(لَعَلَّ الله يمكنني عَلَيْهَا جهارًا من زُهَيْر أَو أسيد)
على أَنه تتعذر هُنَا تِلْكَ التخريجات الْمُتَقَدّمَة فِي الْبَيْت قبله. فَيتَعَيَّن كَون لَعَلَّ فِيهِ حرف جر وَلَفظ الْجَلالَة مجرورًا بِهِ.
وَلَا يَصح أَن يَدعِي أَن الأَصْل لعًا لله وَهُوَ ظَاهر تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا.
وَلَا يُمكن أَن يُقَال تَقْدِيره: لَعَلَّه لله يمكنني بِتَقْدِير ضمير الشَّأْن وجر الْجَلالَة إِمَّا بلام مقدرَة كَمَا قَالَ ابْن عُصْفُور وَإِمَّا بِاللَّامِ المدغمة فِي لَام لَعَلَّ المخففة كَمَا قَالَ أَبُو عَليّ سَوَاء كَانَت لَام لَعَلَّ مَكْسُورَة أم مَفْتُوحَة فِي لَعَلَّ الله فَإِن ذَلِك لَا وَجه لَهُ لَا معنى وَلَا صناعَة.
-
أما الأول فَظَاهر. وَأما الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يكون لله خير ضمير الشَّأْن لِأَنَّهُ لَيْسَ بجملة إِذْ لم يَقع خبر الْمُبْتَدَأ.
فَإِن قلت: قدر لَهُ مُبْتَدأ نَحْو: الْقُدْرَة لله. قُلْنَا: يجب التَّصْرِيح بجزأي الْجُمْلَة الْوَاقِعَة خَبرا لضمير الشَّأْن وَلَا يجوز حذف أَحدهمَا.
فَإِن قلت: قدره مَعَ مُتَعَلّقه جملَة. قُلْنَا: فَاعله مَجْهُول وَلَا يَصح أَن يكون يمكنني خَبره لِأَنَّهُ يبْقى لله غير مُتَعَلق بِشَيْء إِذا لَا معنى لتَعَلُّقه بِهِ.
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
وَالْعجب من أبي عَليّ فِي تجويزه الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْمسَائِل البصرية قَالَ: أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: زعم يُونُس أَن نَاسا من الْعَرَب يفتحون اللَّام الَّتِي فِي مَكَان كي.
وَزعم خلف الْأَحْمَر أَنَّهَا لُغَة لبني العنبر. وَقد سَمِعت أَنا ذَلِك من الْعَرَب. وَذَلِكَ أَن أَصْلهَا الْفَتْح وَكسرت فِي الْإِضَافَة للفصل بَينهَا وَبَين لَام الِابْتِدَاء. وأحفظ فِي كتاب أبي الْحسن:
(تواعدوني ربيعَة كل يَوْم لأهلكها وأقتني الدجاجا)
لَعَلَّ الله يمكنني عَلَيْهَا الْبَيْت قَالَ أَبُو عَليّ: يكون هَذَا على إِضْمَار الحَدِيث فِي لَعَلَّ مُخَفّفَة كإضماره فِي إِن وأضمر مُبْتَدأ والظرف فِي مَوضِع الْخَبَر ويمكنني: حَال كَأَنَّهُ قَالَ: لَعَلَّ الْقِصَّة الْأَمر لله مُمكنا لي.
وَإِن شِئْت جعلت يمكنني فِي مَوضِع خبر لَعَلَّ وأضمرت الحَدِيث كَأَنَّهُ قيل: لَعَلَّه يمكنني الْأَمر لله أَي: لقُوَّة الله. هَذَا كَلَامه.
وَنَقله ابْن السَّيِّد فِي كتاب أَبْيَات الْمعَانِي وَلم يتعقبه بِشَيْء. وَفِيه نظر من وُجُوه:)
أما أَولا: فَلِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة لذكر فتح لَام كي هُنَا فَإِن اللَّام الَّتِي ادَّعَاهَا دَاخِلَة على الِاسْم الصَّرِيح لَا على الْفِعْل.
-
وَأما ثَانِيًا: فَلِأَنَّهُ لَا يجوز حذف أحد جزأي الْجُمْلَة كَمَا تقدم.
وَأما ثَالِثا: فَلِأَنَّهُ قدر ليمكنني فَاعِلا وَهَذَا لَيْسَ من الْمَوَاضِع الَّتِي يحذف
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
فِيهَا. وَإِن أَرَادَ أَنه تَفْسِير الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي يمكنني الْعَائِد إِلَى ضمير الشَّأْن فَفِيهِ أَن شَرط ضمير الشَّأْن أَن لَا يعود إِلَيْهِ ضمير من جملَة خَبره.
