(تالله رَبك إِن قتلت لمسلمًا وَجَبت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد)
على أَن الْكُوفِيّين استدلوا بِهِ على جَوَاز دُخُول إِن المخففة على غير الْأَفْعَال الناسخة.
وَهَذَا عِنْد الْبَصرِيين شَاذ لِأَن مَذْهَبهم إِذا خففت إِن وأهملت لَا يَليهَا غَالِبا إِلَّا فعل نَاسخ كَمَا قَالَ الشَّارِح. وَلم يُقَيِّدهُ بالماضي كَمَا قَيده ابْن مَالك لِأَن شراحه قَالُوا: لَيْسَ بِصَحِيح لقَوْله تَعَالَى: وَإِن نظنك لمن الْكَاذِبين
وَقَوله تَعَالَى: وَإِن يكَاد الَّذين كفرُوا ليزلقونك بِأَبْصَارِهِمْ.
وَأما الْكُوفِيُّونَ غير الْكسَائي فَلَا يثبتون إِن مُخَفّفَة لَا عاملة وَلَا مُهْملَة وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدهم إِن النافية وَاللَّام بِمَعْنى إِلَّا. وَهِي عِنْد الْكسَائي مُخَفّفَة إِن دخلت على اسْم ونافية إِن دخلت على فعل.
فَقَوله: إِن قتلت لمسلمًا عِنْد جَمِيع الْكُوفِيّين إِن فِيهِ نَافِيَة وَاللَّام بِمَعْنى إِلَّا.
وَعند الْبَصرِيين مُخَفّفَة مُهْملَة وَاللَّام فارقة وَمُسلمًا: مفعول قتلت وَجُمْلَة إِن قتلت لمسلمًا: جَوَاب الْقسم ورَبك: صفة لله وَجُمْلَة وَجَبت إِلَخ اسْتِئْنَاف بياني كَأَنَّهُ قَالَ: مَا شأني فِي قتل مُسلم. وتنوين مُسلم للتعظيم والتهويل. وعقوبة الْمُتَعَمد فَاعل وَجَبت أَي: إِنَّك تعاقب بِمَا يُعَاقب بِهِ من تعمد قتل مُسلم.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: جملَة وَجَبت عَلَيْك جَوَاب شَرط مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: إِنَّك
[ ١٠ / ٣٧٣ ]
إِن قتلت مُسلما وَجَبت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد. هَذَا كَلَامه مَعَ أَنه لم يذكر مَا موقع جملَة إِن قتلت من الْإِعْرَاب.
وَرِوَايَة صدر الْبَيْت عِنْده: شلت يَمِينك إِن قتلت وَعَلِيهِ فالجملة اسْتِئْنَاف لبَيَان سَبَب الدُّعَاء عَلَيْهِ.
قَالَ ثَعْلَب فِي الفصيح فِي بَاب فعلت بِكَسْر الْعين: وَقد شلت يَده تشل وَلَا تشلل يدك أَي: وروى أَيْضا: هبلتك أمك إِن قتلت وثكلتك أمك وهما بِمَعْنى وَمن بَاب فَرح. يُقَال: هبلته أمه أَي: ثكلته ومصدرهما الهبل والثكل بِفتْحَتَيْنِ وَاسم الثَّانِي الثكل كقفل وَهُوَ أَن تفقد الْمَرْأَة وَلَدهَا. ووَجَبت مَعْنَاهُ حقت وَثبتت. وَرُوِيَ أَيْضا: حلت بدل وَجَبت وَهُوَ من الْحُلُول بِمَعْنى)
-
النُّزُول. وَرُوِيَ أَيْضا: إِن قتلت لفارسًا.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي البغداديات: إِن المخففة قد دخلت على الْفِعْل فِي نَحْو: إِن كَانَ ليضلنا وإِن كَانُوا ليقولون.
فَيَقُول الْقَائِل: كَيفَ دخلت على الْفِعْل مُخَفّفَة وامتنعت من الدُّخُول عَلَيْهِ مثقلة فَالْجَوَاب أَنَّهَا امْتنعت من ذَلِك مثقلة لشبهها بِالْفِعْلِ فِي إحداثها الرّفْع وَالنّصب كمل يحدثهما الْفِعْل فَمن حَيْثُ لم يدْخل الْفِعْل على الْفِعْل لم تدخل هِيَ أَيْضا عَلَيْهِ.
وَأَصلهَا أَنَّهَا حرف تَأْكِيد وَإِن كَانَ لَهَا هَذَا الشّبَه الَّذِي ذكرنَا بِالْفِعْلِ. وَإِذا خففت زَالَ شبه
[ ١٠ / ٣٧٤ ]
الْفِعْل عَنْهَا فَلم تمْتَنع من الدُّخُول على الْفِعْل إِذْ كَانَت الْجمل الخبرية على ضَرْبَيْنِ: مُبْتَدأ وَخبر وَفعل وفاعل.
وَقد تحْتَاج المركبة من الْفِعْل وَالْفَاعِل من التَّأْكِيد إِلَى مثل مَا تحْتَاج إِلَيْهِ المركبة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر فَدخلت المخففة على الْفِعْل مُؤَكدَة إِذا كَانَ أَصْلهَا التَّأْكِيد وَزَالَ الْمَعْنى الَّذِي لَهُ كَانَ امْتنع من الدُّخُول على الْفِعْل وَهُوَ شبهها بِهِ.
ولزوال شبهه بِالْفِعْلِ اختير فِي الِاسْم الْوَاقِع بعده الرّفْع وَجَاء أَكثر الْقِرَاءَة على ذَلِك. وَمن حَيْثُ اختير الرّفْع فِي الِاسْم الْوَاقِع بعْدهَا جَازَ دُخُولهَا على الْفِعْل.
فَأَما اللَّام الَّتِي تصحبها مُخَفّفَة ف هِيَ للْفرق بَينهَا وَبَين إِن الَّتِي تَجِيء نَافِيَة بِمَعْنى مَا وَلَيْسَت هَذِه اللَّام بِالَّتِي تدخل على خبر إِن الْمُشَدّدَة الَّتِي هِيَ للابتداء لِأَن تِلْكَ كَانَ حكمهَا أَن تدخل على إِن فأخرت إِلَى الْخَبَر لِئَلَّا يجْتَمع تأكيدان إِذْ كَانَ الْخَبَر هُوَ الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى وَمَا هُوَ وَاقع موقعه وراجع إِلَيْهِ.
-
فَهِيَ لَا تدخل إِلَّا على الْمُبْتَدَأ أَو على خبر إِن إِذْ كَانَ إِيَّاه فِي الْمَعْنى أَو مُتَعَلقا بِهِ. ولاتدخل من الْفِعْل إِلَّا على مَا كَانَ مضارعًا وَاقعا فِي خبر إِن وَكَانَ فعلا للْحَال.
