(لقد كذبتك نَفسك فاكذبنها فَإِن جزعًا وَإِن إِجْمَال صَبر)
على أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: الأَصْل فإمَّا جزعًا وَأما إِجْمَال صَبر فَحذف مَا مِنْهُمَا وَبَقِي إِن.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي موضِعين من كِتَابه: الأول: فِي بَاب مَا يضمر فِيهِ الْفِعْل الْمُسْتَعْمل وَتقدم نَقله فِيمَا قبل هَذَا وَهُوَ قَوْله بعد إنشاد الْبَيْت: هَذَا على إِمَّا وَلَيْسَ على إِن الْجَزَاء
[ ١١ / ١٠٩ ]
كَقَوْلِك: إِن حَقًا وَإِن كذبا. فَهَذَا على إِمَّا مَحْمُول.
-
أَلا ترى أَنَّك تدخل الْفَاء وَلَو كَانَت على أَن الْجَزَاء وَقد اسْتقْبلت الْكَلَام لاحتجت إِلَى الْجَواب.
فَإِن قلت: فَإِن جزع وَأَن إِجْمَال صَبر كَانَ جَائِزا كَأَنَّهُ قلت: فإمَّا أَمْرِي جزع وَإِمَّا إِجْمَال صَبر.
إِلَى آخر مَا نَقَلْنَاهُ هُنَاكَ.
وَالثَّانِي فِي: بَاب الْحِكَايَة لَا يُغير فِيهَا الْأَسْمَاء عَن حَالهَا فِي الْكَلَام وَقَالَ فِيهِ: وَالدَّلِيل على أَن مَا مَضْمُومَة إِلَى إِن قَول الشَّاعِر: لقد كذبتك نَفسك الْبَيْت فَإِنَّمَا يُرِيد إِمَّا وَهِي بِمَنْزِلَة مَا مَعَ أَن فِي قَوْلك: أما أَنْت مُنْطَلقًا انْطَلَقت. انْتهى.
قَالَ أَبُو عَليّ فِي كتاب الشّعْر تَقْدِيره: فإمَّا جزعت جزعًا وَأما أجملت صبرا يدل على ذَلِك أَنه لَا يَخْلُو من أَن تكون إِن الْجَزَاء أَو غَيرهَا فَلَو كَانَت للجزاء وألحقت الْفَاء فِي قَوْلك: فإمَّا أَلا ترى أَنَّك لَو قلت: أَنْت ظَالِم إِن فعلت لسد مَا تقدم مسد الْجَواب وَلَو ألحقت الْفَاء فَقلت أَنْت ظَالِم فَإِن فعلت لزمك أَن تذكر للشّرط جَوَابا وَلَا يجزىء مَا تقدم عَمَّا يَقْتَضِيهِ الشَّرْط من الْجَزَاء.
فَكَمَا أَن إِن فِي قَوْله: فَإِن جزعًا فِي معنى إِمَّا كَذَلِك فِي: المتقارب وَإِن من خريفٍ فَلَنْ يعدما انْتهى.
وَقَالَ أَيْضا فِي البغدايات: لَا يصلح أَن تكون إِن فِي قَوْله: فَإِن جزعًا للجزاء لدُخُول الْفَاء عَلَيْهَا وَأَنَّهَا لَو كات للجزاء للزمها الْجَواب فَلَمَّا لم تصلح أَن تكون للجزاء حملت على أَنَّهَا المحذوفة من إِمَّا.
فَهَذَا وَجه اسْتِدْلَال سِيبَوَيْهٍ بِدُخُول الْفَاء. وَذهب بَعضهم إِلَى أَن مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِي إِمَّا هُوَ أَنَّهَا)
إِن
[ ١١ / ١١٠ ]
الَّتِي للجزاء ضمت إِلَيْهَا مَا. وَهَذَا عِنْدِي غلط عَلَيْهِ
وَقد قَالَ مَا لَا يجوز مَعَه ظن هَذَا بِهِ.
