(أَلا لَا بَارك الله فِي سُهَيْل إِذا مَا الله بَارك فِي الرِّجَال)
على أَنه حذف الْألف من لفظ الْجَلالَة الأول قبل الْهَاء.
-
وَهَذَا الْحَذف لضَرُورَة الشّعْر ذكره ابْن عُصْفُور فِي كتاب الضرائر.
[ ١٠ / ٣٥٥ ]
وَأنْشد بعده:
(أقبل سيل جَاءَ من عِنْد الله يحرد حرد الْجنَّة المغلة)
وَقَالَ: أنشدهما قطرب.
وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: حذف أَلفه لحن تفْسد بِهِ الصَّلَاة وَلَا ينْعَقد بِهِ صَرِيح الْيمن. وَقد جَاءَ لضَرُورَة الشّعْر: أَلا لَا بَارك الله فِي سُهَيْل الْبَيْت وَهُوَ: فَاعل لَا بَارك مَرْفُوع بضمة ظَاهِرَة.
وَظن العصام فِي حَاشِيَة القَاضِي أَن الْهَاء سَاكِنة فَقَالَ: كَمَا أَن حذف الْألف للضَّرُورَة كَذَا وَالْألف المحذوفة هِيَ ألف فعال إِذْ أصل الله الْإِلَه فَتكون زَائِدَة وَلَيْسَت عين الْفِعْل بِنَاء على أَصله لاه مصدر لاه يَلِيهِ ليهًا إِذا احتجب وارتفع فَيكون أَصله ليه تحركت الْيَاء وَانْفَتح مَا قبلهَا فقلبت ألفا.
قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب بعد إنشاد هَذَا الْبَيْت: حذف الْألف قبل الْهَاء وَيَنْبَغِي أَن تكون ألف فعال لِأَنَّهَا زَائِدَة كَقَوْلِه تَعَالَى: إِلَه النَّاس وَلَا تكون الْألف الَّتِي هِيَ عين فعل فِي أحد قولي س أَن أَصله لاه كَنَابِ لِأَن الزَّائِد
أولى بالحذف من الْأَصْلِيّ. انْتهى.
وَكَون الله أَصله لاه فِي أحد قولي س نَقله الزّجاج عَنهُ فَقَالَ: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سَأَلت الْخَلِيل عَن هَذَا الِاسْم يَعْنِي قَوْلنَا الله فَقَالَ: إِلَه وَقَالَ مرّة أُخْرَى: الأَصْل لاه.
[ ١٠ / ٣٥٦ ]
ورد عَلَيْهِ الْفَارِسِي فِي الأغفال بِأَن هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَن سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل سَهْو لِأَن سِيبَوَيْهٍ لم يحك عَن الْخَلِيل أَن الله أَصله إِلَه وَلَا قَالَ: سَأَلته عَنهُ وَلَا حكى عَن الْخَلِيل القَوْل الآخر الَّذِي قَالَه أَنه لاه.
ورد ابْن خالويه على أبي عَليّ: بِأَنَّهُ قد صَحَّ الْقَوْلَانِ عَن سِيبَوَيْهٍ. وَلَا ننكر أَن تكون هَذِه الْحِكَايَة قد ثبتَتْ عِنْد أبي إِسْحَاق الزّجاج بِرِوَايَة لَهُ عَن سِيبَوَيْهٍ من غير جِهَة كِتَابه فَلَا يكون)
حِينَئِذٍ سَهوا. وَقد وَقعت إِلَيْنَا مسَائِل جمة روى سِيبَوَيْهٍ الْجَواب فِيهَا عَن الْخَلِيل وَلم يضمن ورد عَلَيْهِ أَبُو عَليّ فِي نقض الهاذور بِأَن الَّذِي يَحْكِي هَذِه الحكايات عَن سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل وَهن أبي الْحسن متقول كَذَّاب ومتخرص أفاك لَا يشك فِي ذَلِك أحد لَهُ أدنى تنبه وتيقظ.
وَلم يصغ إِلَى الْقبُول مِنْهُ والاشتغال بِهِ إِلَّا الأغمار والأغفال الَّذين لَا معرفَة لَهُم بالرواة ورواياتهم وتمييز صادقهم من كاذبهم وضابطهم من مجازفهم ومتجوزهم فِي الرِّوَايَة.
وَمَا علمت أحدا من شُيُوخنَا الَّذين أدركناهم مِنْهُم أَبُو إِسْحَاق روى حِكَايَة وَاحِدَة فضلا عَن حِكَايَة عَن الْأَخْفَش عَن الْخَلِيل وَلَا عَن سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل إِلَّا مَا ثَبت فِي كِتَابه.
بل رَأَيْت رجلا روى حِكَايَة وَاحِدَة أسندها إِلَى الْأَخْفَش عَن الْخَلِيل فِي شَيْء من الْعرُوض وَلم يكن هَذَا الرجل موثوقًا بِهِ فِي خَبره وَلَا مسكونًا إِلَى حكايته.
-
فَأَما نَحن فَلم يَقع إِلَيْنَا من الحكايات عَن سِيبَوَيْهٍ مَا لم يثبت فِي كِتَابه إِلَّا حكايتان أَو ثَلَاث: إِحْدَاهَا: عَن مُحَمَّد بن يزِيد عَن أبي زيد عَنهُ وَهِي أَن مُحَمَّد بن السّري روى عَن مُحَمَّد بن يزِيد أَنه قَالَ: لَقِي أَبُو زيد سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ
[ ١٠ / ٣٥٧ ]
أَبُو زيد لسيبويه: إِنِّي سَمِعت من الْعَرَب من يَقُول: قريت وتوضيت بِالْيَاءِ فيبدل الْيَاء من الْهمزَة. فَقَالَ: فَكيف تَقول أفعل قَالَ: أَقرَأ وَلَا يَنْبَغِي أَن تَقول أقري.
والحكاية الْأُخْرَى أَو الحكايتان حَكَاهُمَا أَو حَكَاهَا ابْن سَلام عَنهُ على عَادَة نقلة الْآثَار. هَذَا مَعَ مَا تصفحنا مَا أَخذه مُحَمَّد بن السّري عَن مُحَمَّد بن يزِيد أَو عامته وتصفح مَا جمعه أَبُو عبد الله الْفَزارِيّ وَغَيره وَمَعَ صُحْبَة عَليّ بن سُلَيْمَان وَإِبْرَاهِيم بن السّري وَغَيرهم فَلم نسْمع أحدا روى شَيْئا من ذَلِك. وَإِنَّمَا عمل هَذَا الْإِسْنَاد هَذَا الْكذَّاب الأفاك.
وَمِمَّا يدل على غرَّة هَذَا الْإِسْنَاد أَنا لم نجد أَبَا الْحسن يسند إِلَى الْخَلِيل شَيْئا إِلَّا على جِهَة الْإِرْسَال فَيَقُول: قَالَ الْخَلِيل أَو على جِهَة الْحِكَايَة عَن غَيره فَيَقُول: زَعَمُوا أَن الْخَلِيل كَانَ يَقُول.
وَلم نعلمهُ قَالَ: سَمِعت الْخَلِيل أَو حَدثنِي الْخَلِيل كَمَا يَقُول ذَلِك فِي عِيسَى وَيُونُس. وَالَّذين يَحْكِي عَنْهُم عَن الْخَلِيل مِمَّن كَانَ اخْتصَّ بملازمته وصحبته نفر. مِنْهُم سِيبَوَيْهٍ وَالنضْر بن شُمَيْل ومؤرج السدُوسِي وَعلي بن نصر.
ثمَّ رد على ابْن خالويه فِي نَقله بِأَن من النَّحْوِيين من يَقُول أَصله وَله وغلطه فِيهِ بِأَنَّهُ تَحْرِيف فِي الرِّوَايَة وتزييف.)
قَالَ: وَلم نعلم من النَّحْوِيين بصريهم
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
وَلَا كوفيهم من ذهب فِي هَذَا الِاسْم إِلَى أَنه من الوله وَإِنَّمَا ذهب إِلَيْهِ من لَيْسَ من أهل النّظر فِي الْعَرَبيَّة لوضوح خطأ القَوْل
بذلك فِيهَا من جِهَة اللَّفْظ.
أَلا ترى أَن من أجَاز أَن يُبدل من الْفَاء الَّتِي هِيَ وَاو الْهمزَة لِأَنَّهَا مَكْسُورَة فِي قَول من رأى الْبَدَل من الْمَكْسُورَة على الاطراد كَمَا يرى الْجَمِيع بدل الْهمزَة من المضمومة فَإِنَّهُم لم يذهبوا إِلَى أَلا ترى أَن من يَقُول فِي الوشاح: إشاح وَفِي الوسادة: إسادة يَقُول: توشح وتوسد. والمستعمل فِي هَذَا الِاسْم تأله. قَالَ: سبحن واسترجعن من تألهي وَلَو كَانَ من الوله لَكَانَ توله. وَلَو كَانَ فِي الْكَلَام لُغَتَانِ لتعاقب الحرفان على الْكَلِمَة كَمَا جَاءَ ذَلِك فِي سنة.
فللخطأ الظَّاهِر من جِهَة اللَّفْظ لم يذهب إِلَى هَذَا القَوْل نحوي فِيمَا علمناه.
وَمِمَّا يدا على فَسَاد القَوْل بذلك أَيْضا من جِهَة اللَّفْظ أَنهم قَالُوا فِي جَمِيع إِلَه آلِهَة كَمَا قَالُوا فِي جمع إِنَاء آنِية وَأَوَان آونة.
وَلَو كَانَ من الوله لوَجَبَ أَن يكون الْجمع أولهة كَمَا قَالُوا أوعية. فللفساد الظَّاهِر من جِهَة اللَّفْظ لم يذهب إِلَيْهِ أحد من أهل الْعَرَبيَّة.
فَأَما من جِهَة الْمَعْنى فَلَيْسَ بممتنع وَلَا فِيهِ شَيْء يَنْبَغِي أَن يجْتَنب لِأَن الَّذِي يَقُول من غير النَّحْوِيين إِن إِلَه فعال من الوله إِنَّمَا هُوَ لوله الْعباد إِلَيْهِ ودعائهم لَهُ وإسراعهم إِلَى ذَلِك عِنْدَمَا يدهمهم من الْأُمُور وَهَذَا لَا يمْتَنع الْوَصْف بِهِ كَمَا لَا يمْتَنع فِيهِ التَّسْمِيَة بإلاه.
-
وَمعنى الإلاهة فِي اللُّغَة: الْعِبَادَة قَالَ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﷿:
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
ويذرك وإلهتك قَالَ: عبادتك. فَكَمَا أَن الْعِبَادَة لَا تكون من الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا تكون من عباده لَهُ كَذَلِك لَا يكون الوله من الله سُبْحَانَهُ وَإِنَّمَا يكون من عباده إِلَيْهِ. إِلَى آخر مَا ذكره أَبُو عَليّ.
وَأما الْبَيْت الثَّانِي فقد قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل ذكر أَبُو عبيد أَن أَبَا حَاتِم قَالَ: هَذَا الْبَيْت مَصْنُوع صنعه من لَا أحسن الله ذكره. يَعْنِي قطربًا.
قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: قَائِل هَذَا الرجز إِنَّمَا حذف الْألف للضَّرُورَة وأسكن آخِره للْوَقْف عَلَيْهِ ورقق لامه لانكسار مَا قبلهَا وَلَو لم يَأْتِ على قافية الْبَيْت المغله لأمكن أَن يَقُول: جَاءَ من أَمر اللاه فَيثبت أَلفه وَيقف على الْهَاء بِالسُّكُونِ. انْتهى.)
وَأوردهُ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وغدوا على حرد قَادِرين قَالَ: على حرد على حد وقدرة فِي أنفسهم. والحرد أَيْضا: الْقَصْد كَمَا يَقُول الرجل للرجل: قد أَقبلت قبلك وقصدت قصدك وحردت حردك.
وَأنْشد بَعضهم:
(وَجَاء سيل كَانَ من أَمر الله يحرد حرد الْجنَّة المغله)
يُرِيد: يقْصد قَصدهَا. انْتهى.
وَاسْتشْهدَ بِهِ ابْن السّكيت فِي إصْلَاح الْمنطق وَابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات والبيضاوي فِي
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
قَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات الْإِصْلَاح: الْجنَّة: الْبُسْتَان. والمغلة: الَّتِي فِيهَا الْغلَّة. يُقَال: أغلت إِذا خرجت فِيهَا غلَّة.
-
وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح الْكَامِل: هَذَا الرجز لقطرب بن المستنير وَرَوَاهُ بَعضهم: حرد الْحَيَّة المغله بِالْحَاء غير الْمُعْجَمَة وَالْيَاء. وَيجوز أَن يُرِيد بالحية الأَرْض المخصبة. يُقَال: حييت الأَرْض إِذا أخصبت وَمَاتَتْ إِذا أجدبت فَيكون مثل رِوَايَة من روى: الْجنَّة وَيكون معنى المغلة ذَات الْغلَّة. انْتهى.
وَأنْشد بعده