فَإِذا لم تدخل إِلَّا على مَا ذكرنَا لم يجز أَن تكون هَذِه اللَّام الَّتِي تصْحَب إِن الْخَفِيفَة إِيَّاهَا إِذْ لَا جَائِز دُخُول لَام الِابْتِدَاء على الْفِعْل الْمَاضِي. وَقد وَقع بعد إِن هَذِه الْفِعْل نَحْو: إِن كَادُوا وإِن وجدنَا أَكْثَرهم لفاسقين وَقد جَاوَزت الْأَفْعَال الْوَاقِعَة بعد إِن فَعمِلت فِيمَا بعد اللَّام. وَمَعْلُوم أَن لَام
[ ١٠ / ٣٧٥ ]
الِابْتِدَاء الَّتِي تدخل فِي خبر إِن الشَّدِيدَة لَا يعْمل الْفِعْل الَّذِي قبلهَا فِيمَا بعْدهَا وَذَلِكَ نَحْو: وَإِن كُنَّا عَن عبادتكم)
لغافلين وَقَول الْقَائِل:
(هبلتك أمك إِن قتلت لفارسًا حلت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد)
فَلَمَّا عمل الْفِعْل فِيمَا بعد اللَّام علم أَنَّهَا لَيست الَّتِي تدخل فِي خبر إِن الشَّدِيدَة. وَلَيْسَت أَيْضا الَّتِي تدخل على الْفِعْل الْمُسْتَقْبل والماضي للقسم نَحْو: ليفعلن ولفعلوا.
وَلَو كَانَت تِلْكَ للَزِمَ الْفِعْل الَّذِي تدخل عَلَيْهِ إِحْدَى النونين فَلَمَّا لم تلْزم علم أَنَّهَا لَيست إِيَّاه. قَالَ تَعَالَى: إِن كَاد ليضلنا عَن آلِهَتنَا وإِن كَانُوا ليقولون فَلم تلْزم النُّون.
وَحكى سِيبَوَيْهٍ أَن هَذِه النُّون قد لَا تلْزم الْفِعْل الْمُسْتَقْبل فِي الْقسم فَيُقَال: وَالله لتفعل وَهُوَ يُرِيدُونَ لتفعلن. قَالَ: إِلَّا أَن الْأَكْثَر على ألسنتهم مَا أعلمتك من دُخُول إِحْدَى النونين فَلَا يَنْبَغِي أَن تَقول: إِن هَذِه اللَّام هِيَ الَّتِي فِي لتفعلن فَتحمل الْآي الَّتِي تلوناها على الْأَقَل فِي الْكَلَام.
-
على أَن هَذِه اللَّام لَو كَانَت هِيَ الَّتِي ذكرنَا أَنَّهَا للقسم وَتدْخل على الْمُسْتَقْبل والماضي لم تدخل على الْأَسْمَاء فِي مثل: إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين وإِن قتلت لفارسًا.
وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنَّهَا لَا تعلق الْأَفْعَال الملغاة قبل إِن إِذا وَقعت فِي حيزها كَمَا تعلقهَا الَّتِي تدخل على الْخَبَر. فقد ثَبت بِمَا ذكرنَا أَن هَذِه اللَّام مَعَ إِن المخففة لَيست الَّتِي مَعَ إِن الْمُشَدّدَة وَلَا الَّتِي تدخل على الْفِعْل للقسم لَكِنَّهَا للفصل بَينهَا وَبَين إِن النافية. فَهَذَا حَقِيقَة إِن الْخَفِيفَة وَاللَّام الَّتِي مَعهَا عِنْدِي. انْتهى كَلَامه.
وَقد نقل الشَّارِح الْمُحَقق الْجَواب عَن عدم تَعْلِيق اللَّام.
[ ١٠ / ٣٧٦ ]
ثمَّ قَالَ أَبُو عَليّ: وَإِذا ثَبت أَن هَذِه اللَّام لَيست للابتداء لم يمْتَنع أَن تنفتح أَن إِذا كَانَت هَذِه اللَّام مَعهَا وَدخل عَلَيْهِ مَا يُوجب فتحهَا إِذْ اللَّام الْمَانِعَة من انفتاح أَن غَيرهَا.
فَلَو أدخلنا علمت فِي مثل: إِن وَجدك زيد لكاذبا وَجب انفتاح أَن إِذْ لَيْسَ فِي الْكَلَام شَيْء يعلق الْفِعْل عَنْهَا وَلم يجب أَن يكون فِي أَن ضمير الْقِصَّة من هَذِه الْمَسْأَلَة كَمَا تَقول: إِن فِي مثل قَوْله تَعَالَى: أَن سَيكون مِنْكُم ضميرًا لِأَن هَذَا الضَّمِير إِنَّمَا يكون فِي أَن المخففة من أَن الْمُشَدّدَة.
وَلَيْسَت هَذِه تِلْكَ إِنَّمَا هِيَ الَّتِي قبل دُخُول الْفِعْل عَلَيْهَا أَن الَّتِي لَا تمْتَنع من الدُّخُول على الْفِعْل لزوَال الْعلَّة الَّتِي كَانَت تَمنعهُ من الدُّخُول عَلَيْهِ وَهِي ثَقيلَة.
فَكَمَا تَقول فِي حَال انكسارها: لَا ضمير فِيهَا كَذَلِك تَقول فِي حَال انفتاحها بعد الْفِعْل فَإِذا)
قُلْنَا: علمت أَن وَجدك زيد كَاذِبًا لم تدخل اللَّام كَمَا كَانَت تدخل قبل دُخُول علمت وَلم يمْنَع الْفِعْل من فتح أَن شَيْء وَارْتَفَعت الْحَاجة إِلَى اللَّام مَعَ دُخُول علمت.
وَإِذا فتحت لم تَلْتَبِس بإن الَّتِي مَعْنَاهَا مَا وَلَوْلَا فتحهَا إِيَّاهَا لاحتيج إِلَى اللَّام لِأَن علمت من الْمَوَاضِع الَّتِي يَقع فِيهَا النَّفْي كَمَا وَقع بعد ظَنَنْت فِي نَحْو قَوْله:
وظنوا مَا لَهُم من محيص فَلَو بقيت إِن على كسرهَا بعد علمت للزمتها اللَّام وَكَانَ ذَلِك وَاجِبا لتخليصه من النَّفْي. فَإِذا لم تبْق على الكسرة فَلَا ضَرُورَة إِلَى اللَّام.