وَأما رَابِعا: فَلِأَنَّهُ قدر مُضَافا بعد اللَّام وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ.
ثمَّ قَالَ بعد هَذَا: فَإِن قلت فَهَل يجوز فِي لَعَلَّ فِيمَن خفف أَن يدخلهَا على الْفِعْل بِلَا شريطة إِضْمَار الْقِصَّة كَمَا جَازَ ذَلِك فِي إِن إِذا خففت أَن تدخل على الْفِعْل نَحْو: إِن كَاد ليضلنا قلت: يَنْبَغِي عِنْدِي أَن يبعد إِدْخَال لَعَلَّ على الْفِعْل.
أَلا ترى أَن إِن لَا معنى فِيهَا إِلَّا التَّأْكِيد وَمَعَ ذَلِك فقد أعملت مُخَفّفَة فِي الِاسْم وَنصب بهَا.
وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَت لَعَلَّ أشبه بِالْفِعْلِ للمعنى الَّذِي لَهَا وَجب أَن لَا تكون إِذا خففت إِلَّا على شريطة الْإِضْمَار إِذا أدخلت على الْفِعْل. ويؤكد ذَلِك أَن الْمَفْتُوحَة المخففة.
أَلا ترى أَنَّهَا لَا تخفف إِلَّا على إِضْمَار الْقِصَّة والْحَدِيث. وَكَذَلِكَ كَأَن فِي قَوْله: كَأَن ثدياه حقان على أَن كَأَن إِنَّمَا هِيَ أَن أدخلت الْكَاف عَلَيْهَا. فَإِذا لم تكن إِن إِلَّا على شريطة إِضْمَار فِيهَا وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن قَوْله: لَعَلَّ أبي المغوار وَلَعَلَّ الله يمكنني إِلَّا على إِضْمَار الْقِصَّة والْحَدِيث وَمَا بعده فِي مَوضِع الْخَبَر. هَذَا كَلَامه.
وبناؤه على غير أساس فَإِنَّهُ لم يثبت تَخْفيف لَعَلَّ فِي مَوضِع وَإِنَّمَا كَلَامه هَذَا بِمُجَرَّد توهم تخفيفها. وَالله أعلم.
وَالْبَيْت من قصيدة لخَالِد بن جَعْفَر. وَهَذِه أَبْيَات من أَولهَا
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
:
(أريغوني إراغتكم فَإِنِّي وحذفة كالشجا تَحت الوريد)
(لَعَلَّ الله يقدرني عَلَيْهَا جهارًا من زُهَيْر أَو أسيد)
الإراغة بالراء الْمُهْملَة والغين الْمُعْجَمَة: الطّلب.
فِي الصِّحَاح: أريغوني إراغتكم أَي: اطلبوني طلبتكم. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وحذفة بِضَم الْحَاء)
الْمُهْملَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة بعْدهَا فَاء: اسْم فرس الشَّاعِر وَهُوَ جَعْفَر بن خَالِد.
والشجا بِفَتْح الشين وَالْجِيم: مَا ينشب فِي الْحلق من عظم أَو غَيره. شبه نَفسه بالشجا.
ومقربة: مفعول: أريغوني. والمقرب من الْخَيل على اسْم الْمَفْعُول من الإقراب والتقريب: الَّذِي يدنى وَيكرم وَالْأُنْثَى مقربة وَلَا تتْرك أَن ترود.
قَالَ ابْن دُرَيْد: إِنَّمَا يفعل ذَلِك بالإناث لِئَلَّا يقرعها فَحل لئيم. والإلحاف التغطية. والجليد: الصقيع يُرِيد: فِي شدَّة الْبرد.
وَزُهَيْر هُوَ ابْن جذيمة بن رَوَاحَة الْعَبْسِي. وَأسيد هُوَ أَخُو زُهَيْر وَهُوَ بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين. وَضمير عَلَيْهَا رَاجع إِلَى مقربة.
