الطَّوِيل
(كأنّ دثارًا حلّقت بلبونه عِقَاب تنوفي لَا عِقَاب القواعل)
على أَن فِيهِ ردًّا على الزجاجي فِي مَنعه مَجِيء لَا العاطفة بعد الْفِعْل الْمَاضِي.
قَالَ الْخفاف فِي شرح الْجمل الزجاجية: اخْتلفُوا فِي الْعَطف بِلَا بعد الْمَاضِي نَحْو قَوْلك: قَامَ زيد لَا عَمْرو فَمنهمْ من أجَاز ذَلِك وهم جلّ النَّحْوِيين.
وَمِنْهُم من منع ذَلِك وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو الْقَاسِم الزجاجي فِي مَعَاني الْحُرُوف وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن لَا لَا يَنْفِي الْمَاضِي بهَا وَإِذا عطف بهَا بعده كَانَت نَافِيَة لَهُ فِي الْمَعْنى فَلذَلِك لم يجز الْعَطف بهَا بعد الْمَاضِي لِأَنَّك إِذا قلت: قَامَ زيد لَا عَمْرو كَأَنَّك قلت: لَا قَامَ زيد وَلَا عَمْرو وَهَذَا لَا يجوز فَكَذَلِك مَا فِي مَعْنَاهُ.
وَالَّذِي يدل على فَسَاد مَا ذهب إِلَيْهِ أَنه قد يَنْفِي بهَا الْمَاضِي قَلِيلا نَحْو قَوْله تَعَالَى: فَلَا صدق وَلَا صلى يُرِيد: لم يصدق وَلم يصل.
فَإِذا جَازَ أَن يَنْفِي بهَا الْمَاضِي فِي اللَّفْظ فالأحرى أَن تكن نَافِيَة لَهُ فِي الْمَعْنى. وَمِمَّا ورد من الْعَطف بهَا بعد الْمَاضِي قَوْله: كَأَن دثارًا حلقت بلبونه الْبَيْت فعطف بهَا بعد حلقت وَهُوَ مَاض. انْتهى.
-
وَالْبَيْت من أَبْيَات لامريء الْقَيْس الْكِنْدِيّ وَهِي:
[ ١١ / ١٧٧ ]
(دع عَنْك نهبًا صِيحَ فِي حجراته وَلَكِن حَدِيثا مَا حَدِيث الرَّوَاحِل)
(كَأَن دثارًا حلقت بلبونه عِقَاب تنوفي لَا عِقَاب القواعل)
(تلعب باعثٌ بِذِمَّة خالدٍ وأودى دثارٌ فِي الخطوب الْأَوَائِل)
(أَبَت أجأ أَن تسلم الْعَام جارها فَمن شَاءَ فلينهض لَهَا من مقَاتل)
(تيبيت لبوني بالقرية أمنا وأسرحها غبا بِأَكْنَافِ حَائِل)
(بَنو ثعلٍ جِيرَانهَا وحماتها وتمنع من رجال سعدٍ ونائل)
(تلاعب أَوْلَاد الوعول رباعها دوين السَّمَاء فِي رُؤُوس المجادل)
(مكللةً حَمْرَاء ذَات أسرةٍ لَهَا حبكٌ كَأَنَّهَا من وصائل»
وسببها أَن امْرأ الْقَيْس بعدان قتل أَبوهُ ذهب يستجير بالعرب فبعض يقبله وَبَعض يردهُ فطمعت فِيهِ الْعَرَب.
وَفِي أثْنَاء ذَلِك نزل على خَالِد بن سدوس بن أصمع النبهاني الطَّائِي فَأَغَارَ عَلَيْهِ باعث بن حويص الطَّائِي وَذهب بإبله.
-
فَقَالَ لَهُ جَاره خَالِد: أَعْطِنِي صنائعك ورواحلك حَتَّى أطلب عَلَيْهَا مَالك. فَفعل امْرُؤ الْقَيْس فانطوى عَلَيْهَا وَيُقَال بل لحق بالقوم فَقَالَ لَهُم: أَغَرْتُم على جاري يَا بني جديلة.
قَالُوا: وَالله مَا هُوَ لَك بجار قَالَ: بلَى وَالله مَا هَذِه الْإِبِل الَّتِي مَعكُمْ إِلَّا كالرواحل الَّتِي تحتي.