فَإِن شِئْت قلت: إِذا أدخلت علمت عَلَيْهَا حذفت اللَّام لزوَال الْمَعْنى الَّذِي كَانَت اللَّام اجتلبت لَهُ بِدُونِ علمت. وَإِن شِئْت قلت: أتركها وَلَا احذفها فَتكون كالأشياء الَّتِي تذكر تَأْكِيدًا من غير ضَرُورَة إِلَيْهِ. وَذَلِكَ كثير فِي الْكَلَام. انْتهى كَلَامه. وَلم أره لغيره وَهُوَ غَرِيب يحْتَاج فِي إثْبَاته إِلَى السماع.
[ ١٠ / ٣٧٧ ]
هَذَا وَالْبَيْت لعاتكة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل من أَبْيَات رثت بهَا زَوجهَا الزبير بن الْعَوام وَقد قَتله عَمْرو بن جرموز الْمُجَاشِعِي غدرًا بعد انْصِرَافه من وقْعَة الْجمل.
وَذَلِكَ أَن الزبير كَانَ خرج مَعَ عَائِشَة ﵄ فِي وقْعَة الْجمل وَلما حمي الْقِتَال ناداه عَليّ ﵁ فَقَالَ لَهُ: أنْشدك الله يَا زبير أما تذكر يَوْم قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ َ: يَا زبير أَتُحِبُّ عليا قلت: وَمَا يَمْنعنِي من حبي وَهُوَ ابْن خَالِي فَقَالَ: ستقاتله وَأَنت ظَالِم لَهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ بلَى قد كَانَ ذَلِك وَلَكِنِّي قد أنسيت ذَلِك.
فَانْصَرف الزبير من الْحَرْب آخِذا طَرِيق مَكَّة فنول على قوم من تَمِيم فأضافه ابْن جرموز وَخرج مَعَه إِلَى وَادي السبَاع وَهُوَ على أَرْبَعَة فراسخ من الْبَصْرَة وَأَرَادَ أَنه يُرِيد مسايرته فَقتله غيلَة وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة. ورثته زَوجته بِهَذِهِ الأبيات:
(غدر ابْن جرموز بِفَارِس بهمة يَوْم اللِّقَاء وَكَانَ غير معرد)
(يَا عَمْرو لَو نبهته لوجدته لَا طائشًا رعش الْجنان وَلَا الْيَد)
(شلت يَمِينك إِن قتلت لمسلمًا حلت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد)
(إِن الزبير لذُو بلَاء صَادِق سمح سجيته كريم المشهد)
(كم غمرة قد خاضها لم يثنه عَنْهَا طرادك يَا ابْن فقع القردد)
(فَاذْهَبْ فَمَا ظَفرت يداك بِمثلِهِ فِيمَا مضى مِمَّن يروح وَيَغْتَدِي»
[ ١٠ / ٣٧٨ ]
قَالَ الزبير بن بكار فِي أَنْسَاب قُرَيْش: تزوج عبد الله بن أبي بكر الصّديق رض الله تَعَالَى عَنْهُمَا عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وَكَانَت حسناء جميلَة ذَات خلق بارع فشغلته عَن مغازيه فَأمره أَبوهُ بِطَلَاقِهَا فَقَالَ:
(يَقُولُونَ طَلقهَا وخيم مَكَانهَا مُقيما عَلَيْك الْهم أَحْلَام نَائِم)
(وَإِن فراقي أهل بَيت جمعتهم على كبرة مني لإحدى العظائم)
ثمَّ طَلقهَا فَمر بِهِ أَبوهُ وَهُوَ يَقُول:
(فَلم أر مثلي طلق الْيَوْم مثلهَا وَلَا مثلهَا فِي غير جرم تطلق)
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
(لَهَا خلق جزل ورأي ومنصب وَخلق سوي فِي الْحَيَاة ومصدق)
فرق لَهُ أَبوهُ وَأمره فَرَاجعهَا. ثمَّ شهد مَعَ النَّبِي ﷺ َ غَزْوَة الطَّائِف فَأَصَابَهُ سهم فَمَاتَ مِنْهُ بعد بِالْمَدِينَةِ فَقَالَت عَاتِكَة تبكيه:
(فآليت لَا تنفك عَيْني حزينةً عَلَيْك وَلَا يَنْفَكّ جلدي أغبرا)
(فَللَّه عينا من رأى مثله فَتى أكر وأحمى فِي الْهياج وأصبرا)
(إِذا شرعت فِيهِ الأسنة خاضها إِلَى الْمَوْت حَتَّى يتْرك الرمْح أحمرا)
ثمَّ تزَوجهَا عمر بن الْخطاب فأولم عَلَيْهَا فَكَانَ فِيمَن دَعَا عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ لَهُ عَليّ: دَعْنِي أكلم عَاتِكَة. فَقَالَ: كلمها يَا أَبَا الْحسن فَأخذ عَليّ بِجَانِب الخدر ثمَّ قَالَ: يَا عدية نَفسهَا:)
(فآليت لَا تنفك عَيْني حزينةً عَلَيْك وَلَا يَنْفَكّ جلدي أغبرا)
فَبَكَتْ فَقَالَ عمر: مَا دعَاك إِلَى هَذَا يَا أَبَا الْحسن كل النِّسَاء يفعل هَذَا.
ثمَّ قتل عَنْهَا عمر رض الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَت تبكيه:
(عين جودي بعبرة ونحيب لَا تملي على الْجواد النجيب)
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
(فجعتني الْمنون بالفارس المع لم يَوْم الْهياج والتثويب)
(قل لأهل الضراء والبأس موتوا مذ سقته الْمنون كأس شعوب)
ثمَّ تزَوجهَا الزبير بن الْعَوام رض الله تَعَالَى عَنهُ فَكَانَت تخرج إِلَى الْمَسْجِد لَيْلًا وَكَانَ يكره خُرُوجهَا ويحرج من منعهَا فَخرجت لَيْلَة إِلَى الْمَسْجِد وَخرج الزبير فسبقها إِلَى مَكَان مظلم من طريقها فَلَمَّا مرت بِهِ وضع يَده على بعض جَسدهَا فَرَجَعت تبْكي ثمَّ لم تخرج بعْدهَا فَقَالَ لَهَا الزبير: مَا لَك لَا تخرجين إِلَى الْمَسْجِد كَمَا كنت تفعلين فَقَالَت: فسد النَّاس فَقَالَ: أَنا فعلت ذَلِك فَقَالَت: أَلَيْسَ يقدر غَيْرك أَن يفعل مثله فَلم تخرج حَتَّى قتل عَنْهَا الزبير فَقَالَت ترثيه: غدر ابْن جرموز بِفَارِس بهمة الأبيات السَّابِقَة.