وَسبب الشّعْر هُوَ مَا رَوَاهُ صَاحب الأغاني وَالسَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ قَالَا: إِن هوَازن لَا ترى زُهَيْر بن جذيمة إِلَّا رَبًّا وهوازن يَوْمئِذٍ لَا خير فِيهَا وَلم
تكْثر
[ ١٠ / ٤٤١ ]
عَامر بن صعصعة بعد فهم أذلّ من يَد فِي رحم إِنَّمَا هم رعاء الشَّاء فِي الْجبَال وَكَانَ زُهَيْر يعشرهم فَكَانَ إِذا كَانَ سوق فَجَاءَت عَجُوز من هوَازن بِسمن فِي نحي واعتذرت إِلَيْهِ وَشَكتْ السنين الَّتِي تَتَابَعَت على النَّاس فذاقه فَلم يرض طعمه فَدَفعهَا بقوس كَانَت فِي يَده فَسَقَطت فبدت عورتها فَغضِبت من ذَلِك هوَازن وحقدته إِلَى مَا كَانَ فِي صدرها من الغيظ وَكَانَت قد كثرت عَامر.
فآلى خَالِد بن جَعْفَر فَقَالَ: وَالله لأجعلن ذراعي وَرَاء عُنُقه حَتَّى أقتل أَو أقتل. وَفِي ذَلِك قَالَ هَذَا الشّعْر.
وَاتفقَ نزُول زُهَيْر بِالْقربِ من أَرض بني عَامر وَكَانَت تماضر بنت عَمْرو بن الشريد امْرَأَة زُهَيْر بن جذيمة وَأم وَلَده فَمر بِهِ أَخُوهَا الْحَارِث بن عَمْرو فَقَالَ زُهَيْر لِبَنِيهِ: إِن الْحمار طَلِيعَة عَلَيْكُم فَأَوْثقُوهُ. فَقَالَت أُخْته لبنيها: أيزوركم خالكم فتوثقونه ثمَّ حلبوا لَهُ وطبًا من لبن وَأخذُوا مِنْهُ يَمِينا أَن لَا يخبر عَنْهُم فَخرج حَتَّى أَتَى بني عَامر فَأخْبرهُم فَركب خَالِد بن جَعْفَر وحندج
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
بن الْبكاء وَمُعَاوِيَة بن عبَادَة
وَثَلَاثَة من فوارس بني عَامر وَاقْتَصُّوا فَرَأَوْا إبل بني جذيمة فنزلوا عَن الْخَيل فَقَالَت النِّسَاء: إِنَّا لنرى غابة رماح بمَكَان كُنَّا نرى بِهِ شَيْئا. ثمَّ جَاءَت الرعاء فخبرت بهم وأتى أسيد أَخَاهُ زهيرًا فَأخْبرهُ بالْخبر وَقَالَ: قد رَأَتْ راعيتي خيل بني عَامر ورماحها.
فَقَالَ زُهَيْر: كل أزب نفور فَذَهَبت مثلا. وَكَانَ أسيد كثير الشّعْر. قَالَ: فَتحمل عَامَّة بني رَوَاحَة وَحلف زُهَيْر لَا يبرح مَكَانَهُ حَتَّى يصبح. وَتحمل من كَانَ مَعَه غير ابنيه: وَرْقَاء)
والْحَارث. فَلم يشْعر إِلَّا وَالْخَيْل أحاطت بِهِ. قَالَ زُهَيْر وظنهم أهل الْيمن: يَا أسيد مَا هَؤُلَاءِ قَالَ: هم الْقَوْم الَّذين تغْضب فِي شَأْنهمْ مُنْذُ اللَّيْلَة.
قَالَ: وَركب أسيد فرسه وَنَجَا ووثب زُهَيْر على فرسه القعساء وَكَانَت متمردة فَلحقه خَالِد رَاكِبًا فرسه حذفة وَهُوَ يَقُول: لَا نجوت إِن نجا زُهَيْر فاعتنق خَالِد زهيرًا وخرا عَن فرسيهما وَوَقع خَالِد فَوق زُهَيْر واستغاث ببنيه فَأقبل إِلَيْهِ وَرْقَاء بن زُهَيْر فَضرب خَالِدا ثَلَاث ضربات فَلم يغن شَيْئا وَكَانَ على خَالِد دِرْعَانِ. ثمَّ ضرب جندج رَأس زُهَيْر فَقتله.