فَقَالُوا: هُوَ كَذَلِك. فأنزلوه وذهبوا بهَا فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس فِيمَا هجاه بِهِ: دع عَنْك نهبًا الْبَيْت يَقُول لخَالِد: دع النهب الَّذِي نهبه باعث وَلَكِن حَدثنِي عَن الرَّوَاحِل الَّتِي ذهبت بهَا
[ ١١ / ١٧٨ ]
أَنْت. وَهَذَا الْبَيْت صَار مثلا يضْرب لمن ذهب من مَاله شَيْء ثمَّ ذهب بعده مَا هُوَ أجل مِنْهُ.
وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي: أَحدهمَا: فِي عَن قَالَ: إِنَّهَا تَأتي اسْما بِمَعْنى جَانب فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع ثَالِثهَا: أَن يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى وَاحِد. قَالَه الْأَخْفَش وَذَلِكَ كَقَوْل امْرِئ الْقَيْس: دع عَنْك نهبًا الْبَيْت وَذَلِكَ لِئَلَّا يُؤَدِّي إِلَى تعدِي فعل الْمُضمر الْمُتَّصِل إِلَى ضَمِيره الْمُتَّصِل.
وَقد تقدم الْجَواب عَن هَذَا. وَمِمَّا يدل على أَنَّهَا لَيست هُنَا اسْما أَنَّهَا لَا يَصح حُلُول الْجَانِب محلهَا. انْتهى.
يُرِيد: تقدم الْجَواب فِي على بِأَنَّهُ مُتَعَلق بِمَحْذُوف أَو فِيهِ مُضَاف مَحْذُوف أَي: عَن نَفسك.
والموضع الثَّانِي فِي أول الْبَاب الْخَامِس أوردهُ كَالْأولِ.
والنهب: الْغَنِيمَة وكل مَا انتهب. وَهُوَ على حذف مُضَاف أَي: ذكر
نهب. وصيح: مَجْهُول صَاح وَفِي حجراته: نَائِب الْفَاعِل.
والحجرات بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم: جمع حجرَة بِسُكُون الْجِيم كتمرات جمع تَمْرَة. والحجرة: وحديثًا: عَامله مَحْذُوف أَي: وَلَكِن حَدثنِي حَدِيثا. وَمَا استفهامية مُبْتَدأ وَحَدِيث: خَبره.
يَقُول: اترك ذكر الَّذِي انتهبه باعث وحَدثني عَن الرَّوَاحِل الَّتِي أَنْت ذهبت بهَا.)
وَقد أَخطَأ ابْن الملا من جِهَة الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب فِي قَوْله: أَي: اترك نهب المَال واشتغل بِأَمْر النِّسَاء ذَوَات الرَّوَاحِل. وَمَا: زَائِدَة وَحَدِيث الرَّوَاحِل بدل من حَدِيثا بدل معرفَة من نكرَة.
انْتهى.
[ ١١ / ١٧٩ ]
وَقَوله: كَأَن دثارًا رحلقت إِلَخ دثار: هُوَ راعي امرىء الْقَيْس وَهُوَ دثار بن فقعس بن طريف من بني أَسد. وحلقت: من التحليق وَهُوَ ارْتِفَاع الطير فِي الجو.
واللبون بِفَتْح اللَّام وَضم الْمُوَحدَة من الْإِبِل وَالشَّاة: ذَات اللَّبن. وَأَرَادَ الْإِبِل الَّتِي لَهَا ألبان وَهُوَ اسْم جنس مُضَاف فَيعم فيكمون المُرَاد الْأَفْرَاد.
قَالَ الدماميني: قلت: وَبِتَقْدِير أَن يكون إِضَافَة اسْم الْجِنْس تفِيد الْعُمُوم لم يتَعَيَّن أَن يكون هَذَا مُرَاد الشَّاعِر إِذْ يحْتَمل أَن يكون المُرَاد بلبونة وَاحِدَة لَا غير وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يَدْفَعهُ فَأَيْنَ الْجَزْم بِالْعُمُومِ انْتهى.
وَهَذَا إِيرَاد مِنْهُ على قَول ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على الْبَيْت: واللبون: نُوق ذَات لبن. وَهَذَا ناشيء من عدم الِاطِّلَاع على منشأ الشّعْر. وَالْعِقَاب بِالضَّمِّ: طَائِر مَعْرُوف.
-
وَرُوِيَ أَيْضا: ينوفى بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة من أَوله. وَرُوِيَ أَيْضا: تنوف بِالْوَجْهَيْنِ من أَوله وَبلا ألف فِي آخِره.
هَكَذَا ضَبطه أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم عِنْد ذكره القواعل وَقَالَ: تنوفي أَي: جبل مشرف وَقَالَ الْأَصْمَعِي: هُوَ مَوضِع بِبِلَاد طَيئ.
وَقَالَ ابْن جني: عقبَة مَشْهُورَة سميت بالنوف وَهُوَ مَا علا من الأَرْض وَامْرَأَة نياف أَي: طَوِيلَة قلبت الْوَاو يَاء. والقواعل بِفَتْح الْقَاف وَكسر الْعين الْمُهْملَة على لفظ الْجمع: أجبل من سلمى فِي بِلَاد طَيئ. انْتهى.
وَفِي مُعْجم الْبلدَانِ لياقوت قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: القواعل: مَوضِع فِي جبل. وَكَانَ قد أغير على إبل امْرِئ الْقَيْس مِمَّا يَلِي تنوف. وروى أَبُو عبيد:
[ ١١ / ١٨٠ ]
تنوفًا. وَقَالُوا: هُوَ مَوضِع وَهُوَ جبل عَال.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: القواعل واحدتها قاعلة وَهِي جبال صغَار وَقيل: القواعل جبل دون تنوفي.
انْتهى.
وَفِي شرح أَبْيَات الْمُغنِي للسيوطي: تنوفي بِفَتْح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: جبل عَال. والقواعل: جبال صغَار.)
وَفِي أمالي ثَعْلَب القوعلة والقيعلة وَالْجمع قواعل. وَأنْشد الْبَيْت.
قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: أَخبث العقبان مَا أَوَى فِي الْجبَال المشرفة. وَهَذَا مثل. أَرَادَ: كَأَن دثارًا ذهبت بلونه ذَاهِبَة أَي: آفَة. وَأَرَادَ: أَنه أغير عَلَيْهِ من قبل تنوفى. انْتهى.
وَكَذَا قَالَ الْعَيْنِيّ.
وَقَضِيَّة صَاحب الْقَامُوس أَنه بِالْمدِّ لِأَنَّهُ قَالَ: وتنوفاء كجلولاء: ثنية مشرفة قرب القواعل.
وَيُقَال: ينوفاء بالتحتية فَيكون مَحَله ن وف. وَقَالَ فِيهَا: وينوفى أَو تنوفى أَو تنوف: مَوضِع بجبلي طَيئ. انْتهى.
وَلم يضبطه أحد بِالْمدِّ وَإِنَّمَا هُوَ شيئ قَالَه ابْن جني بحثا كَمَا يَأْتِي.
-
وتنوفي من الأوزان الَّتِي استدركت على سِيبَوَيْهٍ بِأَنَّهُ لم يذكرهَا. والأوزان الَّتِي استدركت عَلَيْهِ ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ وزنا على مَا ذكرهَا ابْن جني فِي الخصائص وَأجَاب عَنْهَا وَاحِدًا بعد وَاحِد.
قَالَ: وَأما تنوفى فمختلف فِي أمرهَا وَأكْثر أحوالها ضعف رِوَايَتهَا وَالِاخْتِلَاف الْوَاقِع فِي لَفظهَا وَإِنَّمَا رَوَاهَا السكرِي وأسندها إِلَى امْرِئ الْقَيْس فِي قَوْله: عِقَاب تنوفى لَا عِقَاب القواعل وَالَّذِي رويته عَن أَحْمد بن يحيى:
[ ١١ / ١٨١ ]
عِقَاب تنوفٍ لَا عِقَاب القواعل وَقَالَ: القواعل: آكام حولهَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هِيَ ثنية طي. كَذَا رَوَاهَا ابْن الْأَعرَابِي وَأَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ. وَرِوَايَة أبي عُبَيْدَة: تنوفي.
وَأَنا أرى أَن تنوف لَيست فعولًا بل هِيَ تفعل من النوف وَهُوَ الِارْتفَاع وَسميت بذلك لعلوها وَمِنْه: أناف على الشَّيْء إِذا ارْتَفع عَلَيْهِ والنيف فِي الْعدَد من هَذَا. وتنوف فِي أَنه علم على تفعل بِمَنْزِلَة يشْكر ويعصر.
وَقلت مرّة لأبي عَليّ وَهَذَا الْموضع يقْرَأ عَلَيْهِ من كتاب أصُول أبي بكر: يجوز أَن يكون تنوفى مَقْصُورَة من تنوفاء بِمَنْزِلَة بروكاء فَسمع ذَلِك وَعرف صِحَّته.
وَكَذَلِكَ القَوْل عِنْدِي فِي مسولي فِي بَيت المرار: الطَّوِيل
(فَأَصْبَحت مهمومًا كَأَن مطيتي بِحَيْثُ مسولى أَو بوجرة ظالع
)
يَنْبَغِي تكون مَقْصُورَة من مسولاء بِمَنْزِلَة جَلُولَاء فَإِن قلت: فَإنَّا لم نسْمع بتنوفى وَلَا بمسولى)
ممدودين وَلَو كَانَا أَو أَحدهمَا ممدودًا لخرج ذَلِك إِلَى الِاسْتِعْمَال.
قيل: وَلم يكثر أَيْضا اسْتِعْمَال هذَيْن الاسمين وأنما جَاءَا فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ. بل لَو كثر استعمالهما مقصورين لصَحَّ مَا أوردته فَإِنَّهُ يجوز أَن يكون ألف تنوفى إشباعًا للفتحة لَا سِيمَا وَقد روينَاهُ تنوف مَفْتُوحًا مَا ترى وَتَكون هَذِه الْألف مُلْحقَة مَعَ الإشباع لإِقَامَة الْوَزْن.
[ ١١ / ١٨٢ ]
ينباع من ذفرى غضوب جسرةٍ إِنَّمَا هُوَ إشباع للفتحة طلبا لإِقَامَة الْوَزْن.
أَلا ترى أَنه لَو قَالَ: يَنْبع من ذفرى لصَحَّ الْوَزْن إِلَّا أَن فِيهِ زحافًا هُوَ الخزل.
كَمَا أَنه لَو قَالَ: تنوف لَكَانَ الْجُزْء مَقْبُوضا فالإشباع فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِذن إِنَّمَا هُوَ مَخَافَة الزحاف الَّذِي مثله جَائِز. انْتهى كَلَامه.
هَذَا وَقد رُوِيَ أَيْضا: عِقَاب ملاعٍ لَا عِقَاب القواعل والملاع بِفَتْح الْمِيم وبالعين الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: هِيَ الْمَفَازَة الَّتِي لَا نَبَات بهَا.
-
وَمن أمثالهم: أودت بِهِ عِقَاب ملاع قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال ذَلِك فِي الْوَاحِد وَالْجمع وَهُوَ شَبيه بقَوْلهمْ: طارت بِهِ العنقاء وحلقت بِهِ عنقاء مغرب.
وَفِي الْقَامُوس: الملاع كسحاب: الْمَفَازَة لَا نَبَات بهَا وكقطام وسحاب وَقد يمْنَع. وَأَرْض أضيفت إِلَيْهَا عِقَاب فِي قَوْلهم: أودت بِهِ عِقَاب ملاع أَو ملاعٌ من نعت الْعقَاب أَو عِقَاب ملاع هِيَ العقيب الَّتِي تصيد الجرذان فارسيته: موش خوار. انْتهى.
وَقَالَ ابْن دُرَيْد: الملع: السرعة. وعقاب ملاع: سريع وَأنْشد:
[ ١١ / ١٨٣ ]
قل: وَتَفْسِير هَذَا الْبَيْت أَن الْعقَاب كلما علت فِي الْجَبَل كَانَ أسْرع لانقضاضها. يَقُول: هَذَا عِقَاب ملاع إِذا العالي يهوي من علوه وَلَيْسَت بعقاب القواعل وَهِي الْجبَال الصغار. انْتهى.
وَقَالَ حَمْزَة الْأَصْفَهَانِي فِي أَمْثَاله: أبْصر من عِقَاب ملاع قَالَ مُحَمَّد بن حبيب: ملاع: اسْم هضبة. وَقَالَ غَيره: اسْم الصَّحرَاء وَيُقَال للْأَرْض المستوية الواسعة: ملاع.
-
قَالَ الشَّاعِر: كَأَن دثارًا حلقت بلبونه الْبَيْت وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مستقصى الْأَمْثَال: أبْصر من عِقَاب ملاع بِالْوَصْفِ ويروى: من عِقَاب ملاع)
بِالْإِضَافَة وملاع كقطام: الصَّحرَاء وعقابها أبْصر من عِقَاب الْجَبَل.
قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: كَأَن دثارًا حلقت الْبَيْت والقواعل: رُؤُوس الْجبَال وَقيل: ملاع صفة لَهَا من الملع هُوَ السرعة. وَلَيْسَ بِوَجْه فِي الْبَيْت لقَوْله: لَا عِقَاب القواعل.
وَيجوز أَن تكون غير منصرفة وعَلى هَذَا تنون فِي الْبَيْت لِأَن غير المنصرف سَائِغ صرفه فِي الشّعْر وَلَا يستحسن إِيثَار منع الصّرْف مَعَ الْقَبْض على سَلامَة الْجُزْء مَعَ الصّرْف وبصر الْعقَاب ومدح أَعْرَابِي رجلا فَقَالَ: هُوَ أصح بصرًا من الْعقَاب وَأَيْقَظَ عينا من الْغُرَاب وأصدق حسا من الْأَعْرَاب. انْتهى.
[ ١١ / ١٨٤ ]
وَقَوله: وأعجبني مشي الحذقة خَالِد إِلَخ الحزقة بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْقَاف وَهُوَ الْقصير الْعَظِيم الْبَطن وخالدٍ بِالْجَرِّ: عطف بَيَان لَهُ.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: الحزقة لقبٍ وَيُقَال: ضرب من الْمَشْي. فَمن جعله ضربا من الْمَشْي نَصبه وَمن جعله لقبًا رَفعه. انْتهى.
-
وَلم أفهم مَعْنَاهُ على أَن الحزقة لم أره بِمَعْنى الْمَشْي.
وحلئت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول من حلئت الْإِبِل عَن المَاء تحلئة بالهمزٍ. إِذا طردتها عَنهُ. ومنعتها أَن ترده. والأتان: أُنْثَى الْحمار شبهه بهَا تحقيرًا لَهُ.
والمناهل: جمع منهل كجعفر: المورد وَهُوَ عين مَاء ترده الْإِبِل. كَذَا فِي المصابح.
وَقَوله: أَبَت أجأ إِلَخ أجأ بِالْهَمْز: جبل. وَجَاء فِي الشّعْر غير مَهْمُوز.
قَالَ العجاج: الرجز
(فَإِن تصير ليلى بسلمى أَو أجا أَو باللوى أَو ذِي حسا أَو يأججا)
(إِلَى نضدٍ من عبد شمسٍ كَأَنَّهُمْ هضاب أجًا أَرْكَانه لم تقصف)
[ ١١ / ١٨٥ ]
وَمن الْعَجَائِب قَول الْعَيْنِيّ: أجأ أحد جبلي طَيئ وَهُوَ مؤنث وَمن الْعَرَب من لَا يهمزه. وَكَذَا هُنَا للضَّرُورَة. انْتهى.
وَلَا يخفى أَنه لَا يتزن الْبَيْت إِلَّا بِالْهَمْز.)
قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: أجأ بِوَزْن فعلأ بِالتَّحْرِيكِ مَهْمُوز مَقْصُور وَالنِّسْبَة إِلَيْهِ أجئيٌ بِوَزْن أجعي. وَهُوَ علم مرتجل لاسم رجل سمي بِهِ الْجَبَل.
-
وَيجوز أَن يكون مَنْقُولًا وَمَعْنَاهُ الْفِرَار كَمَا حكى بن الْأَعرَابِي: أجأ الرجل إِذا فر.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أجأ وسلمى: جبلان عَن يسَار سميراء وَقد رأيتهما شاهقان وَلم يقل عَن يسَار القاصد إِلَى مَكَّة أَو المنصرف عَنْهَا.
وَقَالَ أَبُو عبيد السكونِي: أجأ: أحد جبلي طَيء وَهُوَ غربي فيدٍ إِلَى أقْصَى أجأ وَإِلَى القريات من نَاحيَة الشَّام.
وَبَين الْمَدِينَة والجبلين على غير الجادة ثَلَاث مراحل وَبَين الجبلين وتيماء جبال وَمِنْهَا دبر وعرنان وَغسل وَبني كل جبلين يَوْم وَبَين الجبلين وفدك لَيْلَة وَبَينهمَا وَبَين خَيْبَر خمس لَيَال.