وخطبها عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بعد قتل الزبير فَأرْسلت إِلَيْهِ تَقول: إِنِّي لأضن بِابْن عَم رَسُول الله ﷺ َ عَن الْقَتْل. انْتهى. كَلَام الزبير بن بكار.
وَقد تقدم تَرْجَمَة والدها زيد فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده:
(فَلَو أَنَّك فِي يَوْم الرخَاء سَأَلتنِي طَلَاقك لم أبخل وَأَنت صديق)
[ ١٠ / ٣٨١ ]
على أَن أَن المخففة الْمَفْتُوحَة لَا تعْمل فِي الضَّمِير إِلَّا فِي الشّعْر.
وَتقدم عَلَيْهِ الْكَلَام فِي الشَّاهِد الثَّامِن بعد الأربعمائة.
وَأنْشد بعده
(بأنك ربيع وغيث مريع وَأَنَّك هُنَاكَ تكون الثمالا)
لما تقدم قبله.
وَمثله فِي الْمُغنِي لِابْنِ هِشَام قَالَ: وَشرط اسْم أَن المخففة أَن يكون ضميرًا محذوفًا وَرُبمَا ثَبت كَقَوْلِه:)
فَلَو أَنَّك فِي يَوْم الرخَاء سَأَلتنِي الْبَيْت
وَهُوَ مُخْتَصّ بِالضَّرُورَةِ على الْأَصَح. وَشرط خَبَرهَا أَن يكون جملَة وَلَا يجوز إِفْرَاده إِلَّا إِذا ذكر الِاسْم فَيجوز الْأَمْرَانِ.
وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله: بأنك ربيع وغيث مريع الْبَيْت انْتهى.
وَتقدم فِي شرح الْبَيْت السَّابِق من بَاب الْمُضمر أَن اسْمهَا عِنْد التَّخْفِيف يجب أَن يكون ضمير شَأْن مَحْذُوف. ونقلنا هُنَاكَ نَص سِيبَوَيْهٍ.
فَفِي هَذَا الْبَيْت شذوذ من وَجه آخر وَهُوَ كَون اسْمهَا غير ضمير شَأْن. وَجوزهُ بَعضهم. وَإِلَى الأول يُشِير كَلَام ابْن هِشَام حَيْثُ قَالَ: وَرُبمَا ثَبت أَي: اسْمهَا. وَإِلَى الثَّانِي ذهب ابْن مَالك وَأَبُو قَالَ الأول: إِذا أمكن جعل
[ ١٠ / ٣٨٢ ]
الضَّمِير الْمَحْذُوف ضمير حَاضر أَو غَائِب غير الشَّأْن فَهُوَ أولى.
وَقَالَ الثَّانِي: لَا يلْزم أَن يكون ضمير الشَّأْن كَمَا زعم بعض أَصْحَابنَا بل إِذا أمكن تَقْدِيره بِغَيْرِهِ قدر.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي: وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدقت بأنك قد صدقت. وَفِي قَوْلهم: أرسل إِلَيْهِ أَن مَا أَنْت وَذَا أَي: بأنك مَا أَنْت وَذَا. انْتهى.
هَذَا. وَقد روى الْبَيْت أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَإِبْرَاهِيم الحصري فِي زهر الْآدَاب والشريف فِي حماسته هَكَذَا:
(بأنك كنت الرّبيع المغيث لمن يعتريك وَكنت الثمالا)
وَحِينَئِذٍ لَا شَاهد فِيهِ.
وَالْبَيْت من قصيدة عدتهَا عشرُون بَيْتا أوردهَا صَاحب زهر الْآدَاب. وَأورد
الشريف مِنْهَا فِي حماسته ثَمَانِيَة أَبْيَات وَأَبُو حنيفَة ثَلَاثَة أَبْيَات وَقَالُوا: هِيَ لجنوب رثت بهَا أخاها عمرا ذَا الْكَلْب وَهِي:
(سَأَلت بِعَمْرو أخي صَحبه فأفظعني حِين ردوا السؤالا)
(فَقَالُوا: أتيح لَهُ نَائِما أعر السبَاع عَلَيْهِ أحالا)
(فأقسمت يَا عَمْرو لَو نبهاك إِذن نبها مِنْك أمرا عضالا»
(إِذن نبها لَيْث عريسة مُفِيدا مفيتًا نفوسًا ومالا)
(إِذن نبها غير رعديدة وَلَا طائشًا دهشًا حِين صالا)
[ ١٠ / ٣٨٣ ]
(هزبرًا فروسًا لأعدائه هصورًا إِذا لَقِي الْقرن صالا)
(هما مَعَ تصرف ريب الْمنون من الأَرْض ركنا ثبيتًا أمالا)
(هما يَوْم حم لَهُ يَوْمه وَقَالَ أَخُو فهم بطلًا وفالا)
(وَقَالُوا قَتَلْنَاهُ فِي غَارة بِآيَة أَن قد ورثنا النبالا)
(فَهَلا إِذن قبل ريب الْمنون فقد كَانَ رجلا وكنتم رجَالًا)
(وَقد علمت فهم عِنْد اللقا بِأَنَّهُم لَك كَانُوا نفالا)
(كَأَنَّهُمْ لم يحسوا بِهِ فيخلوا النِّسَاء لَهُ والحجالا)
(وَلم ينزلُوا بمحول السنين بِهِ فَيَكُونُوا عَلَيْهِ عيالا)
(وَقد علم الضَّيْف والمرملون إِذا اغبر أفق وهبت شمالا)
(بأنك كنت الرّبيع المغيث لمن يعتريك وَكنت الثمالا)
(وخرق تجاوزت مجهوله بوجناء حرف تشكى الكلالا)
(وَحي أبحت وَحي منحت غَدَاة اللِّقَاء منايا عجالا)
(وَكم من قبيل وَإِن لم تكن أردتهم مِنْك باتوا وجالا)
قَالَ السكرِي فِي شرح هَذِه القصيدة قَالَ أَبُو عَمْرو: قَالَت هَذِه القصيدة عمْرَة بنت العجلان أُخْت عَمْرو ذِي الْكَلْب بن العجلان الْكَاهِلِي ترثي أخاها عمرا. انْتهى.
[ ١٠ / ٣٨٤ ]
ونسبها غَيره لأخته جنوب. قَالَ الشريف: كَانَ عَمْرو خرج غازيًا فهبط وَاديا من أَوْدِيَتهمْ فَنَامَ فِيهِ فَوَثَبَ عَلَيْهِ نمران فأكلاه.
