
ثمَّ توجه الْحَكِيم أَبُو عبد اله الناتلي فأنزله أَبُو الرئيس عِنْده فَقَرَأَ عَلَيْهِ الرئيس إيساغوجي وَأحكم عَلَيْهِ علم
[ ١١ / ١٦٥ ]
علم الْمنطق وأقليدس والمجسطي وفاقه حَتَّى أوضح لَهُ رموزًا وفهمه إشكالات لم يكن الناتلي يدريها وَكَانَ مَعَ ذَلِك يخْتَلف فِي الْفِقْه إِلَى إِسْمَاعِيل الزَّاهِد ويبحث ويناظر.
وَلما توجه الناتلي نَحْو خوارزمشاه اشْتغل أبوعلي بتحصيل الْعُلُوم الطبيعي والإلهي
وَغير ذَلِك وَفتح الله عَلَيْهِ أَبْوَاب الْعُلُوم ثمَّ رغب بعد ذَلِك فِي علم الطِّبّ وعالج تأدبًا لَا تكسبًا حَتَّى)
فاق الْأَوَائِل والأواخر فِي أقل مُدَّة.
وَاخْتلف إِلَيْهِ فضلاء هَذَا الْفَنّ يقرؤون عَلَيْهِ أَنْوَاعه وسنه إِذْ ذَاك سِتّ عشرَة سنة وَفِي مُدَّة اشْتِغَاله لم ينم ليلةٌ وَاحِدَة بكمالها وَلَا اشْتغل فِي النَّهَار بسوى المطالعة وَكَانَ إِذا أشكلت عَلَيْهِ مَسْأَلَة توضا وَقصد الْمَسْجِد الْجَامِع وَصلى ودعا الله أَن يسهلها وَيفتح لَهُ مغلقها.
وَذكر عِنْد الْأَمِير نوح بن نصر الساماني فِي مرض مَرضه فَأحْضرهُ وعالجه حَتَّى برأَ واتصل بِهِ وَقرب مِنْهُ وَدخل إِلَى دَار كتبه وَكَانَ فِيهَا من كل فن مِمَّا لَا يُوجد فِي سواهَا وَلَا سمع باسمه فظفر أَبُو عَليّ بعلوم الْأَوَائِل.
وَاتفقَ
[ ١١ / ١٦٦ ]
بعد ذَلِك احتراق تِلْكَ الخزانة فتفرد أَبُو عَليّ بِمَا حصله. وَلم يستكمل ثَمَانِي عشرَة سنة من عمره إِلَّا وَقد فرغ من تَحْصِيل الْعُلُوم بأسرها الَّتِي عاناها. وَتُوفِّي أَبوهُ وَسن أبي عَليّ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ هُوَ وَأَبوهُ فِي الْأَعْمَال السُّلْطَانِيَّة.
وَلما اضْطَرَبَتْ أَحْوَال السامانية خرج أَبُو عَليّ إِلَى كركانج وَهِي قَصَبَة خوارزم وَاخْتلف إِلَى خوارزمشاه وَكَانَ أَبُو عَليّ على زِيّ الْفُقَهَاء ويلبس الطيلسان فقرر لَهُ فِي كل شهر مَا يقوم بِهِ.
ثمَّ انْتقل إِلَى نسا وأبيورد وطوس وَغَيرهَا ثمَّ إِلَى قزوين وَتَوَلَّى الوزارة لشمس الدولة. ثمَّ تشوش الْعَسْكَر عَلَيْهِ فَأَغَارُوا على دَاره فنبهوها وقبضوا عَلَيْهِ وسألوا شمس الدولة قَتله فَامْتنعَ ثمَّ أطلق فتوارى.
ثمَّ مرض شمس الدولة بالقولنج فَأحْضرهُ لمداواته وَاعْتذر إِلَيْهِ وَأَعَادَهُ وزيرًا.
ثمَّ مَاتَ شمس الدولة وَتَوَلَّى تَاج الدولة فَلم يستوزره فَتوجه إِلَى أَصْبَهَان وَبهَا عَلَاء الدَّين أَبُو جَعْفَر بن كاكويه وَكَانَ أَبُو عَليّ قوي المزاج وتغلب عَلَيْهِ قُوَّة النِّكَاح حَتَّى أنهكته وَعرض لَهُ قولنج فحقن نَفسه فِي يومٍ وَاحِد ثَمَانِي مَرَّات فقرح بعض أمعائه وَظهر لَهُ سحج.
وَاتفقَ سَفَره مَعَ عَلَاء الدولة فَعرض لَهُ الصرع عقيب القولنج فَأمر
[ ١١ / ١٦٧ ]
بِأخذ دانقين من كرفس فِي جملَة مَا يحقن بِهِ فَجعل الطَّبِيب الَّذِي يعالجه فِيهِ خمس دَرَاهِم فازداد السحج بِهِ من حِدة الكرفس وَطرح بعض غلمانه فِي أدويته شَيْئا كثيرا من الأفيون وَكَانَ سَببه أَن غلمانه خانوه فِي شَيْء من مَاله فخافوا عَاقِبَة أمره عِنْد برئه.
وَكَانَ يصلح أسبوعًا ويمرض أسبوعًا وَلَا يحتمي ويجامع حَتَّى قصد عَلَاء الدولة بهمذان)
فَلَمَّا وصل إِلَى همذان ضعف جدا وأشرفت قوته على السُّقُوط فأهمل المداوة وَقَالَ: الْمُدبر الَّذِي فِي بدني قد عجز فَلَا تنفعني المعالجة.
ثمَّ اغْتسل وَتَابَ وَتصدق بِمَا مَعَه على الْفُقَرَاء ورد الْمَظَالِم على من عرفه وَأعْتق مماليكه وَجعل يخْتم فِي كل ثَلَاثَة أيامٍ ختمةً إِلَى أَن مَاتَ فِي ذَلِك التَّارِيخ.
وصنف كتاب الشِّفَاء فِي الْحِكْمَة والنجاة والإشارات والقانون وَغير ذَلِك مَا يُقَارب مائَة مُصَنف فِي فنون شَتَّى. وَله رسائل بديعة وَهُوَ أحد فلاسفة الْإِسْلَام وَله شعر جيد باللسانين وَمِنْه قصيدته فِي النَّفس ومطلعها: الْكَامِل
وَلها شُرُوح أحْسنهَا الْحَكِيم أفضل الْحُكَمَاء: دَاوُد الضَّرِير الْأَنْطَاكِي.
[ ١١ / ١٦٨ ]
وَأنْشد يعده