[ ١١ / ١٨٦ ]
ذكر الْعلمَاء بأخبار الْعَرَب أَن أجأ سمي باسم رجل وسلمى سمي باسم امْرَأَة.
وَكَانَ من خبرهما أَن رجلا من العماليق يُقَال لَهُ: أجأ بن عبد الْحَيّ عشق امْرَأَة من قومه يُقَال لَهَا: سلمى وَكَانَ لَهَا حاضنة يُقَال لَهَا: العوجاء فَكَانَا يَجْتَمِعَانِ فِي منزلهَا حَتَّى نذر بهما إخْوَة سلمى وهم: الغميم والمضل وفدك وفائد والحدثان وَزوجهَا.
-
فخافت سلمى وهربت هِيَ أوجأ والعوجاء وتبعهم زَوجهَا وَأُخُوَّتهَا فَلَحقُوا سلمى على الْجَبَل الْمُسَمّى سلمى فَقَتَلُوهَا هُنَاكَ فَسُمي الْجَبَل باسمها.
وَلَحِقُوا العوجاء على هضبة بَين الجبلين فَقَتَلُوهَا هُنَاكَ فَسُمي الْمَكَان بهَا لَحِقُوا أجأ فِي الْجَبَل الْمُسَمّى بأجأ فَقَتَلُوهُ فِيهِ فَسُمي بِهِ وأنفوا ان يرجع إِلَى قَومهمْ فَصَارَ كل وَاحِد إِلَى مَكَان فَأَقَامَ بِهِ فَسُمي ذَلِك الْمَكَان باسمه.
قَالَ عبيد الله ياقوت: وَهَذَا أحد مَا استدللنا بِهِ على بطلَان مذ ذكره النحويون من أَن أجأ مُؤَنّثَة غير منصرفة لِأَنَّهُ جبل مُذَكّر سمي باسم رجل وَهُوَ مُذَكّر. وَكَانَ غَايَة مَا التزموا بِهِ قَول امْرِئ الْقَيْس: أَبَت أجأ أَن تسلم الْعَام الْبَيْت وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الْحَبل نَفسه لَا يسلم أحدا وَلَا يسلم إِنَّمَا يمْنَع من فِيهِ من الرِّجَال.
فَالْمُرَاد: أَبَت قبائل أجأ أَو سكان أجأ وَمَا أشبهه فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ يدل على ذَلِك عجز الْبَيْت وَهُوَ قَوْله:)
[ ١١ / ١٨٧ ]
فَمن شَاءَ فلينهض لَهَا من مقَاتل والجبل نَفسه لَا يُقَاتل والمقاتلة مفاعلة وَلَا تكون من وَاحِد. ووقف على هَذَا من كلامنا نحويٌ من أصدقائنا وَأَرَادَ الِاحْتِجَاج والانتصار لقَولهم فَكَانَ غَايَة مَا قَالَه: أَن الْمُعَامَلَة فِي التَّذْكِير والتأنيث مَعَ الظَّاهِر وَأَنت ترَاهُ قَالَ: أَبَت أجأ فالتأنيث لهَذَا الظَّاهِر وَلَا يجوز أَن يكون للقبائل المحذوفة. فَقلت لَهُ: هَذَا خلاف كَلَام الْعَرَب أَلا ترى إِلَى قَول حسان: الْكَامِل
(
يسقون من ورد البريص عَلَيْهِم بردى يصفق بالرحيق السلسل)
لم يرو أحد قطّ يصفق إِلَّا بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف لِأَنَّهُ يُرِيد: يصفق مَاء بردى فَرده إِلَى الْمَحْذُوف وَهُوَ المَاء وَلم يردهُ إِلَى الظَّاهِر وَهُوَ بردى.
وَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت لقَالَ: تصفق لِأَن بردى مؤنث لم يجِئ على زنته مؤنث قطّ. وَقد جَاءَ الرَّد على الْمَحْذُوف تَارَة وعَلى الظَّاهِر أُخْرَى فِي قَوْله ﷿: وَكم من قريةٍ أهلكناها فَجَاءَهَا بأسنا بياتًا أَو هم قَائِلُونَ.
أَلا ترَاهُ قَالَ: فَجَاءَهَا فَرد على الظَّاهِر وَهُوَ الْقرْيَة ثمَّ قَالَ: أَو هم قَائِلُونَ فَرد على أَهلهَا وَهُوَ مَحْذُوف. وَبعد فَلَيْسَ هَا هُنَا مَا يتَأَوَّل بِهِ التَّأْنِيث إِلَّا أَن يُقَال: إِنَّه أَرَادَ الْبقْعَة فَيصير من بَاب التحكم لِأَنَّهُ تَأْوِيله بالمذكر ضَرُورِيّ لِأَنَّهُ جبل والجبل مُذَكّر وَإِنَّمَا سمي باسم رجل بِإِجْمَاع.
وَلَو سَأَلت كل أَعْرَابِي عَن أجأ لم يقل إِلَّا: إِنَّه جبل وَلم يقل بقْعَة. وَلَا مُسْتَند للقائل بتأنيثه الْبَتَّةَ. وَمَعَ هَذَا فإنني إِلَى هَذِه الْغَايَة لم أَقف للْعَرَب على شعر جَاءَ فِيهِ أجأ غير منصرف مَعَ كَثْرَة استعمالهم لترك صرف مَا ينْصَرف فِي الشّعْر.
ثمَّ إِنِّي وقفت بعد مَا سطرته على جَامع شعر امْرِئ الْقَيْس
[ ١١ / ١٨٨ ]
وَقد نَص على مَا قلته وَهُوَ أَنه قَالَ: أجأ مَوضِع وَهُوَ أجد جبلي طَيء وَالْآخر سلمى. وَإِنَّمَا أَرَادَ أهل أجأ كَقَوْل الله: واسئل الْقرْيَة يُرِيد: أهل الْقرْيَة. ثمَّ وقفت على نُسْخَة أُخْرَى فِيهَا: أرى أجأ لم يسلم الْعَام جَاره قَالَ: الْمَعْنى أَصْحَاب الْجَبَل لن يسلمُوا جارهم. انْتهى كَلَام ياقوت.
-
وَقَوله: أَن تسلم من أسلمه أَي: خذله. وَالْجَار هُنَا: المستجير والنزيل. وَهَذَا حث مِنْهُ وإغراء للْقِيَام بنصرته وتخليص مَا ذهب من إبِله. وَمن مقَاتل: بَيَان لمن شَاءَ.)
وَقَوله: تبيت لبوني إِلَخ هَذَا تَصْوِير لما إِلَيْهِ تؤول حَال إبِله بعد إعانتهم لَهُ.
والقُريّة على لفظ مصغر الْقرْيَة وَهُوَ مَوضِع. وَأمن: جمع آمِنَة. هَذَا إِن كَانَ بِضَم الْهمزَة وأسرحها من سرحت الْإِبِل من بَاب نفع أَي: جَعلتهَا ترعى. وَمثله سرحتها تسريحًا. وَيُقَال: سرحت الْإِبِل سرحًا وسروحًا إِذا رعت بِنَفسِهَا يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى.
وغبًا: يَوْمًا بعد يَوْم. والأكناف: النّواحي. وَحَائِل بِالْحَاء الْمُهْملَة والهمزة: اسْم جبل.
وَقَوله: بَنو ثعل جِيرَانهَا ثعل بِضَم الْمُثَلَّثَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة: حيّ من طَيئ. ونابل بالنُّون الْمُوَحدَة. وَرُوِيَ بِالْهَمْزَةِ. ونابل وَسعد: حَيَّان من طَيئ.
[ ١١ / ١٨٩ ]
وَقَوله: تلاعب أَوْلَاد الوعول: مفعول ورباعها فَاعل وَهُوَ جمع ربع بِضَم فَفتح وَهُوَ مَا نتج فِي الرّبيع. والوعل: تَيْس الْجَبَل.
يُرِيد أَن أَوْلَاد إبِله تلاعب أَوْلَاد الوعول وترعى مَعهَا للأمن. والمعاقل: الْجبَال وَرُوِيَ بدله: المجادل بِالْجِيم الْوَاحِد مجدل وَهُوَ الْقصر وأَرَادَ بهَا الْجبَال. قَالَه الْعَيْنِيّ.