وَفِي ذَلِك يَقُول وَرْقَاء بن زُهَيْر:
(رَأَيْت زهيرًا تَحت كلكل خَالِد فَأَقْبَلت أسعى كالعجول أبادر)
(إِلَى بطلين ينهضان كِلَاهُمَا يُريدَان نصل السَّيْف وَالسيف داثر)
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
(فشلت يَمِيني يَوْم أضْرب خَالِدا ويستره مني الْحَدِيد الْمظَاهر)
(فيا لَيْت أَنِّي قبل ضَرْبَة خَالِد وَيَوْم زُهَيْر لم تلدني تماضر)
وخَالِد فَارس شَاعِر جاهلي وَهُوَ ابْن جَعْفَر بن كلاب بن ربيعَة بن عَامر ابْن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مُضر.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س:
(فَلَو كنت ضبيًا عرفت قَرَابَتي وَلَكِن زنجي عَظِيم المشافر)
على أَنه لَا يجوز حذف أَسمَاء هَذِه الْحُرُوف غير ضمير الشَّأْن إِلَّا فِي الشّعْر على قلَّة وَضعف كَمَا فِي هَذَا الْبَيْت. وَالتَّقْدِير: وَلَكِنَّك زنجي.
فِي الْأُصُول لِابْنِ السراج قَالَ سِيبَوَيْهٍ: النصب أَكثر فِي كَلَام الْعَرَب كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِن زنجيًا عَظِيم المشافر لَا يعرف قَرَابَتي وَلكنه أضمر هَذَا.
قَالَ: وَالنّصب أَجود لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ الْإِضْمَار لخفف ولجعل الْمُضمر مُبْتَدأ كَقَوْلِك: مَا أَنْت صَالحا وَلَكِن طالح. انْتهى.
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
-
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ رفع زنجي على الْخَبَر وَحذف اسْم لَكِن ضَرُورَة. وَالتَّقْدِير: لكنك زنجي. وَالنّصب أَقيس. انْتهى.
وَتَقْيِيد الشَّارِح الْمُحَقق حذف الِاسْم بِالضَّرُورَةِ أَجود من إِطْلَاق ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي قَوْله:)
وَقد يحذف اسْمهَا. وَإِن كَانَت قد تفِيد الْقلَّة.
وَزعم الْخفاف فِي شرح الْجمل أَنه يجوز حذف أَسمَاء هَذِه الْحُرُوف فِي فصيح الْكَلَام إِذا كَانَ فِي الْكَلَام مَا يدل عَلَيْهَا. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَقَوله: أَي: فليتك. إِلَّا إِن كَانَت ضمير شَأْن فَلَا يجوز حذفه إِلَّا فِي الشّعْر. وَرُوِيَ أَيْضا: وَلَكِن زنجيًا بِالنّصب وَالْخَبَر مَحْذُوف. وَتَقْدِيره عِنْد سِيبَوَيْهٍ: لَا يعرف قَرَابَتي.
وَقَالَ ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: زنجيًا غليظ المشافر تشبه فأضمر الْخَبَر. هَذَا نَقله وَهُوَ خلاف الْوَاقِع مَعَ أَن هَذَا التَّقْدِير يَقْتَضِي أَن ونجيًا مفعول تشبه لَا اسْم لَكِن. ثمَّ قَالَ: وَقَالَ الْفراء: غليظ المشافر تَابع سد مسد الْخَبَر. وَقَالَ الْكسَائي: وَلَكِن بك زنجيًا أَي: يشبهك.
انْتهى.
والمشافر: جمع مشفر بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْفَاء وَهُوَ شفة الْبَعِير واستعير هُنَا لشفة الْإِنْسَان لما قصد من بشاعة الْخلقَة.
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
-
وَالْبَيْت للفرزدق فِي هجو رجل من ضبة نَفَاهُ عَن ضبة وَنسبه إِلَى الزنج. وَأما الْقَرَابَة الَّتِي بَينه وَبَينه فَهِيَ أَن الفرزدق من تَمِيم بن مر بن أد بن طانجة وضبة هُوَ ابْن أد بن طانجة.