وَقَالَ صَاحب زهر الْآدَاب: قَالَ عمر بن شبة: كَانَ عَمْرو هَذَا يَغْزُو فهما فَيُصِيب نمهم فوضعوا لَهُ رصدًا على المَاء فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ ثمَّ مروا بأخته جنوب فَقَالُوا: طلبنا أَخَاك فَقَالَت: لَئِن طلبتموه لتجدنه منيعًا وَلَئِن وصفتموه لتجدنه مريعًا وَلَئِن دعوتموه لتجدنه سَرِيعا.
وَالله لَئِن سلبتموه لَا تَجِدُونَ ثنته وافية وَلَا حجزته جافية ولرب ثدي مِنْكُم قد افترشه وَنهب قد احتوشه وضب قد احترشه. ثمَّ قَالَت هَذِه الأبيات. انْتهى.
-
وَقَوْلها: سَأَلت بِعَمْرو الْبَاء بِمَعْنى عَن وَأخي: عطف بَيَان وَصَحبه: مفعول سَأَلت وَهُوَ)
مُضَاف إِلَى ضمير عَمْرو. وصحب: جمع صَاحب كشهد جمع شَاهد. وأفظعني: هدني قبحه وشدته. يُقَال: أفظع الْأَمر إفظاعًا وفظع فظاعة إِذا جَاوز الْحَد فِي وأتيح: مَجْهُول أتاح الله لَهُ بِالْمُثَنَّاةِ والحاء الْمُهْملَة بِمَعْنى قضى وَقدر. وَالْهَاء فِي لَهُ لعَمْرو ونائمًا: حَال مِنْهَا وأعر السبَاع: نَائِب فَاعل أتيح وَهُوَ من
[ ١٠ / ٣٨٥ ]
العرارة بِالْعينِ وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ سوء الْخلق. وأحَال بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَ السكرِي: أَي ركب عَلَيْهِ فَقتله وَأكله. ونمرا أجبل: مثنى نمر مُضَاف إِلَى أجبل: جمع جبل.
وتصحفت هَذِه الْكَلِمَة على الْعَيْنِيّ فَقَالَ: قَوْلهَا نمرا جيئل أَي: نمران من جيئل أَي: سبعان من جيئل. والنمر: السَّبع. والجيئل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْيَاء وَفتح الْهمزَة وَهُوَ الضبع. وَهَذَا كَلَامه وَهُوَ تَحْرِيف قطعا.
وروى الْعَيْنِيّ: وثالا بدل منالا وَقَالَ: ثالا بالثاء الْمُثَلَّثَة يُقَال: ثال عَلَيْهِ الْقَوْم إِذا علوه بِالضَّرْبِ. والْمنون: الْمَوْت. وحمام الْمنون: الْمُقدر. قَالَ السكرِي: قَالَ أَبُو عَمْرو: فنالا وَمَا نَالَ ثمَّ قبالا وَهَذَا الْبَيْت سَاقِط من رِوَايَة الْعَيْنِيّ.
وَقَوْلها: فأقسمت إِلَخ هَذَا الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وَضمير الْمثنى فِي نبهاك
وَقَوْلها: لَيْث عريسة قَالَ الْجَوْهَرِي: العريس والعريسة: مأوى الْأسد. والمفيد مَعْنَاهُ معطي الْفَائِدَة وآخذ الْفَائِدَة كَذَا ورد بالمعنيين. ومفيت بِالْفَاءِ قَالَ السكرِي: أَي مهلك النُّفُوس وَالْمَال.
وتصحفت هَذِه الْكَلِمَة على الْعَيْنِيّ فرواها بِالْقَافِ وَقَالَ: مقيتًا أَي: مقتدرًا كَالَّذي يُعْطي كل رجل قوته. وَيُقَال المقيت: الْحَافِظ للشَّيْء وَالشَّاهِد لَهُ. والنفوس يرجع إِلَى المقيت وَالْمَال يرجع إِلَى الْمُفِيد. هَذَا كَلَامه
[ ١٠ / ٣٨٦ ]
والهزبر: الْأسد الضخم الشَّديد. والفروس: الْكثير الافتراس للمصيد. وهصور من الهصر وَهُوَ الجذب وَالْأَخْذ بِقُوَّة. والْقرن بِالْكَسْرِ. وَهَذَا الْبَيْت سَاقِط من رِوَايَة الْعَيْنِيّ. وريب الْمنون: حوادث الدَّهْر. قَالَ السكرِي: ثبيت: ثَابت وروى غَيره بدله: شَدِيدا.)
وَقَوْلها: هما يَوْم حم إِلَخ قَالَ السكرِي: هما يَعْنِي النمرين. وحم: قضى وَقدر. وفال بِالْفَاءِ أَي: اخطأ. رجل فائل الرَّأْي وفيل أَي: ضَعِيف الرَّأْي. وفهم: قَبيلَة وَلِهَذَا مَنعه الصّرْف.
وَقَوْلها: وَنحن قَتَلْنَاهُ فِي غَارة ورجل قَالَ السكرِي: هُوَ الرجل يُقَال: رجل وَرجل أَي: بِسُكُون الْجِيم وَضمّهَا.
وروى غَيره: فَذا بدل رجلا. والفذ بِالْفَاءِ والذال الْمُعْجَمَة هُوَ الْفَرد. والنفال: الْغَنَائِم جمع نفل بِفتْحَتَيْنِ وَهِي الْغَنِيمَة.
-
وَقَوْلها: كَأَنَّهُمْ لم يحسوا بِهِ. . إِلَخ من حسست بالْخبر من بَاب تَعب أَي: عَلمته وشعرت بِهِ. ويخلوا من أخليته أَي: جعلته خَالِيا. والحجال: جمع حجلة بِالتَّحْرِيكِ وَهِي بَيت يزين بالثياب والأسرة والستور. والمحول: جمع مَحل وَهُوَ الْقَحْط.
[ ١٠ / ٣٨٧ ]
وَقَوْلها: وَقد علم الضَّيْف والمرملون هُوَ من أرمل الْقَوْم إِذا نفد زادهم. وروى بدله السكرِي: والمجتدون وَقَالَ: هم الطالبون الجدا وَهِي الْعَطِيَّة. وفاعل هبت ضمير الرّيح وَإِن لم يجر لَهَا ذكر لفهمها من قَوْلهَا إِذا اغبر أفق فَإِن اغبراره إِنَّمَا يكون فِي الشتَاء لِكَثْرَة الأمطار وَاخْتِلَاف الرِّيَاح. والشمَال بِالْفَتْح وَيكسر: ريح تهب من نَاحيَة القطب وَهُوَ حَال وَإِنَّمَا خصت هَذَا الْوَقْت بِالذكر لِأَنَّهُ وَقت تقل فِيهِ الأرزاق وتنقطع السبل ويثقل فِيهِ الضَّيْف فالجود فِيهِ غَايَة لَا تدْرك.