أَلا ترَاهُ قَالَ: وَلَو قلت إِن جزع وَإِن إِجْمَال صَبر كَانَ جَائِزا كَأَنَّك قلت: فإمَّا أَمْرِي جزع وَإِمَّا إِجْمَال صَبر. لِأَنَّك لَو صححتها فَقلت إِمَّا جَازَ ذَلِك فِيهَا.
وَقَالَ أَيْضا: إِمَّا يجْرِي مَا بعْدهَا على الِابْتِدَاء فَفِيمَا قَالَه فِي هذَيْن الموضعن إجَازَة وُقُوع الْمُبْتَدَأ بعد إِمَّا. وَمن مذْهبه الَّذِي لَا يدفهع أَن لَا يَقع الِابْتِدَاء بعْدهَا فَكيف يكون عِنْده أَن إِمَّا إِنَّمَا هِيَ إِن الْجَزَاء وَذَلِكَ لَا يسوغ.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: ضربت إِمَّا زيدا وَإِمَّا عمرا وَتقول: ذهب إِمَّا زيد وَإِمَّا عَمْرو فول كَانَت إِن الْجَزَاء لما عمل مَا قبلهَا فِيمَا بعْدهَا ولكان ذهب فعلا فَارغًا لَا فَاعل لَهُ.
فَإِن قَالَ: يكون انتصاب الِاسْم بعده بِفعل مُضْمر كَأَنَّهُ قيل: ضربت إِن ضربت زيدا. فَلَيْسَ هَذَا الْغَرَض الْمَوْضُوع لهَذَا الْمَعْنى وَلَا الْمَفْهُوم من هَذَا اللَّفْظ.
أَلا ترى أَن المُرَاد إِنَّمَا هُوَ ضربت أَحدهمَا. على أَن ذَلِك فَاسد لِأَن ذهب يبْقى بِلَا فَاعل وَلَا يجوز أَن يضمر. وَيدل أَيْضا على فَسَاده قَوْلك: إِمَّا أَن تقوم وَإِمَّا أَن لَا تقوم وَقَوله: يَا ذَا القرنين إِمَّا أَن تعذب وَإِمَّا أَن تتَّخذ فيهم حسنا.
أَلا ترى أَن هَذَا لَو كَانَ إِن فِيهِ للجزاء لم يجز وُقُوع الْمُبْتَدَأ بعده وللزم أَن يجازى بِمَا يجازى بِهِ إِن وَلم يتَقَدَّم مَا يُغني عَن الْجَواب. فَهَذَا التَّوَهُّم على سِيبَوَيْهٍ فَاسد.
فَإِن قَالَ:: مَا أنْكرت أَن يكون مَا ذهبت إِلَيْهِ من أَن إِن فِي إِمَّا للشّرط مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ قد ذكر أَن إِن على أَرْبَعَة أوجه: المخففة وَلَيْسَ هَذَا من موَاضعهَا والنافية وَلَا نفي هُنَا وزائدة بعد مَا النافية فَلَمَّا لم يجز أَن تكون
[ ١١ / ١١١ ]
وَاحِدَة من الثَّلَاث وَجب أَن تكون الشّرطِيَّة لِأَنَّك فِي إِمَّا لَا تبت على الشَّيْء كَمَا لَا تبت فِي الْجَزَاء فَلَمَّا شابهتها فِي هَذَا الْموضع وَلم تكن وَاحِدَة من الثَّلَاث لزم أَن تكون إِيَّاهَا.
-
فَالْجَوَاب: لَيْسَ فِي قَوْله إِن أَن تكون على أَرْبَعَة أوجه مَا يُوجب أَن تكون إِن هَذِه إِن الْجَزَاء لما قدمنَا من الدَّلِيل فِي امْتنَاع ذَلِك أَن تكون إِيَّاهَا وَإِنَّمَا لم يذكر إِن هَذِه فَيَجْعَلهُ قسما خَامِسًا لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل فِي الْكَلَام إِلَّا فِي الشّعْر.
فَإِن قلت: فَمَا جِهَة الْفَائِدَة فِي إِعْلَامه أَن إِن من إِمَّا قلت: يعلم مِنْهُ أَن الْحَرْف المدغم نون وَلَيْسَ بميم لِأَن الشَّاعِر لما اضْطر فَحذف مَا وَأظْهر)
النُّون علم بِهِ أَن ذَلِك أَصله وَأَنَّهَا مركبة وَإِن أَرَادَ أَن إِمَّا أَصْلهَا إِن ثمَّ ضم إِلَيْهَا مَا كَمَا ضمت إِلَى لَو فِي لوما. فَذَلِك لَا يمْتَنع وَلَا دلَالَة على أَنَّهَا الْجَزَاء. انْتهى.
وَقد أَطَالَ من غير أَن يعين نوعها وَمَا الْمَانِع من كَونهَا فِي الأَصْل للشّرط ثمَّ لما ركبت مَعَ مَا انسلخت عَن الشَّرْط وَصَارَت مَعَ مَا لِمَعْنى آخر.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِح الْمُحَقق بقوله: وَلَا منع من تغير كعنى الْكَلِمَة وحالها بالتركيب إِلَخ.
وَقَول الشَّارِح: وَقَالَ غَيره أَي غير سِيبَوَيْهٍ: هُوَ مُفْرد غير مركب وَأول الْبَيْتَيْنِ بإن الشّرطِيَّة وَشَرطهَا كَانَ المحذوفة أَي: فَإِن كَانَ جزعًا أَقُول: الْبَيْت الأول:
[ ١١ / ١١٢ ]
قَالَ الْأَصْمَعِي وَتَبعهُ الْمبرد: إِن إِن فِيهِ شَرْطِيَّة وَالشّرط مَحْذُوف أَي: وَإِن سقته من خريف فَحذف لدلَالَة مَا قبله عَلَيْهِ وَجُمْلَة فَلَنْ يعدما: هُوَ الْجَزَاء. كَمَا تقدم. فالمحذوف فعل مَدْلُول عَلَيْهِ لَا كَانَ.
وَأما الْبَيْت الثَّانِي فقد قَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون إِن فِي شَرْطِيَّة حذف جوابها لفهم الْمَعْنى وَالتَّقْدِير: فَإِن كنت ذَا جزع فَلَا تجزع وَإِن كنت مُجمل صبرٍ فأجمل الصَّبْر. حَكَاهُ الْمرَادِي فِي الجنى الداني وَشرح التسهيل. فَكَانَ
الْمُنَاسب لتقدير الشَّارِح أَولا: إِمَّا تجزع جزعًا أَن يقدره هُنَا بِالْخِطَابِ. كَمَا حَكَاهُ الْمرَادِي.
وَنَقله عَن سِيبَوَيْهٍ أَن التَّقْدِير عِنْده: إِمَّا تجزع جزعًا خلاف الْوَاقِع كَمَا يعلم من نقلنا كَلَامه فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَإِنَّمَا قدر سِيبَوَيْهٍ إِن بإما فَأَرَادَ الشَّارِح أَن يدرج فِي نقل هَذَا أَن جزعًا مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر فَقدر تجزع بِالْخِطَابِ بِنَاء مِنْهُ على أَن المصراع الأول خطاب لمذكر بِدَلِيل: فاكذبنها بنُون التوكيد الْخَفِيفَة.
وَهَذَا تَحْرِيف من النساخ وَإِنَّمَا الرِّوَايَة فاكذبيها بِالْيَاءِ والكافان مكسورتان لِأَنَّهُ خطاب مَعَ امْرَأَته. والمصراع الثَّانِي فِيهِ الْتِفَات من خطابها إِلَى التَّكَلُّم وَلِهَذَا قدره سِيبَوَيْهٍ فِي وَجه الرّفْع بالتكلم.
قَالَ: وَإِن قلت: فَإِن جزع وَإِن إِجْمَال صَبر
كَانَ جَائِزا كَأَنَّك قلت: فإمَّا أَمْرِي جزع وَإِمَّا إِجْمَال صَبر كَمَا تقدم.
فَكَانَ الْوَاجِب ان يقدر على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ: فإمَّا أجزع جزعًا وَأما
[ ١١ / ١١٣ ]
أجمل الصَّبْر إِجْمَالا. وَأَن يقدر على مَذْهَب غَيره: فَإِن أجزع جزعًا فَأَنا مَعْذُور وَإِن أجمل الصَّبْر إِجْمَالا فَأَنا ممدوح.)
وَالرَّفْع فِي هَذَا رِوَايَة رَوَاهَا صَاحب الأغاني وَالْأسود بن مُحَمَّد الْأَعرَابِي.
وَيَنْبَغِي أَن نورد الآبيات الَّتِي روياها ليتضح مَا ذَكرْنَاهُ قَالَا: قَالَ دُرَيْد بن الصمَّة يرثي مُعَاوِيَة أَخا الخنساء. وقتلته بَنو مرّة: الوافر
(أَلا بكرت تلوم بِغَيْر قدرٍ فقد أحفيتني وَدخلت ستري)
(فَإِن لم تتركي عذلي سفاهًا تلمك عَليّ نَفسك أَي أعصر)
(أسرك أَن يكون الدَّهْر سدى عَليّ بشره يَغْدُو ويسري)
(وَإِلَّا ترزئي نفسا ومالًا يَضرك هلكه فِي طول عمري)
(فقد كذبتك نَفسك فاكذبيها فَإِن جزعٌ وَإِن إِجْمَال صَبر)
(فَإِن الرزء يَوْم وقفت أَدْعُو فَلم يسمع مُعَاوِيَة بن عَمْرو)
(رَأَيْت مَكَانَهُ فعطفت زورًا وَأي مَكَان زورٍ يَا ابْن بكر)
(وبنيان الْقُبُور أَتَى عَلَيْهَا طوال الدَّهْر من سنةٍ وَشهر)
(وَلَو أسمعته لأتاك ركضًا سريع السَّعْي أَو لأتاك يجْرِي)
(بشكة حازمٍ لَا عيب فِيهِ إِذا لبس الكماة جُلُود نمر)
(فإمَّا تمس فِي جدثٍ مُقيما بمسهكةٍ من الْأَرْوَاح قفر)
(فعز عَليّ هلكك يَا ابْن عمروٍ وَمَالِي عَنْك من عزمٍ وصبر)
[ ١١ / ١١٤ ]
قَوْله: أَلا بكرت إِلَخ فَاعله ضمير امْرَأَته. وَبكر: أسْرع أَي وَقت كَانَ. وَالْقدر بِسُكُون الدَّال: الْمبلغ والمقدار.
وَقَوله: فقد أحفيتني إِلَخ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى خطابها. والإحفاء بِالْحَاء الْمُهْملَة: الِاسْتِقْصَاء فِي الْكَلَام والمنازعة.
وَرُوِيَ بدله: فقد أحفظتني يُقَال: أحفظه بِمَعْنى أغضبهُ. وَقَوله: وَدخلت ستري أَي هجمت عَليّ فِي خلوتي وبالغت فِي اللوم.
وسفاهًا: مصدر سافهه وَالْمرَاد سفهًا وَهُوَ نقص فِي الْعقل. وَقَوله: تلمك عَليّ جَوَاب إِن.
ونفسك: فَاعله أَي تلمك نَفسك بسبي عصرًا طَويلا أَي عصرٍ وَهُوَ الدَّهْر.
وَرُوِيَ بدله: غير عصر. يَعْنِي: دعيني أبك عَلَيْهِ ليخف مَا بِي الوجد وَإِن تمنعيني أمت وجدا
وَقَوله: أسرك اسْتِفْهَام إنكاري وسدى بِمَعْنى أسدي من السدى بِالْفَتْح وَهُوَ مَا يمد فِي)
النسج.
وَقَوله: وَإِلَّا ترزئي إِلَخ أَي: وَإِن لم تتركي عذلي ترزئي. والرزء: الْمُصِيبَة وَالنَّقْص وَفعله من بَاب منع يتَعَدَّى إِلَى مفعلوين: أَحدهمَا: هُنَا نَائِب الْفَاعِل يُقَال: مَا رزأته مَاله أَي: مَا نقصته. وَجُمْلَة يَضرك هلكه: صفة لمَال.
وَقَوله: وَقد كذبتك نَفسك. . إِلَخ فِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير عَن الزَّمَخْشَرِيّ: وَقَول الْعَرَب: كَذبته نَفسه أَي: منته الْأَمَانِي وخيلت إِلَيْهِ من الآمال مَا لَا يكَاد يكون وَذَلِكَ مِمَّا يرغب الرجل فِي الْأُمُور ويبعثه على التَّعَرُّض لَهَا.
وَيَقُولُونَ فِي
[ ١١ / ١١٥ ]
عَكسه: صدقته نَفسه إِذا ثبطته وخيلت إِلَيْهِ الْعَجز والنكد فِي الطّلب. وَمن ثمَّ قَالُوا للنَّفس: الكذوب. انْتهى.
وَكذب بِفَتْح الذَّال وَفِي فاكذبيها بِكَسْرِهَا.
فَظهر بِهَذِهِ الأبيات أَن الْخطاب لمؤنث. وَلم ينتبه لَهُ من شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ غير ابْن السيرافي وَأنْشد الْبَيْتَيْنِ قبله كَذَا:
(وَإِلَّا تزرئي أَهلا ومالًا يَضرك هلكه وَيطول عمري)
فقد كذبتك نَفسك فاكذبيها . الْبَيْت وَقَالَ: يُخَاطب امْرَأَته.
-
وَلما لم يقف الأعلم على الأبيات وسببها ظن أَنه خطاب لمذكر فَقَالَ وَتَبعهُ ابْن خلف قَالَه دُرَيْد معزيا لنَفسِهِ عَن أَخِيه عبد الله بن الصمَّة وَكَانَ قد قتل: لقد كذبتك نَفسك فِيمَا منتك بِهِ من الِاسْتِمْتَاع بحياة أَخِيك فاكذبنها فِي كل مَا تمنيك بِهِ بعد فإمَّا أَن تجزع لفقد أَخِيك وَذَلِكَ لَا يجدي عَلَيْك شَيْئا وَإِمَّا أَن تجمل الصَّبْر فَلذَلِك أجدى عَلَيْك. هَذَا كَلَامه. وَالرِّوَايَة إِنَّمَا هِيَ فقد إِلَى آخر مَا ذكرنَا.
[ ١١ / ١١٦ ]
وَأنْشد الْعَيْنِيّ الْبَيْت بالتذكير وروى أَوله: وَقد كذبتك وَقَالَ: الْوَاو للْعَطْف إِن تقدمه شَيْء وعَلى هَذَا النمط شرح الْبَيْت.
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِن المصارع الثَّانِي الْتِفَات إل التَّكَلُّم لقَوْل سِيبَوَيْهٍ فِي رَفعه: أَمْرِي جزع. وَإِلَّا فَالظَّاهِر أَنه من بَقِيَّة الْخطاب وَأَن تَقْدِيره فإمَّا تجزعين جوزعًا وَذَلِكَ لَا فَائِدَة فِيهِ وَإِمَّا تجملين)
الصَّبْر إِجْمَالا وَهُوَ أجدى.
وَقَوله: فَلم يسمع مُعَاوِيَة فعل وفاعل وَرُوِيَ: فَلم أسمع من الإسماع وَمُعَاوِيَة مَفْعُوله.
وَقَوله: رَأَيْت مَكَانَهُ فعطفت زورًا أَي: لأجل الزِّيَارَة وَقَوله: وَأي مَكَان زور اسْتِفْهَام أَرَادَ بِهِ النَّفْي. وَيَا ابْن بكر خطاب لنَفسِهِ. وَبكر جده كَمَا يَأْتِي.
وَقَوله: على إرم مُتَعَلق بزور الثَّانِي. وإرم بِكَسْر الْهمزَة وَفتح الرَّاء وَهِي حِجَارَة تنصب علما فِي المفاوز. شبه أَحْجَار قَبره بهَا.
وصير: جمع صيرة بِكَسْر الصَّاد الْمُهْملَة وَهِي حَظِيرَة الْغنم شبه مَا حول قَبره بهَا.
وَرُوِيَ بدله: وأحجار ثقال. والسلمات: جمع سَلمَة وَهِي شجر من أَشجَار الْبَادِيَة تقطع أَغْصَانهَا وتوضع على الْقَبْر ووصفها بالسمر ليبسها.
-
وَقَوله: وبنيان الْقُبُور مُبْتَدأ وَجُمْلَة أَتَى إِلَخ خَبره. وطوال بِالْفَتْح بِمَعْنى طول فَاعل أَتَى.
وَقَوله: بشكة حَازِم مُتَعَلق بأتاك. والشكة بِالْكَسْرِ: السِّلَاح. والحازم: المتيقظ.
وَقَوله: لَا عيب فِيهِ رُوِيَ بدله: لَا غمز فِيهِ أَي:
[ ١١ / ١١٧ ]
لَا مطْعن فِيهِ. والكمأة: الشجعان جمع كمي بِوَزْن فعيل. قَالَ صَاحب الأغاني: أَي: كَأَن ألوانهم ألوان النمر: سَواد وَبَيَاض من السِّلَاح.
والجدث: بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال: الْقَبْر. والمسهكة بِفَتْح الْمِيم وَالْهَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة بَينهمَا: ممر الرّيح.
وَإِنَّمَا رثاه بِهَذِهِ القصيدة مَعَ أَنه لم يكن من قومه لما رَوَاهُ صَاحب الأغاني قَالَ: تحالف دُرَيْد بن الصمَّة وَمُعَاوِيَة بن عَمْرو وتواثقًا: إِن هلك أَحدهمَا أَن يرثيه الْبَاقِي بعده وَإِن قتل أَن يطْلب بثأره فَقتل مُعَاوِيَة بن عمروٍ وَقَتله هَاشم بن حَرْمَلَة المري فرثاه دُرَيْد بِهَذِهِ القصيدة.
ودريد: مصغر أدرد يُقَال: رجل أدرد وَامْرَأَة درداء وَهُوَ الَّذِي كبر حَتَّى سَقَطت أَسْنَانه فَصَارَ يعَض على دردره. وَمِنْه أَبُو الدَّرْدَاء. والصمة بِكَسْر الصَّاد وَتَشْديد الْمِيم مَعْنَاهُ الشجاع.
قَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين: عَاشَ دُرَيْد بن الصمَّة الْجُشَمِي نَحوا من مِائَتي سنة حَتَّى سقط حاجباه على عَيْنَيْهِ وَأدْركَ الْإِسْلَام وَلم يسلم وَقتل يَوْم حنين كَافِرًا.
وَقَالَ صَاحب الأغاني: دُرَيْد بن الصمَّة اسْمه مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن بكر
ابْن عَلْقَمَة ابْن خُزَاعَة بن غزيَّة بن جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان ودريد بن الصمَّة فَارس شُجَاع شَاعِر فَحل.)
وَجعله مُحَمَّد بن سَلام أول شعراء الفرسان وَقد كَانَ أطول الفرسان الشُّعَرَاء غزوًا وأبعدهم أثرا وَأَكْثَرهم ظفرًا وأيمنهم نقيبة عِنْد الْعَرَب وأشعرهم.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ دُرَيْد سيد بني جشم وفارسهم وَقَائِدهمْ وَكَانَ مضفرًا مَيْمُون النقيبة غزا نَحْو مائَة غزَاة وَمَا أخفق فِي وَاحِدَة مِنْهَا وَأدْركَ الْإِسْلَام وَلم يسلم وَخرج مَعَ قومه فِي يَوْم حنين مُظَاهرا للْمُشْرِكين وَلَا فضل فِيهِ للحرب وَإِنَّمَا أَخْرجُوهُ
[ ١١ / ١١٨ ]
تيمنًا بِهِ وليقتبسوا من رَأْيه فَقتل وَكَانَ لدريد إخْوَة وهم: عبد الله الَّذِي قتلته غطفان وَعبد يَغُوث وَقَتله بَنو مرّة وَقيس وَقَتله بَنو أبي بكر بن كلاب وخَالِد وَقَتله بَنو الْحَارِث بن كَعْب.