وَاعْلَم أَن قافية الْبَيْت اشتهرت كَذَا عِنْد النَّحْوِيين وَصَوَابه: وَلَكِن زنجيًا غلاظًا مشافره وَهُوَ من قصيدة هجا بهَا أَيُّوب بن عِيسَى الضَّبِّيّ. وَبعده:
(متت لَهُ بالرحم بيني وَبَينه فَأَلْفَيْته مني بَعيدا أواصره)
(فَسَوف يرى النوبي مَا اكتدحت لَهُ يَدَاهُ إِذا مَا الشّعْر عنت نوافره)
(ستلقي عَلَيْك الخنفساء إِذا فست عَلَيْك من الشّعْر الَّذِي أَنْت حاذره)
(وَتَأْتِي ابْن زب الخنفساء قصيدة تكون لَهُ مني عذَابا يباشره)
وَالسَّبَب فِي هَذَا مَا حَكَاهُ صَاحب الأغاني أَن الفرزدق هجا خَالِدا الْقَسرِي وَذكر الْمُبَارك: النَّهر الَّذِي حفره بواسط فَبَلغهُ ذَلِك فَكتب خَالِد إِلَى مَالك بن الْمُنْذر: أَن احْبِسْ الفرزدق فَإِنَّهُ هجا نهر أَمِير الْمُؤمنِينَ بقوله:
(أهلكت مَال الله فِي غير حَقه على النَّهر المشووم غير الْمُبَارك)
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
فَأرْسل مَالك إِلَى أَيُّوب بن عِيسَى الضَّبِّيّ فَقَالَ: ائْتِنِي بالفرزدق. فَلم يزل يعْمل فِيهِ حَتَّى أَخذه)
-
فَلَمَّا قيل لمَالِك: هَذَا الفرزدق انتفخ وريده غَضبا فَلَمَّا أَدخل عَلَيْهِ قَالَ:
(أَقُول لنَفْسي حِين غصت بريقها أَلا لَيْت شعري مَا لَهَا عِنْد مَالك)
(لَهَا عِنْده أَن يرجع الله روحه إِلَيْهَا وتنجو من عَظِيم المهالك)
فسكن مَالك وَأمر بِهِ إِلَى السجْن فهجا أَيُّوب بن عِيسَى الضَّبِّيّ بِتِلْكَ القصيدة ثمَّ مدح خَالِد بن عبد الله وَمَالك بن الْمُنْذر فَلَمَّا لم يَنْفَعهُ مدحهما مدح هشامًا وَاعْتذر إِلَيْهِ:
(ألكني إِلَى راعي الْبَريَّة وَالَّذِي لَهُ الْعدْل فِي الأَرْض العريضة نورا)
(أينطقها غَيْرِي وأرمى بجرمها وَكَيف ألوم الدَّهْر أَن يتغيرا)
(لَئِن صبرت نَفسِي لقد أمرت بِهِ وَخير عباد الله من كَانَ أصبرا)
(وَكنت ابْن أحذار وَلَو كنت خَائفًا لَكُنْت من العصماء فِي الطود أحذرا)
(وَلَكِن أَتَوْنِي آمنا لَا أَخَافهُم نَهَارا وَكَانَ الله مَا شَاءَ قدرا)
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
ثمَّ إِنَّه مدحه بقصيدة وأشخص بهَا ابْنه إِلَى هِشَام فأعانته القيسية وَقَالُوا: كلما ظهر شَاعِر أَو سيد وثب عَلَيْهِ خَالِد وَكَانَ كتب الفرزدق أبياتًا إِلَى سعيد بن الْوَلِيد بن الأبرش يكلم لَهُ هشامًا وَهِي:
(إِلَى الأبرش الْكَلْبِيّ أسديت حَاجَتي تواكلها حَيا تَمِيم وَوَائِل)
(على حِين أَن زلت بِي النَّعْل زلَّة وأخلف ظَنِّي كل حاف وناعل)
(فدونكما يَا ابْن الْوَلِيد فَقُمْ بهَا قيام امْرِئ فِي قومه غير خامل)
فَكلم هشامًا فَكتب بِتَخْلِيَتِهِ. انْتهى بِاخْتِصَار.
وترجمة الفرزدق تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده:
(إِن من لَام فِي بني أُخْت حسا ن ألمه وأعصه فِي الخطوب)
(إِن من يدْخل الْكَنِيسَة يَوْمًا يلق فِيهَا جآذرًا وظباء)
على أَن ضمير الشَّأْن يجوز حذفه فِي الشّعْر كثيرا بِخِلَاف حذف اسْم هَذِه الْحُرُوف فَإِنَّهُ وَإِن اخْتصَّ حذفه فِي الشّعْر لكنه بِضعْف وَقلة وَذَلِكَ كَمَا
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
فِي الْبَيْتَيْنِ.
وَالتَّقْدِير: إِنَّه من لَام وَإنَّهُ من يدْخل الْكَنِيسَة. وَمن فيهمَا اسْم شَرط جازم وَالْجُمْلَة خبر ضمير الشَّأْن فيهمَا.)
-
وَتقدم الْكَلَام على الْبَيْت الأول فِي الشَّاهِد السَّابِع بعد الأربعمائة وعَلى الْبَيْت الثَّانِي فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده