الطَّوِيل
(تلم بدارٍ قد تقادم عهدها وَإِمَّا بأموات ألم خيالها)
على أَن إِمَّا قد تَجِيء بالشعر غير مسبوقة بِمِثْلِهَا فتقدر كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت الَّذِي أنْشدهُ الْفراء وَالتَّقْدِير: تلم إِمَّا بدار وَإِمَّا بأموات.
كَذَا قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر.
[ ١١ / ٧٦ ]
-
وَلم ينشده الْفراء لهَذَا بل جعل إِمَّا الثَّانِيَة نائبة عَن أَو وَلَا حذف فِي الْكَلَام وَهَذَا نَصه نَقَلْنَاهُ برمتِهِ لِكَثْرَة فَوَائده قَالَ عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون نَحن الملقين: أَدخل فَإِن قلت: إِن أَو فِي الْمَعْنى بِمَنْزِلَة إِمَّا وَإِمَّا فَهَل يجوز أَن تَقول: يَا زيد أَن تقوم أَو تقعد تُرِيدُ اختر أَن تقوم أَو تقعد قلت: لَا يجوز ذَلِك لِأَن أول الاسمين فِي أَو يكون خَبرا يجوز السُّكُوت عَلَيْهِ ثمَّ تستدرك الشَّك فِي الِاسْم الآخر فتمضي الْكَلَام على الْخَبَر أَلا ترى أَنَّك تَقول: قَامَ أَخُوك وتسكت. وَإِن بدا لَك قلت: أَو أَبوك. فأدخلت الشَّك وَالِاسْم الأول مكتفٍ يصلح السُّكُوت عَلَيْهِ. وَلَيْسَ يجوز أَن تَقول: ضربت إِمَّا عبد الله وتسكت.
فَلَمَّا آذَنت إِمَّا بالتخيير من أول الْكَلَام أحدثت لَهَا أَن. وَلَو وَقعت إِمَّا وَإِمَّا مَعَ فعلين قد وصلا باسم معرفَة أَو نكرَة وَلم يصلح الْأَمر بالتخيير فِي مَوضِع إِمَّا لم يحدث فِيهَا أَن كَقَوْلِه تَعَالَى: وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم.
وَلَو جعلت أَن فِي مَذْهَب كي وصيرتها لمرجون تُرِيدُ: أرجئوا لِأَن يعذبوا أَو يُتَاب عَلَيْهِم)
صلح ذَلِك فِي كل فعل تَامّ وَلَا يصلح فِي كَانَ وَأَخَوَاتهَا وَلَا فِي ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا.
من ذَلِك أَن تَقول: آتِيك إِمَّا أَن تُعْطِي وَإِمَّا أَن تمنع. وَخطأ أَن تَقول: أَظُنك إِمَّا أَن تُعْطِي وَإِمَّا تمنع وَلَا أَصبَحت إِمَّا أَن تُعْطِي وَإِمَّا أَن تمنع.
وَلَا تدخل أَو على إِمَّا وَلَا إِنَّا على أَو. وَرُبمَا فعلت الْعَرَب ذَلِك لتآخيهما
[ ١١ / ٧٧ ]
فِي الْمَعْنى على التَّوَهُّم فَيَقُولُونَ: عبد الله إِمَّا جَالس أَو ناهض.
-
وَيَقُولُونَ: عبد الله يقوم وَإِمَّا يقْعد. وَفِي قِرَاءَة أبي: وَإِنَّا أَو إيَّاكُمْ لإما على هدى أَو فِي ضلالٍ فَوضع أَو فِي مَوْضُوع إِمَّا.
وَقَالَ الشَّاعِر: الطَّوِيل
(فَقلت لَهُنَّ امشين إِمَّا نلاقه كَمَا قَالَ أَو نشف النُّفُوس فنعذرا)
وَقَالَ آخر: الطَّوِيل
(فَكيف بِنَفس كلما قلت أشرفت على الْبُرْء من دهماء هيض اندمالها)
(تهاض بدارٍ قد تقادم عهدها وَإِمَّا بأمواتٍ ألم خيالها)
فَوضع إِمَّا فِي مَوضِع أَو. وَهُوَ على التَّوَهُّم إِذا طَالَتْ الْكَلِمَة بعض الطول أَو فرقت بَينهمَا بِشَيْء هُنَالك يجوز التَّوَهُّم كَمَا تَقول: أَنْت ضَارب زيد ظَالِما وأخاه حِين فرقت بَينهمَا بظالم جَازَ نصب الْأَخ وَمَا قبله مخفوض. انْتهى كَلَام الْفراء.
فَجعل إِمَّا نائبة عَن أَو لَا أَن مثلهَا مَحْذُوف من أول الْكَلَام.
وَمَا قَالَه غَيره أَجود لِأَنَّهُ حمل على الْكثير الشَّائِع.
وَخص ابْن عُصْفُور حذفهَا بالشعر كَأبي عَليّ وَالشَّارِح الْمُحَقق. ونسبهما أَبُو عَليّ إِلَى الفرزدق وَهُوَ الصَّحِيح.
وَقَالَ الْمرَادِي فِي شرح التسهيل والعيني: هما لذِي الرمة. وَلم أرهما فِي ديوانه.
وَقَوله: فَكيف بنفسٍ أَي: كَيفَ نأمل بِصِحَّة نفس هَذِه صفتهَا. وَقيل: الْبَاء زَائِدَة وَنَفس: مُبْتَدأ وَكَيف: خَبره. وأشرفت: أَقبلت. والْبُرْء بِالضَّمِّ:
[ ١١ / ٧٨ ]
الْخَلَاص من الْمَرَض.
-
وَقَوله: من دهماء: أَي: من مرض حبها فَفِيهِ حذف مضافين أَو من تعليلية فَلَا حذف. ودهماء: اسْم امْرَأَة.
وروى الْعَيْنِيّ بدله: حوصاء بِالْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ وَقَالَ: وفعلاء من الحوص بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ)
ضيق فِي مُؤخر الْعين. وهيض: مَجْهُول هاض الْعظم يهيضه هيضًا إِذا كَسره بعد الْجَبْر.
وَقَوله: اندمالها أَي: اندمال جرحها وَالضَّمِير للنَّفس. والاندمال تراجع الْجرْح إِلَى الْبُرْء.
يُرِيد: كلما قَارب الْجرْح إِلَى الالتحام أُصِيب بشيءٍ فدمي فَصَارَ جرحا كَالْأولِ أَو أَشد.
وَقَوله: تهاض بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة وَالضَّمِير لتِلْك النَّفس أَي: يَتَجَدَّد جرحها. وَالْبَاء فِي قَوْله بدار وأموات سَبَبِيَّة. وَجعلهَا الْعَيْنِيّ ظرفية وَقدر لمجرورها صفة وَقَالَ: أَي: فِي دارٍ تخرب. وَهَذَا لَا حَاجَة إِلَيْهِ وَجُمْلَة قد تقادم: صفة دَار.
وَفِي الْمِصْبَاح: قدم الشَّيْء قدمًا كعنب: خلاف حدث فَهُوَ قديم. وعيبٌ قديم أَي: سَابق زَمَانه مُتَقَدم الْوُقُوع على وقته. والعهد قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح يُقَال: هُوَ قريب الْعَهْد بِكَذَا أَي: قريب الْعلم وَالْحَال. وَالْأَمر كَمَا عهِدت أَي كَمَا عرفت.
وَقَوله: وَإِمَّا بأموات قَالَ الْعَيْنِيّ: أَي: بِمَوْت أموات. وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ كَمَا لَا يخفى. وألم قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: ألم الشَّيْء إلمامًا أَي: قرب.
وَفِي الصِّحَاح: الْإِلْمَام: النُّزُول وَقد ألم بِهِ أَي: نزل بِهِ وَغُلَام ملم: قَارب الْبلُوغ.
-
وَفِي الحَدِيث: وَإِن مِمَّا ينْبت الرّبيع مَا يقتل حَبطًا أَو يلم أَي: يقرب من ذَلِك. انْتهى.
فَيكون التَّقْدِير: ألم خيالها بِنَا. وَالْجُمْلَة صفة أموات والخيال بِالْفَتْح: صُورَة الشَّيْء فِي الذِّهْن.
وروى أَيْضا: تلم بدار كَمَا فِي الشَّرْح وَغَيره وَهُوَ من الْإِلْمَام وَقد ذَكرْنَاهُ وفاعله ضمير النَّفس.
[ ١١ / ٧٩ ]
وَهَذَا الْبَيْت بَيَان لسَبَب عدم برْء النَّفس.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده