(عبأت لَهُ رمحًا طَويلا وألةً كَأَن قبس يعلى بهَا حِين تشرع)
على أَن كَأَن الْمُهْملَة لفظا يَجِيء يعدها جملَة اسمية خَبرا لَهَا وَاسْمهَا الْمُقدر هُنَا ضمير الشَّأْن.
[ ١٠ / ٤٠١ ]
وَهَذَا تَقْرِير كَلَامه. وَفِي كل مِنْهُمَا نظر: أما أَولا فَلِأَنَّهُ لَا جملَة اسمية بعد كَأَن وَإِنَّمَا بعْدهَا مُفْرد مَوْصُوف بجملة فعلية فَإِن قبسًا: نكرَة وَجُمْلَة يعلى: صفته والرابط الضَّمِير الْمُسْتَتر النَّائِب عَن الْفَاعِل وَالْبَاء للإلصاق مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف حَال من الضَّمِير وَالْهَاء ضمير الألة.
وَلَا يجوز أَن يكن مُبْتَدأ خَبره جملَة يعلى لِئَلَّا يلتبس الْمُبْتَدَأ حِينَئِذٍ بالْخبر كَمَا قَالَه الشَّارِح فِي فَإِن قلت: يكون جملَة يعلى: خَبرا إِذا نصبت قبسًا. قلت: الْإِخْبَار عَن النكرَة فِي بَاب إِن جَائِز كَمَا حَقَّقَهُ الشَّارِح فِي آخر الْبَاب. نعم يجوز أَن يكون بهَا ظرفا مُسْتَقرًّا لقبس. وَإِنَّمَا لم نحمل كَلَامه عَلَيْهِ ابْتِدَاء لِأَن كَلَامه الْآتِي فِي رفع ظَبْيَة لَا يلائمه.
-
وَأما ثَانِيًا فَلَمَّا تقدم من أَن ضمير الشَّأْن لَا يُصَار إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَان الْمرجع وَقد أمكن هُنَا يَجعله رَاجعا إِلَى الألة وَهِي الحربة.
وَقَالَ المرزوقي فِي شرح الحماسة: قَوْله: كَأَن قبس يجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب والجر. فَإِذا رفعت فعلى الضَّمِير يُرِيد: كَأَنَّهَا قبس يعلى بهَا حِين أشرعت. والقبس: النَّار.
وَمن نصب فَلِأَنَّهُ أعمل كَأَن مُخَفّفَة عَملهَا مثقلة يُرِيد: كَأَن قبسًا يعلى بهَا وَيكون الْخَبَر يعلى بهَا وَمن جر فَقَالَ: كَأَن قبس جعل أَن زَائِدَة وأعمل الْكَاف. انْتهى.)
وَيجوز على النصب أَن يكون يعلى صفة لقبس وَالْخَبَر قَوْله بهَا.
[ ١٠ / ٤٠٢ ]
وَالْبَيْت من أَبْيَات عشرَة أوردهَا أَبُو تَمام فِي الحماسة لمجمع بن هِلَال. قَالَ: غزا مجمع بن هِلَال بن خَالِد بن مَالك بن هِلَال بن الْحَارِث بن تيم الله يُرِيد بني سعد بن زيد مَنَاة فَلم يصب شَيْئا فَرجع من غزاته تِلْكَ فَمر بِمَاء لبني تَمِيم عَلَيْهِ نَاس من بني مجاشع فَقتل فيهم وَأسر فَقَالَ فِي
(إِن أمس مَا شَيخا كَبِيرا فطالما عمرت وَلَكِن لَا أرى الْعُمر ينفع)
(مَضَت مائَة من مولدِي فنضيتها وَخمْس تبَاع بعد ذَاك وَأَرْبع)
(وخيل كأسراب القطا قد وزعتها لَهَا سبل فِيهِ الْمنية تلمع)
(شهِدت وغنم قد حويت وَلَذَّة أتيت وماذا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع)
(وعاثرة يَوْم الهييما رَأَيْتهَا وَقد ضمهَا من دَاخل الخلب مجزع)
(لَهَا غلل فالصدر لَيْسَ ببارح شجىً نشب وَالْعين بِالْمَاءِ تَدْمَع)
(تَقول وَقد أفردتها من حَلِيلهَا تعست كَمَا أتعستني يَا مجمع)
(فَقلت لَهَا: بل تعس أُخْت مجاشع وقومك حَتَّى خدك الْيَوْم أضرع)
(عبأت لَهُ رمحًا طَويلا وألة كَأَن قبس يعلى بهَا حِين تشرع)
(وكائن تركت من كَرِيمَة معشر عَلَيْهَا الخموش ذَات حزن تفجع)
قَالَ المرزوقي: قَوْله: إِن أمس مَا شَيخا مَا: زَائِدَة.
يَقُول: إِن صرت شَيخا طاعنًا فِي السن هدفًا لسهامه فَذَلِك حق لِأَن من يعِيش يكبر وَمن
[ ١٠ / ٤٠٣ ]
يكبر يهرم وَطول الْعُمر لَا يجدي إِذْ كَانَ مؤداه إِلَى الضعْف وغايته الْمَوْت. وَمعنى عمرت: بقيت وحييت. والْعُمر: الْحَيَاة والبقاء.
وَقَوله: مَضَت مائَة يَقُول: أَتَت عَليّ مائَة سنة من ميلادي فألقيتها ورائي كَأَنِّي لبستها ثمَّ خلعتها واستتبعت بعْدهَا تسعا توالت. ويروى: فنضونها يُقَال: نضى ثَوْبه ينضو وينضي إِذا نَزعه لُغَتَانِ.
وَقَوله: وَخمْس تبَاع يُقَال: تبع تباعا فَهُوَ مصدر وصف بِهِ. وَيُقَال أَيْضا رميته بسهمين تباعا وَلَاء وتابع بَينهمَا تباعا.
وَقَوله: وخيل كأسراب إِلَخ تذكر بِمَا كَانَ مِنْهُ عِنْد تناهي عمره مَا كَانَ مِنْهُ فِي ريعان شبابه فَيَقُول: رب خيل تتوالى مبادرة إِلَى الْمُلْتَقى
وتسترسل استرسال فرق القطا عِنْد)
اندفاعها للورد أَنا بعثتها وَلها عَارض يمطر بِالْمَوْتِ ويلمع. والسبل: الْمَطَر. ووزعتها يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ كففتها عَن التعجل وَيجوز أَن يكون قسمتهَا للتعبية أَو للغارة لِأَنَّهُ يُقَال: وزعت الشَّيْء ووزعته جَمِيعًا. وعَلى الْوَجْهَيْنِ فتدبيرها كَانَ إِلَيْهِ.
وَجُمْلَة قد وزعتها: من صفة الْخَيل لِأَن جَوَاب رب فِيمَا بعده. وَلها سبل فِي مَوضِع الْحَال وَفِيه الْمنية من صفة السبل وتلمع حَال من الْمنية وَالْعَامِل مَا يدل عَلَيْهِ الظّرْف.
وَقَوله: شهِدت وغنم إِلَخ يَقُول: رب خيل على هَذِه الصّفة حضرتها مُدبرا لَهَا وَرب غنيمَة تغنمتها وَرب لَذَّة أتيتها. ثمَّ أقبل كالملتفت فَقَالَ: وَمَا الْعَيْش إِلَّا التَّمَتُّع بِهَذِهِ الْأَشْيَاء.
[ ١٠ / ٤٠٤ ]
ووَقَوله: وعاثرة يَوْم إِلَخ يَقُول: رب امْرَأَة فِي هَذَا الْيَوْم لتمكن الْخَوْف مِنْهَا وتملك الْجزع قَلبهَا رَأَيْتهَا تعثر لوجهها مَخَافَة السباء وَقد ضمهَا مجزع أَي: استولى عَلَيْهَا الْخَوْف والقلق.
وَقَوله: من دَاخل الخلب بَين بِهِ منشأ الْجزع ومقره. والخلب: حجاب الْقلب.
وَقَوله: لَهَا غلل فِي الصَّدْر. . إِلَخ الْجُمْلَة صفة لعاثرة. والغلل بِفتْحَتَيْنِ أَصله المَاء الْجَارِي بَين الشّجر فاستعاره لما تداخلها من الشجا.
وروى: غلل بِالضَّمِّ: جمع غلَّة. وَلَو كَانَ كَذَا لقَالَ لَيست ببارحة. والبارح: الزائل. وَمَوْضِع قَوْله شجًا نشب رفع على الْبَدَل من غلل. وَيُرِيد بنشب أَنه علق بِهِ كَمَا ينشب الصَّيْد فِي الحبالة.
وَقَوله: تَقول وَقد أفردتها. . إِلَخ تَقول جَوَاب رب. وَالْمرَاد: رب عاثرة هَذِه صفتهَا فِي يَوْم الهييما قَالَت لي بعد أَن سبيتها وَفرقت بَينهَا وَبَين زَوجهَا
بِالْقَتْلِ: سَقَطت لوجهك وَلَا انتعشت من عثرتك يَا مجمع.
وَقَوله: فَقلت لَهَا إِلَخ يَقُول: أجبتها بِأَن قلت: بل التعس لَك ولقومك حِين ضيعوك وفعلوا مَا أدّى وباله إِلَى أَن صَار خدك الْيَوْم ضارعًا. وبل للإضراب عَن الأول وَالْإِثْبَات للثَّانِي.
وأجرى تعسًا فِي الْإِضَافَة مجْرى ويل وَذَاكَ أَن المصادر الَّتِي اشتق الْأَفْعَال مِنْهَا إِذا دعِي بهَا وَمَا لم يشتق الْفِعْل مِنْهُ وَهُوَ ويل وويح وويس إِذا كَانَ مَعهَا اللَّام رفعت وَصَارَت بِاللَّامِ جملا. وَإِذا أفردت عَن اللَّام أضيفت ونصبت.
[ ١٠ / ٤٠٥ ]
تَقول: ويل لزيد وويح لعَمْرو فَترفع وويل زيد وويح عَمْرو فتنصب.
وَهَذَا الشَّاعِر قَالَ: بل تعس أُخْت مجاشع فأجراه مجْرى ويل وَالْفِعْل مِنْهُ يشتق مِنْهُ. ومجاشع:)
قَبيلَة يُقَال: أُخْت مجاشع كَمَا يُقَال: يَا أَخا بكر وَيَا أَخا تَمِيم. وأضرع بِمَعْنى ضارع.
والضراعة: الانسفال فِي خضوع.
وَقَوله: عبأت لَهُ. . إِلَخ أَخذ يبين كَيفَ تمكن من قتل زَوجهَا. وَيُقَال: عبأت الْخَيل وعبأتها إِذا هيأتها للحرب وعبيتها أَيْضا. وَالْمرَاد هيأت لَهُ رمحًا طَويلا وسنانًا لماعًا براقًا كَأَنَّمَا يعلى بِهِ نَار إِذا أشرع لِلطَّعْنِ. والألة بِفَتْح الْهمزَة وَتَشْديد اللَّام تسْتَعْمل فِي الْحَرْب وتشهر بهَا. وأصل الأليل البريق وَالْمرَاد بهَا هُنَا السنان.
وَفِي لِسَان الْعَرَب لِابْنِ مكرم: الألة: الحربة الْعَظِيمَة النصل سميت بذلك لبريقها ولمعانها. وَفرق بَعضهم بَين الألة والحربة فَقَالَ: الألة كلهَا حَدِيدَة والحربة بَعْضهَا خشب وَبَعضهَا حَدِيد وَالْجمع أل بِحَذْف الْهَاء والإل ككتاب
والأل أَيْضا: مصدر أَله يؤله أَلا: طعنه بالألة. وتشرع من وَقَوله: وكائن تركت. . إِلَخ نبه بِهَذَا الْكَلَام على أَن مَا حَكَاهُ من حَدِيث العاثرة لم يكن بدعًا مِنْهُ بل ذَلِك دأبه مَعَ أَمْثَالهَا. وكائن: لُغَة فِي كأين بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى كم للتكثير.
يَقُول: كم امْرَأَة كَانَت كَرِيمَة عشيرتها تركتهَا وَهِي تخمش وَجههَا وتتفجع جزعًا على قيمها من بعل أَو أَخ أَو ابْن. والخمش فِي الْوَجْه وَفِي سَائِر الْبدن مثل الخدش.
[ ١٠ / ٤٠٦ ]
وَمجمع على وزن اسْم الْفَاعِل من جمع يجمع تجميعًا. وَهُوَ شَاعِر جاهلي أوردهُ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي المعمرين وَنسبه كَذَا.
قَالُوا: وعاش مجمع بن هِلَال بن خَالِد بن مَالك بن هِلَال بن الْحَارِث بن هِلَال بن تيم الله بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. عَاشَ مائَة سنة وتسع عشرَة سنة فَقَالَ فِي ذَلِك:
(إِن أمس مَا شَيخا كَبِيرا فطالما عمرت وَلَكِن لَا أرى الْعَيْش ينفع)
إِلَى آخر الأبيات.
وَأنْشد بعده:
(أزف الترحل غير أَن رِكَابنَا لما نزل برحالنا وَكَأن قد)
على أَن كَأَن الْمُهْملَة لفظا يَجِيء بعْدهَا جملَة خَبرا وَهِي هُنَا محذوفة وَالتَّقْدِير: قد زَالَت بهَا.
وَجَاز حذفهَا لدلَالَة قَوْله: لما تزل برحالنا. وَاسْمهَا الْمَحْذُوف عِنْد الشَّارِح ضمير الشَّأْن. وَالْأولَى جعله ضمير الركاب لما تقدم وَهِي الْإِبِل الَّتِي يسَار عَلَيْهَا الْوَاحِدَة رَاحِلَة وَلَا وَاحِد لَهَا من)
لَفظهَا. وأزف بِفَتْح الْهمزَة وَكسر الزَّاي بِمَعْنى قرب ودنا. وروى بدله: أفد بِكَسْر الْفَاء وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. والترحل: الرحيل. ولما نَافِيَة بِمَعْنى لم وتزل بِضَم الزَّاي من زَالَ يَزُول بِمَعْنى ذهب وانفصل.
يُقَال: زَالَ عَن مَوْضِعه يَزُول زوالًا. وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ والتضعيف فَيُقَال: أزلته وزولته. وَالْبَاء للمعية. والرّحال بِالْحَاء الْمُهْملَة: جمع رَحل وَهُوَ كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء
[ ١٠ / ٤٠٧ ]
للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن وَمَا يستصحبه الْمُسَافِر من الْمَتَاع والأثاث. وَغير هُنَا للاستثناء الْمُنْقَطع.
وَالْمعْنَى قرب الارتحال لَكِن إبلنا لم تذْهب بمتاعنا إِلَى الْآن مَعَ عزمنا على الرحيل وَكَأَنَّهَا ذهبت. فجملة قد زَالَت بهَا المحذوفة فِي مَحل رفع خبر لكأن. وقد تروى بِكَسْر دالها للروي وبتنوينه للترنم أَي: لقطعه فَإِن الترنم هُوَ التَّغَنِّي والتغني يحصل بِأَلف الْإِطْلَاق لقبولها لمد الصَّوْت فِيهَا فَإِذا أنشدوا وَلم يترنموا جاؤوا بِهَذَا التَّنْوِين.
وبهذين الْوَجْهَيْنِ أوردهُ ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي.
وَنقل ابْن الملا فِي شَرحه عَن ابْن جني فِي الخصائص أَن الرِّوَايَة هُنَا قدي بِمَعْنى حسبي وَالْيَاء ضمير لَا حرف إِطْلَاق. وَعَلِيهِ يكون خبر كَأَن مُفردا
لَا جملَة وَيكون اسْمهَا ضمير الترحل أَي: كَأَنَّهُ قدي أَي: كَأَن ذَلِك الترحل حسبي.
وَالْبَيْت من قصيدة للنابغة الذبياني تقدم فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْخَمْسمِائَةِ.
وَأنْشد بعده