وَهُوَ من شَوَاهِد س: الْكَامِل
(كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسطٍ غلس الظلام من الربَاب خيالا)
لما تقدم من أَن الْهمزَة المعادلة ل أم محذوفة مِنْهُ للضَّرُورَة وَالتَّقْدِير: أكذبتك عَيْنك أم رَأَيْت.
[ ١١ / ١٣١ ]
وَنقل سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل أَن أم فِيهِ مُنْقَطِعَة وَجوز أَن تكون مُتَّصِلَة بِتَقْدِير الْهمزَة كَمَا تقدم.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِتْيَانه بِأم مُنْقَطِعَة بعد الْخَبَر حملا على قَوْلهم: إِنَّهَا لإبل أم شَاءَ.
وَيجوز أَن تحذف ألف الآستفهام ضَرُورَة لدلَالَة أم عَلَيْهَا وَالتَّقْدِير: أكذبتك عَيْنك أم رَأَيْت وَنَظِير إضرابه على الْخَبَر الأول وتكذيبه لنَفسِهِ بقوله:
أم رَأَيْت بواسط قَول زُهَيْر: الْبَسِيط
(قف بالديار الَّتِي لم يعفها الْقدَم بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح والديم)
فَقَالَ: لم يعفها الْقدَم ثمَّ أكذب نَفسه فَقَالَ: بلَى وَغَيرهَا الْأَرْوَاح. فَكَذَلِك قَالَ: كذبتك عَيْنك فِيمَا تخيل لَك ثمَّ رَجَعَ عَن ذَلِك ف قَالَ: أم رَأَيْت بواسط خيالًا. وَالْمعْنَى: بل هَل رَأَيْته وَلم تشك فِيهِ. انْتهى.
وَذكر الْوَجْهَيْنِ الْمبرد فِي الْكَامِل قَالَ: فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أكذبتك عَيْنك كَمَا قيل فِي: بسبعٍ رمين الْجَمْر أم بثمان وَلَيْسَ هَذَا بالأجود وَلكنه ابْتَدَأَ متيقنًا ثمَّ شكّ فَأدْخل أم كَقَوْلِك: إِنَّهَا لإبل ثمَّ تشك فَتَقول: أم شَاءَ يَا قوم. انْتهى.
قَالَ ابْن الْحَنْبَلِيّ: إِن جعل الْخَلِيل التَّقْدِير فِي الْمِثَال: بل أَهِي شَاءَ كَانَ مُرَاد الأخطل: كذبتك عَيْنك فِي رُؤْيَة الرِّبَا نَفسهَا بل لم تَرَ خيالًا مِنْهَا فضلا عَن أَن ترَاهَا نَفسهَا على أَن أم بِمَعْنى بل وهمزة الْإِنْكَار. وَإِن جعله: بل هِيَ شَاءَ كَانَ مُرَاده: كذبتك عَيْنك فَلم تكن رَأَيْتهَا بل رَأَيْتهَا خيالًا مِنْهَا. انْتهى.
[ ١١ / ١٣٢ ]
وَنقل ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه زعم أَن أم تَأتي بِمَعْنى الِاسْتِفْهَام الْمُجَرّد من الإضارب فَقَالَ فِي قَول الأخطل: كذبتك عَنْك أم رَأَيْت بواسطٍ)
إِن الْمَعْنى: هَل رَأَيْت.
-
وَبعده:
(وتغولت لتروعنا جنيةٌ والغانيات يرينك الأهوالا)
(يمددن من هفواتها إِلَى الصِّبَا سَببا يصدن بِهِ الغواة طوَالًا)
(مَا إِن رَأَيْت كمكرهن إِذا جرى فِينَا وَلَا كحبالهن حِبَالًا)
(المهديات لمن هوين مسَبَّة والمحسنات لمن قلين مقَالا)
(يرعين عَهْدك مَا رأينك شَاهدا وَإِذا مذلت يصرن عَنْك مذالا)
(وَإِذا وعدنك نائلًا أخلفنه وَوجدت عِنْد عداتهن مطالا)
(فَإِن دعونك عمهن فَإِنَّهُ نسبٌ يزيدك عِنْدهن خبالا)
(وَإِذا وزنت حلومهن إِلَى الصِّبَا رجح الصِّبَا بحلومهن فمالا)
وَمِنْهَا:
(فانعق بضأنك يَا جرير فَإِنَّمَا منتك نَفسك فِي الْخَلَاء ضلالا)
(منتك نَفسك أَن تسامي دارمًا أَو أَن توازن حاجبًا وَعِقَالًا)
دارم: قَبيلَة الفرزدق. وحاجب وعقال: من أَشْرَاف قومه.
وَرُوِيَ عَن جرير أَنه قَالَ: مَا غلبني الأخطل إِلَّا فِي هَذِه القصيدة وَلَقَد قلت بَيْتا فِي القصيدة
[ ١١ / ١٣٣ ]
(والتغلبي إِذا تنحنح للقرى حك استه وتمثل الأمثالا
)
كَذَا فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي.
وَقَوله: فانعق بضأنك اسْتشْهد بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَمثل الَّذين كفرُوا كَمثل الَّذِي ينعق على أَن النعيق: التصويت يُقَال: نعق الْمُؤَذّن والراعي بغنمه ينعق بِالْكَسْرِ نعيقًا ونعاقًا: صَاح بهَا وزجرها.
وَالْمعْنَى: إِنَّك من رُعَاة الْغنم لَا من الْأَشْرَاف وَمَا منتك نَفسك بِهِ فِي الْخَلَاء أَنَّك من العظماء فضلال بَاطِل لِأَنَّك لَا تقدر على إِظْهَاره فِي الْمَلأ وهم الْأَشْرَاف.
وَقَوله: كذبتك نَفسك أم رَأَيْت بواسط هَذَا خطاب لنَفسِهِ على طَرِيق التَّجْرِيد. قَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة: قد اسْتعْملت الْعَرَب الْكَذِب فِي مَوضِع الْخَطَأ.
قَالَ الأخطل: كذبتك نَفسك وَمِنْه حَدِيث عُرْوَة قيل لَهُ: إِن ابْن عَبَّاس يَقُول: إِن النَّبِي صلى الله)
عَلَيْهِ وَسلم لبث بِمَكَّة بضع عشرَة سنة فَقَالَ: كذب أَي: أَخطَأ. وَمِنْه قَول عمر لسمرة حِين قَالَ: الْمغمى عَلَيْهِ يُصَلِّي مَعَ كل صلاةٍ صَلَاة حَتَّى يَقْضِيهَا فَقَالَ: كذبت وَلكنه يصليهن مَعًا.
أَي: أَخْطَأت. وَقد تكَرر فِي الحَدِيث. انْتهى.
[ ١١ / ١٣٤ ]
-
والغلس بِفتْحَتَيْنِ: ظلمَة آخر اللَّيْل والرباب بِفَتْح الرَّاء من أَسمَاء النِّسَاء. والخيال: الطيف.
وَقَالَ ابْن السيرافي: وَاسِط هُنَا: مَوضِع بنواحي الشَّام. وغلطه الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب فَقَالَ: لَيْسَ بنواحي الشَّام مَوضِع يُقَال لَهُ: وَاسِط وَالَّذِي فِي الْبَيْت وَاسِط الجزيرة. وَأَخْبرنِي أَبُو الندى قَالَ: للْعَرَب سَبْعَة أواسط: وَاسِط نجد وَهُوَ الَّذِي ذكره خِدَاش بن زُهَيْر: الطَّوِيل
(عَفا واسطٌ أكلاؤه فمحاضره إِلَى حَيْثُ نهيا سيله فصدائره)
وواسط الْحجاز وَهُوَ الَّذِي ذكره كثير: الطَّوِيل
(أجدوا فَأَما آل عزة غدْوَة فبانوا وَأما واسطٌ فمقيم)
وواسط الجزيرة وَهُوَ الَّذِي ذكره الأخطل فِي ذَاك الْبَيْت وَفِي بَيته الآخر: الطَّوِيل
(عَفا واسطٌ من آل رضوى فنبتلٌ فمجتمع الحرين فالصبر أجمل)
وواسط الْيَمَامَة وَهُوَ الَّذِي ذكره الْأَعْشَى فِي شعر وواسط الْعرَاق. وَقد أنسيت اثْنَيْنِ. انْتهى كَلَامه.
[ ١١ / ١٣٥ ]
وَقد أبعد السُّيُوطِيّ فِي قَوْله: وَاسِط: بلد بالعراق اختطها الْحجَّاج وَتَبعهُ ابْن الملا.
-
وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ قَالَ أَبُو حَاتِم: وَاسِط الَّتِي ينجدٍ وَالَّتِي بالجزيرة يصرف وَلَا يصرف. وَأما وَاسِط الْبَلَد الْمَعْرُوف فمذكر لأَنهم أَرَادوا بَلَدا واسطًا أَو مَكَانا واسطًا فَهُوَ منصرف على كل حَال. وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْلهم: وَاسِط بالتذكير وَلَو ذهب بِهِ إِلَى التَّأْنِيث لقالوا: وَاسِطَة.
قَالُوا: وَقد يذهب بِهِ مَذْهَب الْبقْعَة وَالْمَدينَة فَيتْرك صرفه. وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ فِي ترك الصّرْف: الْبَسِيط
(مِنْهُنَّ أَيَّام صدقٍ قد عرفت بهَا أَيَّام وَاسِط وَالْأَيَّام من هجرا)
وَلقَائِل أَن يَقُول: إِنَّه لم يرد وَاسِط هَذِه. فَيرجع إِلَى مَا قَالَه أَبُو حَاتِم: وَسميت مَدِينَة الْحجَّاج واسطًا لِأَنَّهَا متوسطة بَين الْبَصْرَة والكوفة لِأَن مِنْهَا إِلَى كل وَاحِدَة مِنْهَا خمسين فرسخًا لَا قَول)
فِيهِ غير ذَلِك إِلَّا مَا ذهب إِلَيْهِ بعض أهل اللُّغَة حِكَايَة عَن ابْن الْكَلْبِيّ أَنه كَانَ قبل عمَارَة وَاسِط هُنَا مَوضِع يُسمى: وَاسِط قصب فَلَمَّا عمر الْحجَّاج مدينته سَمَّاهَا باسمها. وَالله أعلم.
وَشرع الْحجَّاج فِي عمَارَة وَاسِط سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَفرغ مِنْهَا فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ فَكَانَ عمارتها فِي عَاميْنِ فِي الْعَام الَّذِي مَاتَ فِيهِ عبد الْملك بن مَرْوَان وَلما فرغ مِنْهَا كتب إِلَى عبد الْملك: إِنِّي اتَّخذت مَدِينَة فِي كرش من الأَرْض بَين الْجَبَل والمصرين وسميتها واسطًا. فَلذَلِك سمي أهل وَاسِط الكرشيين.
وَفِي الْأَمْثَال: تغافل واسطي قَالَ الْمبرد: سَأَلت عَنهُ التوزي فَقَالَ: إِن الْحجَّاج لما بناها قَالَ: فَسُمي
[ ١١ / ١٣٦ ]
أَهلهَا الكرشيين فَكَانَ إِذا مر أحدهم بِالْبَصْرَةِ نادوا: يَا كرشي فتغافل عَن ذَلِك ويري أَنه يسمع وَأَن الْخطاب لَيْسَ مَعَه وَلَقَد جَاءَنِي بخوارزم أحد
أَعْيَان أدبائها وسألني عَن هَذَا الْمثل وَقَالَ لي: قد أطلت السُّؤَال عَنهُ فَلم أظفر بِهِ وَلم يكن لي فِي ذَلِك الْوَقْت علم بِهِ حَتَّى وجدته بعد ذَلِك فأثبته.
وَأنْشد التنوخي لفضل الرقاشِي: الوافر
(تركت عيادتي ونسيت بري وقدمًا كنب بِي برا حفيًا)
(فَمَا هَذَا التغافل يَا ابْن عِيسَى أَظُنك صرت بعدِي واسطيًا)
انْتهى.
وَقَالَ ابْن الملا: الْمثل: تغافل كَأَنَّك واسطي لِأَنَّهُ كَانَ يتسخرهم فِي الْبناء فيهربون وينامون بَين الغرباء فِي الْمَسْجِد فَيَجِيء الشرطي يَقُول: يَا واسطي. فَمن رفع رَأسه أَخذه فَلذَلِك كَانُوا بتغافلون. هَذَا كَلَامه. وَهُوَ بعيد.
ثمَّ قَالَ ياقوت: وَاسِط أَيْضا قَرْيَة متوسطة بَين بطن مر ووادي نَخْلَة.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة مَشْهُورَة ببلخ.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة بحلب قرب بزاعة مَشْهُورَة عِنْدهم وبالقرب مِنْهَا قَرْيَة يُقَال لَهَا: الْكُوفَة.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة بالخابور قرب قرقيساء وَإِيَّاهَا عني الأخطل فِيمَا أَحسب لِأَن الجزيرة منَازِل تغلب:
[ ١١ / ١٣٧ ]
عَفا واسطٌ من ارْض رضوى فنتبل وواسط أَيْضا: قَرْيَة بدجيل على ثَلَاثَة فراسخ من بَغْدَاد.)
وواسط أَيْضا: مَوضِع بَين العذيب والصفراء.
وواسط أَيْضا: من منَازِل بني قُشَيْر لبني أسيدة.
-
وواسط أَيْضا: بِمَكَّة قَالَ الفاكهي: وَاسِط: قرن كَانَ أَسْفَل من جَمْرَة الْعقبَة بَين المأزمين فَضرب حَتَّى ذهب قَالَ: وَيُقَال لَهُ: وَاسِط لِأَنَّهُ بَين الجبلين اللَّذين دون الْعقبَة.
وواسط أَيْضا: بليدَة بالأندلس من أَعمال قبرة.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة كَانَت قبل وَاسِط فِي موضعهَا كَانَت تسمى وَاسِط الْقصب أخربها الْحجَّاج وَبني مدينته واسطًا.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة قرب مطيراباذ قرب حلَّة بني مزِيد يُقَال لَهَا: وَاسِط مرزاباد.
وواسط أَيْضا: قَرْيَة بِالْيمن بسواحل زبيد قرب العنبرة.
وواسط أَيْضا: مَوَاضِع فِي بِلَاد بني تَمِيم.
وَقَوله: وتغولت أَي: تهولت. والغانية: الْحَسْنَاء الَّتِي استغنت بحسنها عَن الزِّينَة. والهفوة: الْجَهْل. وَالسَّبَب: الْحَبل. والطوال بِالضَّمِّ: الطَّوِيل.
[ ١١ / ١٣٨ ]
ومذلت من كَلَامه: قلقت وضجرت. والمذيل: الْمَرِيض الَّذِي لَا يتقار وَهُوَ ضَعِيف. ومذل بسره أَي: أفشاه. ومذال: جمع مذلي كعطاش جمع عطشي.
وترجمة الأخطل تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين من أَوَائِل الْكتاب.
وَمن هَذِه القصيدة قَوْله: الْكَامِل
(
أبني كليبٍ إِن عمي اللذا قتلا الْمُلُوك وفككا الأغلالا)
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الأربعمائة من بَاب اسْم الْفَاعِل.
وَأنْشد بعده