وَقَوله: مكلّلة أَي: هَذِه المعاقل وَالْجِبَال مكلّلة بالصخور. والأسرّة: الطّرق جمع سرار بِالْكَسْرِ والحبك بِضَمَّتَيْنِ: الطرائق. والوصائل:
جمع وصيلة وَهُوَ ثوب أمعر الْغَزل فِيهِ خطوط.
وَقَالَ السُّيُوطِيّ: المجادل: الْجبَال الْعَالِيَة. ومكلّلة: مغطاة. والأسرّة: الطرائق وَكَذَلِكَ الحبك. والْوَسَائِل: ثِيَاب حمر مخطّطة.
وَأنْشد بعده: الرمل إنّما يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل هُوَ عجز وصدره: فَإِذا أقرضت قرضا فاجزه
[ ١١ / ١٩٠ ]
على أَن بَعضهم قَالَ: لَيْسَ فِيهِ عاطفة. وَالظَّاهِر أَنَّهَا على أَصْلهَا أَي: لَيْسَ الْجمل جازيًا.
وَالْأول مَذْهَب البغداديين احتجّوا بِهَذَا الْبَيْت على أنّ لَيْسَ عاطفة قَالُوا: كَمَا تَقول: قَامَ زيد لَيْسَ عَمْرو فعمرو مَعْطُوف على زيد بليس كَمَا تَقول: قَامَ زيد لَا عَمْرو. فَلَيْسَ مَحْمُولَة على لَا فِي الْعَطف.
قَالَ أَبُو حَيَّان: وَحكى النّحاس وَابْن بابشاذ هَذَا الْمَذْهَب عَن الْكُوفِيّين. وَحَكَاهُ ابْن عُصْفُور)
عَن البغداديين.
-
قَالَ أَبُو الْعَبَّاس ثَعْلَب فِي أَمَالِيهِ: مَرَرْت بزيد لَيْسَ عَمْرو قَالَ الْكسَائي: لَا نجيزه إلاّ مَعَ الْبَاء.
وَالْفراء لَا يلْزمه أَن يَقُوله لأنّ الْكسَائي يَقُول: الثَّانِي مَحْذُوف مَطْلُوب وَإِذا جَاءَ الْخَفْض لم يحذف الْخَافِض وَالْفِعْل. وَالْفراء يَقُول: إِذا حسنت لَيْسَ مَوضِع لَا جَازَ.
وَأنْشد: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: يَقُول: لَيْسَ الْجمل يَجْزِي. فَجعله فعلا محذوفًا واستراح. قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَأول مَا يَنْبَغِي أَن نقُول للكسائي: لم حذفت الثَّانِي وطلبته. انْتهى كَلَامه.
وَلَا عِنْدهم مَخْصُوصَة بعطف الِاسْم كَمَا مثّل. قَالَ صَاحب اللّبَاب: وَلَا لتنفي مَا وَجب للْأولِ وتختصّ بالإسم. وَقد جعل لَيْسَ مرادفًا لَهَا فِي قَوْله: إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتى لَيْسَ الْجمل وَالصَّحِيح أَنه على أَصله. انْتهى.
وبقاؤها على أَصْلهَا يكون بِأحد شَيْئَيْنِ:
[ ١١ / ١٩١ ]
الأول: مَا أجَاب بِهِ الشَّارِح الْمُحَقق من أنّ الْجمل اسْمهَا وَالْخَبَر مَحْذُوف أَي: لَيْسَ الْجمل جازيًا أَو لَيْسَ الْجمل يَجْزِي. وَالْعرب قد تحذف خبر لَيْسَ فِي الشّعْر كَقَوْلِه: الْكَامِل
(
لهفى عَلَيْك للهفةٍ من خائفٍ يَبْغِي جوارك حِين لَيْسَ مجير)
فَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْت لَيست عاطفة بِاتِّفَاق وَلَا يتصوّر الْعَطف فِيهَا وخبرها مَحْذُوف أَي: لَيْسَ مجير فِي الدُّنْيَا.
وَالثَّانِي: أَن يكون الْجمل خبر لَيْسَ وَسكن للقافية وَاسْمهَا ضمير اسْم الْفَاعِل الْمَفْهُوم من يَجْزِي أَي: لَيْسَ الجازي الْجمل. كَذَا فِي شرح اللّبَاب للفالي.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للبيد وَقد شرحنا مِنْهَا جملَة فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد السبعمائة.
[ ١١ / ١٩٢ ]