(وخلت عَن اولادها المرضعات وَلم تَرَ عين لمزن بِلَالًا)
وَقَالَ: إِنَّمَا خلت أَوْلَادهَا من الإعواز لم يجدن قوتًا. واغبرار الْأُفق من الجدب. وَأَرَادَ: هبت الرّيح شمالًا. وَهِي تضمر وَإِن لم تذكر لِكَثْرَة مَا تذكر. انْتهى. والمزن: السَّحَاب. والبلال بِالْكَسْرِ: البلل.
قَوْلهَا: بأنك ربيع. . إِلَخ الرّبيع هُنَا: ربيع الزَّمَان. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي بَاب مَا يَضَعهُ النَّاس غير مَوْضِعه وَهُوَ أول كِتَابه أدب الْكَاتِب: وَمن ذَلِك الرّبيع يذهب النَّاس إِلَى أَنه الْفَصْل الَّذِي يتبع)
الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ الْورْد والنور وَلَا يعْرفُونَ الرّبيع غَيره. وَالْعرب تخْتَلف فِي ذَلِك:
فَمنهمْ من يَجْعَل الرّبيع الْفَصْل الَّذِي تدْرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف وَفصل الشتَاء بعده ثمَّ فصل الصَّيف بعد الشتَاء وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الرّبيع ثمَّ فصل القيظ بعده وَهُوَ الَّذِي تَدعُوهُ الْعَامَّة الصَّيف.
وَمن الْعَرَب من يُسَمِّي الْفَصْل الَّذِي تدْرك فِيهِ الثِّمَار وَهُوَ الخريف: الرّبيع الأول. ويسمي الْفَصْل الَّذِي يتلوه الشتَاء وَيَأْتِي فِيهِ الكمأة والنور: الرّبيع الثَّانِي. وَكلهمْ مجمعون على أَن الخريف هُوَ الرّبيع. انْتهى.
[ ١٠ / ٣٨٨ ]
قَالَ شَارِحه ابْن السَّيِّد: مَذْهَب الْعَامَّة فِي الرّبيع هُوَ مَذْهَب الْمُتَقَدِّمين لأَنهم كَانُوا يجْعَلُونَ حُلُول الشَّمْس بِرَأْس الْحمل أول الزَّمَان وشبابه. وَأما الْعَرَب فَإِنَّهُم جعلُوا حُلُول الشَّمْس بِرَأْس الْمِيزَان أول فُصُول السّنة الْأَرْبَعَة وسموه الرّبيع.
وَأما حُلُول الشَّمْس بِرَأْس الْحمل فَكَانَ مِنْهُم من يَجعله ربيعًا ثَانِيًا فَيكون فِي السّنة على مَذْهَبهم ربيعان.
وَكَانَ مِنْهُم من لَا يَجعله ربيعًا ثَانِيًا فَيكون فِي السّنة على مَذْهَبهم ربيع وَاحِد. وَأما الربيعان من الشُّهُور فَلَا خلاف بَينهم أَنَّهُمَا اثْنَان: ربيع الأول وربيع الآخر. انْتهى. والْغَيْث: الْمَطَر والكلأ ينْبت بِمَاء السَّمَاء وَالْمرَاد بِهِ هَذَا لوصفه بالمريع وَهُوَ الخصيب بِفَتْح الْمِيم وَضمّهَا. وَفِي الْقَامُوس: مرع الْوَادي مُثَلّثَة الرَّاء مراعة: أكلأ كأمرع. والثمال بِكَسْر الْمُثَلَّثَة قَالَ الدينَوَرِي: هُوَ الذخر وَقَالَ غَيره: هُوَ الغياث.
وَقَوْلها: خرق هُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الفلاة الواسعة تتخرق فِيهَا الرِّيَاح. ومَجْهُولَة: الَّذِي لَا يسْلك. والوجناء بِالْجِيم: النَّاقة الشَّدِيدَة. والْحَرْف: الضامرة الصلبة. وتشكى مضارع أَصله تتشكى بتاءين. والكلال: الإعياء.
وَقَوْلها: وَحي أبحت أَي: رب قَبيلَة جَعلتهَا مُبَاحَة للناهبين وَرب قَبيلَة أَعطيتهم المنايا يَوْم
وَرُوِيَ أَيْضا: وَحيا أبحت وَحيا منحت والمنايا: جمع منية وَهِي الْمَوْت. والعجال بِالْكَسْرِ: جمع عجل بِفَتْح فضم بِمَعْنى عَاجل)
كَمَا يجمع رجل على رجال.
[ ١٠ / ٣٨٩ ]
والْقَبِيل هُنَا: جمع قَبيلَة. والوجال: جمع وَجل بِفَتْح فَكسر وَهُوَ الْخَائِف من الوجل بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَوْف. وجنوب صَاحِبَة الشّعْر هِيَ امْرَأَة شاعرة جَاهِلِيَّة بِفَتْح الْجِيم وَضم النُّون. وأخوها عَمْرو جاهلي أَيْضا وَهُوَ ابْن العجلان بن عَامر بن برد بن مُنَبّه أحد بني كَاهِل بن لحيان بن هُذَيْل.
وَسمي ذَا الْكَلْب لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُفَارِقهُ كلب لَهُ قَالَه ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لم يكن لَهُ كلب لَا يُفَارِقهُ وَإِنَّمَا خرج غازيًا وَمَعَهُ كلب يصطاد بِهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: يَا ذَا الْكَلْب. فثبتت عَلَيْهِ. وَمن النَّاس من يَقُول لَهُ عَمْرو الْكَلْب بِغَيْر ذُو. وَالله أعلم.
وَقيل إِن جنوب هِيَ عمْرَة لَا أَنَّهُمَا ثِنْتَانِ. وَله أُخْت أُخْرَى اسْمهَا ريطة هِيَ شاعرة أَيْضا وَمن شعرهَا فِيهِ:
(وكل حَيّ وَإِن عزوا وَإِن سلمُوا يَوْمًا طريقهم فِي الشَّرّ دعبوب)
(أبلغ هذيلًا وأبلغ من يبلغهَا عني رَسُولا وَبَعض القَوْل تَكْذِيب)
(بِأَن ذَا الْكَلْب عمرا خَيرهمْ نسبا بِبَطن شريان يعوي حوله الذِّئْب)
[ ١٠ / ٣٩٠ ]
(الطاعن الطعنة النجلاء يتبعهَا مثعنجر من نجيع الْجوف أسكوب)
(والتارك الْقرن مصفرًا أنامله كَأَنَّهُ من نجيع الْجوف مخضوب)
(الْمخْرج العاتق الْعَذْرَاء مذعنةً فِي السَّبي ينفح من أردانها الطّيب)
(تمشي النسور عَلَيْهِ وَهِي لاهية مشي العذارى عَلَيْهِم الجلابيب)
وَأنْشد بعده:
أَن هَالك كل من يحفى وينتعل هَذَا عجز وصدره: فِي فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الستمائة من نواصب الْفِعْل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:)
كَأَن وريديه وشاءا خلب
[ ١٠ / ٣٩١ ]
على أَن إِعْمَال كَأَن المخففة فصيح والأفصح إلغاؤها. وَقد جَاءَ إعمالها فِي هَذَا. وَمَا بعده.