وأمهم جَمِيعًا: رَيْحَانَة بنت معد يكرب الزبيدِيّ أُخْت عَمْرو بن معد يكرب كَانَ الصمَّة سباها ثمَّ تزَوجهَا فأولدها بنيه وَإِيَّاهَا عَنى عَمْرو أَخُوهَا لقَوْله فِي شعره: الوافر
(أَمن رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع يؤرقني وأصحابي هجوع)
(إِذا لم تستطع شَيْئا فَدَعْهُ وجاوزه إِلَى مَا تَسْتَطِيع)
وَلما افْتتح رَسُول الله ﷺ َ مَكَّة لعشر ليالٍ بَقينَ من رَمَضَان سَمِعت بِهِ هوزان فجمعها مَالك بن عَمْرو النصري فاجتمعت إِلَيْهِ ثَقِيف مَعَ هوزان
وَلم يجْتَمع إِلَيْهِ من قيس إِلَّا هوزان وناس قَلِيل من بني هِلَال وَغَابَتْ عَنْهَا كَعْب وكلاب فَجمعت نصر وجشم وَسعد وَبَنُو بكر وَثَقِيف واحتشدت وَفِي بني جشم دُرَيْد بن الصمَّة شيخٌ كَبِير فانٍ لَيْسَ فيخ شَيْء إِلَّا التَّيَمُّن بِرَأْيهِ ومعرفته بِالْحَرْبِ.
وَكَانَ شجاعًا مجربًا وجماع أَمر النَّاس إِلَى مَالك بن عَوْف فَلَمَّا أجمع مَالك الْمسير حط مَعَ النَّاس أَمْوَالهم وأبناءهم ونساءهم فَلَمَّا نزلُوا بأوطاس اجْتمع إِلَيْهِ النَّاس وَفِيهِمْ دُرَيْد بن الصمَّة فِي شجارٍ لَهُ يُقَاد بِهِ فَقَالَ لَهُم دُرَيْد: بِأَيّ وادٍ أَنْتُم قَالُوا: بأوطاس. قَالَ: نعم مجَال الْخَيل لَيْسَ بالحزن الضرس وَلَا السهل الدهس مَا لي أسمع رُغَاء الْبَعِير ونهاق الْحمير وبكاء الصَّغِير وثغاء الشَّاء قَالُوا: سَاق مَالك بن عَوْف مَعَ النَّاس أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَأَمْوَالهمْ.
فَقَالَ: أَيْن مَالك فدعى لَهُ بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا مَالك إِنَّك قد أَصبَحت رَئِيس قَوْمك وَإِن هَذَا يَوْم كَائِن لَهُ مَا بعده من الْأَيَّام مَا لي أسمع رُغَاء الْبَعِير ونهيق الْحمير وبكاء الصّبيان وثغاء الشَّاء)
قَالَ:
[ ١١ / ١١٩ ]
سقت مَعَ النَّاس نِسَاءَهُمْ وأبناءهم وَأَمْوَالهمْ: قَالَ: وَلم قَالَ: أردْت أَن أجعَل خلف كل رجل أَهله وَمَاله لِيُقَاتل عَنْهُم.