وَأَرَادَ بالإلغاء عدم إعمالها لفظا بِدَلِيل قَوْله: وَإِذا لم تعملها لفظا فَفِيهَا ضمير
شَأْن مُقَدّر عِنْدهم كَمَا فِي أَن المخففة. وعَلى هَذَا فَهِيَ عاملة إِمَّا لفظا وَإِمَّا تَقْديرا.
وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام ابْن يعِيش فَإِن الزَّمَخْشَرِيّ لما قَالَ فِي الْمفصل: وتخفف فَيبْطل عَملهَا وَمِنْهُم من يعملها وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ قَالَ ابْن يعِيش: قَوْله: فَيبْطل يُرِيد عَملهَا ظَاهرا. وَأما قَوْله: كَأَن ثدياه حقان فَالْمُرَاد كَأَنَّهُ أَي: الْأَمر والشأن وَالْجُمْلَة بعد كَأَن خَبَرهَا وَمرَاده إرجاع كَلَام الْمفصل إِلَى كَلَام سِيبَوَيْهٍ فَإِن مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ أَن كَأَن إِذا خففت لَا يكون اسْمهَا إِلَّا ضميرًا محذوفًا وعملها فِي الِاسْم الظَّاهِر خَاص بِالضَّرُورَةِ.
وَلما كَانَ ظَاهر قَول الزَّمَخْشَرِيّ فَيبْطل عَملهَا مُحْتملا لإلغائها عَن الْعَمَل لفظا وتقديرًا أَوله بِمَا ذكره. إِلَّا أَن قَوْله: وَمِنْهُم من يعملها لَا يُفِيد أَنه مُخْتَصّ بِالضَّرُورَةِ.
وَقيد المُصَنّف هُنَا الإلغاء بِقَيْد الأفصحية فَقَالَ: وتخفف فتلغى على الْأَفْصَح. وَلَا يُمكن تَأْوِيل كَلَامه بِمَا ذكره ابْن يعِيش لِأَن إعمالها فِي الِاسْم الظَّاهِر لَيْسَ بفصيح فَكَانَ يَنْبَغِي للشَّارِح الْمُحَقق أَن يُنَبه عَلَيْهِ وَلَا يجاريه فِي كَلَامه.
وَقد شَرحه التبريزي على ظَاهره فَقَالَ: أَي: تخفف كَأَن فتلغى على الْأَفْصَح وَجَاء إعمالها على غير الْأَفْصَح. د أما إلغاؤها فلفوات مشابهتها بالماضي لزوَال فتحهَا بِالتَّخْفِيفِ وَأما إعمالها فلبقاء ثَلَاثَة أحرف وَالْمعْنَى الْمُقْتَضى للاسم
[ ١٠ / ٣٩٢ ]
وَهُوَ التَّشْبِيه. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن كَأَن المخففة مثل أَن الْمَفْتُوحَة تعْمل فِي ضمير الشَّأْن الْمُقدر وَغَيره. انْتهى.
وَهَذَا نَص سِيبَوَيْهٍ: وَالْخَامِسَة أَن غضب الله عَلَيْهَا كَأَنَّهُ قَالَ: أَنه غضب
الله عَلَيْهَا لَا تخففها فِي الْكَلَام أبدا وَبعدهَا الْأَسْمَاء إِلَّا وَأَنت تُرِيدُ الثَّقِيلَة مضمرًا فِيهَا الِاسْم يَعْنِي الْهَاء وَنَحْوهَا.
فَلَو لم يُرِيدُوا ذَلِك نصبوا كَمَا ينصبون إِذا اضطروا فِي الشّعْر بكأن إِذا خففوا يُرِيدُونَ معنى كَأَن وَلم يُرِيدُوا الْإِضْمَار.
وَذَلِكَ قَوْله:)
كَأَن وريديه وشاءا خلب وَهَذِه الْكَاف إِنَّمَا هِيَ مُضَافَة إِلَى أَن فَلَمَّا اضطررت إِلَى التَّخْفِيف فَلم تضمر لم يُغير ذَلِك أَن وَمثل ذَلِك قَول الْأَعْشَى:
(فِي فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا أَن هَالك كل من يحفى وينتعل)
كَأَنَّهُ قَالَ: أَنه هَالك. وَإِن شِئْت رفعت فِي قَول الشَّاعِر: كَأَن وريداه على مثل الْإِضْمَار الَّذِي فِي قَوْله: من يأتنا نعطه أَو يكون هَذَا الْمُضمر وَهُوَ الَّذِي ذكر كَمَا قَالَ:
[ ١٠ / ٣٩٣ ]
كَأَن ظَبْيَة تعطو إِلَى وارق السّلم انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: وَهَذِه الْكَاف المضافة إِلَى أَن يُرِيد الْكَاف من كَأَن الْمُتَقَدّمَة على أَن.
وَقَوله: أَو يكون هَذَا الْمُضمر إِلَخ يَعْنِي أَن الضَّمِير الْمُقدر يجوز أَن يكون ضمير الشَّأْن كَمَا فِي: إِنَّه من يأتنا وَيجوز أَن يكون ضمير مَذْكُور مُقَدّر كَمَا فِي كَأَن ظَبْيَة بِالرَّفْع أَي: إِن تِلْكَ الْمَرْأَة كَأَنَّهَا ظَبْيَة.
وَإِلَى مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ ذهب ابْن مَالك فَقَالَ فِي التسهيل: وتخفف كَأَن فتعمل فِي اسْم كاسم أَن والمقدر وَالْخَبَر جملَة اسمية أَو فعلية مبدوءة بلم أَو قد أَو مُفْرد. وَقد يبرز اسْمهَا فِي الشّعْر.
انْتهى.
قَالَ الْمرَادِي: إِذا خففت كَأَن لم تلغ بل تعْمل فِي اسْم كاسم أَن الْمَفْتُوحَة إِذا خففت وَيكون كَأَن ثدياه حقان والمبدوءة بلم: كَأَن لم تغن بالْأَمْس وبقد: وَكَأن قد أَي:
قد زَالَت. والمفرد: كَأَن ظَبْيَة.
وَاسْمهَا البارز كَأَن ظَبْي بِالنّصب.
ثمَّ قَوْله: ظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ أَن ذَلِك لَا يخْتَص بِالضَّرُورَةِ خلاف مَا نقلنا عَنهُ. وَكَذَا عده من الضَّرُورَة ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر.
[ ١٠ / ٣٩٤ ]
قَالَ الأعلم فِي كَأَن وريديه: الشَّاهِد فِي إِعْمَال أَن المخففة تَشْبِيها بِمَا حذف من الْفِعْل وَلم يتَغَيَّر عمله نَحْو: لم يَك زيد مُنْطَلقًا. وَالْوَجْه الرّفْع إِذا خففت لخروجها عَن شبه الْفِعْل فِي اللَّفْظ.
قَالَ صَاحب الْكَشَّاف: والوريدان: عرقان يكتنفان صفحتي الْعُنُق فِي مقدمهما متصلان بالوتين يردان من الرَّأْس إِلَيْهِ.)
وَقيل: سمي وريدًا لِأَن الرّوح ترده. وَقَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: الوريد: عرق قيل هُوَ الودج وَقيل: بجنبه.
وَقَالَ الْفراء: عرق بَين الْحُلْقُوم والعلباوين. وَهُوَ ينبض أبدا فَهُوَ من الأوردة الَّتِي فِيهَا الْحَيَاة وَلَا يجْرِي فِيهَا دم بل هِيَ مجاري النَّفس بالحركات.
والرشاء بِكَسْر الرَّاء وَالْمدّ: الْحَبل وَجمعه أرشية وَهُوَ هُنَا مثنى مَرْفُوع بِالْألف وَأَصله رشاوان بِهَمْزَة بَين أَلفَيْنِ حذفت نونه عِنْد الْإِضَافَة لخلب بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام وبتسكينها.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: والخلب: الليف.
قَالَ: كَأَن وريداه رشاءا خلب
ويروى: وريديه على إِعْمَال كَأَن وَترك الْإِضْمَار. وَكَذَلِكَ الخلب بالتسكين. والليفة خلبة وخلبة. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ فِي مَادَّة أنن. وَقَالَ النّحاس: قَالَ أَبُو إِسْحَاق: الليف وَقَالَ غَيره: الخلب: الْبِئْر الْبَعِيدَة القعر. انْتهى.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل
[ ١٠ / ٣٩٥ ]
الوريد من سُورَة ق.
قَالَ: حَبل الوريد مثل فِي فرط الْقرب.
قَالَ ذُو الرمة: وَالْمَوْت أدنى لي من الوريد والْحَبل: الْعرق شبه بِوَاحِد الحبال.
أَلا ترى إِلَى قَوْله: كَأَن وريديه رشاءا خلب أَحدهمَا: أَن تكون الْإِضَافَة للْبَيَان كَقَوْلِهِم: بعير سانية.
وَالثَّانِي: أَن يُرَاد حَبل العاتق فيضاف إِلَى الوريد كَمَا يُضَاف إِلَى العاتق. لاجتماعهما فِي عُضْو وَاحِد كَمَا لَو قيل: حَبل العلباء مثلا. انْتهى.
وَالْبَيْت غفل فِي الْكتاب وَلم ينْسبهُ أحد من خدمَة الْكتاب. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: قَائِله رؤبة بن العجاج.
-
وَهَكَذَا أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه. وَهَذَا بِخِلَاف الْوَاقِع.)
وَرَأَيْت فِي التخمير وَهُوَ شرح أَبْيَات الْمفصل لبَعض فضلاء الْعَجم وَتَبعهُ الْكرْمَانِي فِي شرح أَبْيَات الموشح وَهُوَ شرح الكافية للخبيصي أَن مَا قيل هَذَا الْبَيْت: ومعتد فظ غليظ الْقلب
[ ١٠ / ٣٩٦ ]
وَبعده: غادرته مجدلًا كَالْكَلْبِ وَقَالا: المعتدي: المتجاوز عَن الْحَد. والفظ من الرِّجَال: الغليظ. والمجدل: الْملقى على الجدالة وَهِي الأَرْض.
وَالْمعْنَى: رب خصم مُعْتَد متجاوز عَن الْحَد فِي كل مَا يَفْعَله فظ غليظ الْقلب قاسيه كَأَن وريديه حبلان فَتلا من لِيف النّخل لضخامة عُنُقه غادرته وَتركته ملقىً على الأَرْض كَالْكَلْبِ فِي الذلة. والشجعان يوصفون بِمَا ذكر من الاعتداء والفظاظة وغلظة الْقلب وعبالة الْأَعْنَاق.
انْتهى.
وَقَول الشَّاعِر: كَأَن وريديه رشاءا خلب كَأَن فِيهِ عاملة ووريديه: اسْمهَا ورشاءا خلب: خَبَرهَا وَهُوَ مَرْفُوع بِالْألف لِأَنَّهُ مثنى كَمَا تقدم. وَيُوجد فِي بعض الْكتب: رشاء خلب بِالْإِفْرَادِ وَلَا يَصح لِأَنَّهُ خبر عَن مثنى. وَضمير وريديه للمعتدي.
وَقَول سِيبَوَيْهٍ وَإِن شِئْت رفعت فِي قَول الشَّاعِر: كَأَن وريداه على مثل الْإِضْمَار الَّذِي فِي قَوْله: إِنَّه من يأتنا نعطه.
-
يُرِيد: أَنه إِذا رفع مَا بعد كَأَن يكون اسْمهَا ضمير شان كَمَا فِي الْمِثَال وَيكون جملَة: ورداه رشاءا خلب من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خبر كَأَن.
وَقَوله: أَو يكون هَذَا الْمُضمر وَهُوَ الَّذِي ذكر كَمَا قَالَ: كَأَن ظَبْيَة يُرِيد: أَن اسْم كَأَن يكون ضميرًا محذوفًا عَائِدًا على مُتَقَدم مَذْكُور وَهُوَ المعتدي وَالتَّقْدِير: كَأَنَّهُ وريداه رشاءا خلب.
فالهاء المحذوفة وَهِي ضمير المعتدي اسْم كَأَن وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبَرهَا كَمَا فِي قَوْله: كَأَن ظَبْيَة بِالرَّفْع التَّقْدِير: كَأَنَّهَا
[ ١٠ / ٣٩٧ ]
ظَبْيَة. فالهاء المحذوفة ضمير الْمَرْأَة الْمُتَقَدّمَة الذّكر وَهِي اسْم كَأَن وظبية: خَبَرهَا.)
وَفِي الْحَقِيقَة لَيْسَ فِيهِ شَيْء يستشهد بِهِ. وَهَذَا كَلَامه.
وَأنْشد بعده