فوبخه ولامه ثمَّ قَالَ: راعي ضَأْن وَالله أَي: أَحمَق وَهل يرد المنهزم شَيْء إِنَّهَا إِن كَانَت لَك لم ينفعك إِلَّا رجل بِسَيْفِهِ وَرمحه وَإِن كَانَت عَلَيْك فضحت فِي أهلك وَمَالك. ثمَّ قَالَ: مَا فعلت كَعْب وكلاب قَالَ: لم يشْهد مِنْهُم أحد. قَالَ: غَابَ الْجد وَالْحَد لَو كَانَ يَوْم عَلَاء ورفعة لم يغيبوا عَنْك ولوددت أَنكُمْ فَعلْتُمْ مثل مَا فعلوا فَمن شهد مِنْهُم قَالَ: بَنو عَمْرو بن عَامر وَبَنُو عَوْف بن عَامر. قَالَ: ذَانك الجذعان من عَامر لَا يضران وَلَا ينفعان. ثمَّ قَالَ: يَا مَالك إِنَّك لم تصنع شَيْئا بِتَقْدِيم الْبَيْضَة بَيْضَة هوزان إِلَى نحور الْخَيل شَيْئا ارفعها إِلَى أَعلَى بلادها
وعلياء قَومهَا ثمَّ الق بِالرِّجَالِ على متون الْخَيل فَإِن كَانَت لَك لحق بك من وَرَاءَك وَإِن كَانَت عَلَيْك كنت أحرزت مَالك وَأهْلك وَلم تفضح فِي حريمك.
فَقَالَ: لَا وَالله مَا أفعل ذَلِك أبدا إِنَّك قد خرفت وخرف رَأْيك وعلمك وَالله لتطيعنني يَا معاشر هوَازن أَو لأتكئن على السَّيْف حَتَّى يخرج من ظَهْري. وحسد دريدًا أَن يكون لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم ذكر ورأي. فقالو لَهُ: أطعناك وَخَالَفنَا دريدًا.
فَقَالَ دُرَيْد: هَذَا يَوْم لم أشهده وَلم أغب عَنهُ ثمَّ قَالَ: منهوك الرجز.
(يَا لَيْتَني فِيهَا جذع أخب فِيهَا وأضع)
(أَقُود وطفاء الزمع كَأَنَّهَا شاةٌ صدع)
فَلَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُول الله ﷺ َ انهزم الْمُشْركُونَ فَأتوا الطَّائِف وَمَعَهُمْ مَالك بن عَوْف النصري وعسكر بَعضهم بأوطاس وَتوجه بَعضهم نَحْو نَخْلَة
[ ١١ / ١٢٠ ]
وتبعت خيل رَسُول الله ﷺ َ من سلك نَخْلَة فَأدْرك ربيعَة ابْن رفيع السّلمِيّ دُرَيْد بن الصمَّة فَأخذ بِخِطَام جمله وَهُوَ يظنّ أَنه امْرَأَة وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي شجارٍ لَهُ فَأَنَاخَ بِهِ فَإِذا هُوَ بِرَجُل شيخ كَبِير وَلم يعرفهُ الْغُلَام فَقَالَ لَهُ دُرَيْد: مَاذَا تُرِيدُ قَالَ: أَقْتلك. قَالَ: وَمن أَنْت قَالَ: ربيعَة بن رفيع السّلمِيّ. فأنشًا دُرَيْد يَقُول: المتقارب
(
فأقسم لَو أَن بِي قُوَّة لظلت فرائصه ترْعد)
(وَيَا لهف نَفسِي أَن لَا تكو ن معي قُوَّة الشامخ الْأَمْرَد)
ثمَّ ضربه السّلمِيّ بِسَيْفِهِ فَلم يغن شَيْئا فَقَالَ: بئْسَمَا سلحتك أمك خُذ سَيفي هَذَا من)
مؤخرة رحلي فِي القراب فَاضْرب بِهِ وارفع عَن الْعِظَام واخفض عَن الدِّمَاغ فَإِنِّي كَذَلِك كنت أضْرب الرِّجَال ثمَّ إِذا أتيت أمك فَأَخْبرهَا أَنَّك قتلت دُرَيْد بن الصمَّة فَرب بوم قد منعت فِيهِ نِسَاءَك فَلَمَّا ضربه سقط فانكشف فَإِذا عجانه وبطن فَخذيهِ مثل الفراطيس من ركُوب الْخَيل أعراء. فَلَمَّا رَجَعَ ربيعَة أخبر أمه بقتْله إباه فَقَالَت: قد أعتق قتيلك ثَلَاثًا من أمهاتك
[ ١١ / ١٢١ ]
وَأنْشد بعده