(لعاء الله فَضلكُمْ علينا بِشَيْء أَن أمكُم شريم)
على أَن لعاء لُغَة فِي لَعَلَّ كَمَا فِي الْبَيْت. وَلم أر من أنْشدهُ كَذَا إِلَّا ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الْإِنْصَاف فِي مسَائِل الْخلاف قَالَ: إِنَّمَا حذفت اللَّام الأولى من لَعَلَّ كثيرا فِي أشعارهم لكثرتها فِي استعمالهم وَلِهَذَا تلعبت الْعَرَب بِهَذِهِ الْكَلِمَة فَقَالُوا: لَعَلَّ ولعلن وَلعن بِالْعينِ غير الْمُعْجَمَة.
قَالَ الراجز:
(حَتَّى يَقُول الراجز الْمنطق لعن هَذَا مَعَه مُعَلّق)
ولغن بالغين الْمُعْجَمَة. وأنشدوا:
(أَلا يَا صَاحِبي قفا لغنا نرى العرصات أَو أثر الْخيام)
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
ورعن وَعَن وغن ولغل وغل ولعاء. قَالَ الشَّاعِر:
(لعاء الله فَضله عَلَيْكُم بِشَيْء أَن أمكُم شريم)
وَقَالَ الآخر: فَلَمَّا كثرت هَذِه الْكَلِمَة فِي استعمالهم حذفوا اللَّام. وَكَانَ حذف اللَّام أولى من الْعين وَإِن كَانَ أبعد من الطّرف لِأَنَّهُ لَو حذف الْعين لَأَدَّى إِلَى اجْتِمَاع ثَلَاث لامات. انْتهى.
-
والهمزة من لعاء مَفْتُوحَة كَمَا فِي لَعَلَّ. وَلَفظ الْجَلالَة فِي الْبَيْتَيْنِ مَنْصُوبَة على إِعْمَال لعاء عمل إِن. وَلَا يجوز جرها فَإِن الجارة إِنَّمَا هِيَ: لَعَلَّ وعل بِفَتْح لامهما وكسرهما.
وَالْمَشْهُور فِي إنشاد هَذَا الْبَيْت: لَعَلَّ الله فَضلكُمْ علينا)
وَكَذَا أنْشدهُ ابْن السّكيت بِكَسْر لَام لَعَلَّ وجر الْجَلالَة وَكَذَا رَوَاهُ الْمرَادِي فِي الجنى الداني وَابْن النَّاظِم وَابْن عقيل وَابْن هِشَام فِي شروحهم الألفية.
واللغات الْعشْرَة الَّتِي ذكرهَا الشَّارِح الْمُحَقق غير لعاء ذكرهَا ابْن مَالك فِي التسهيل وَزَاد عَلَيْهَا الْمرَادِي فِي الجنى الداني لُغَة أُخْرَى وَهِي رعل
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
بالراء بدل اللَّام الأولى.
وَأورد ابْن الْأَنْبَارِي فِي لغاتها لعلن بإبدال اللَّام الثَّالِثَة نونًا. وَأَرَادَ صَاحب الْقَامُوس أَيْضا فِي لغاتها لون بِفَتْح اللَّام وَالْوَاو وَتَشْديد النُّون الْمَفْتُوحَة فَتَصِير لغاتها أَربع عشرَة لُغَة.
وَقد اخْتلف أهل المصرين فِي اللُّغَة الْأَصْلِيَّة: فَقَالَ البصريون: الأَصْل عل. وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: الأَصْل لَعَلَّ.
وَنقل ابْن الْأَنْبَارِي دَلِيل الْفَرِيقَيْنِ وَرجح قَول الْكُوفِيّين. وَلَا بَأْس بإيراده مُخْتَصرا قَالَ: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن اللَّام الأولى فِي لَعَلَّ أَصْلِيَّة وَقَالُوا: لِأَنَّهَا حرف وحروف الْجَرّ كلهَا أَصْلِيَّة لِأَن حُرُوف الزِّيَادَة تخْتَص بالأسماء وَالْأَفْعَال. وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَيْضا أَن اللَّام خَاصَّة لَا تكَاد تزاد بِمَا تجوز فِيهِ الزِّيَادَة إِلَّا شاذًا نَحْو: زيدل وعبدل وفحجل فِي كَلِمَات مَعْدُودَة.
وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا زَائِدَة: وَقَالُوا: لأَنا وجدناهم يستعملونها كثيرا عَارِية
عَن اللَّام وَلِهَذَا حكمنَا بِزِيَادَة اللَّام فِي: عبدل وَنَحْوه لِأَن عبدا أَكثر اسْتِعْمَالا مِنْهُ.
وَالَّذِي يدل على زيادتها أَنَّهَا مَعَ أخواتها إِنَّمَا عملت النصب وَالرَّفْع لشبهها بِالْفِعْلِ لِأَن أَن: مثل مد وليت مثل لَيْسَ وَلَكِن أَصْلهَا كن ركبت مَعهَا لَا كَمَا ركبت لَو مَعَ لَا وَكَأن أَصْلهَا أَن أدخلت عَلَيْهَا كَاف التَّشْبِيه.
فَلَو قُلْنَا إِن لَعَلَّ أَصْلِيَّة لَأَدَّى ذَلِك إِلَى أَن لَا تكون على وزن من الْأَفْعَال الثلاثية والرباعية.
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
وَالصَّحِيح مَذْهَب الْكُوفِيّين.
وَقَول الْبَصرِيين: إِنَّا وجدناهم يستعملون لَعَلَّ بِغَيْر لَام فجوابهم: إِنَّمَا حذفت كثيرا لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال.
وَأما قَوْلهم: لما وجدناهم يستعملونها مَعَ حذف اللَّام فِي معنى إِثْبَاتهَا دلّ على أَنَّهَا زَائِدَة كَلَام عبدل فجوابهم: أَن هَذَا إِنَّمَا يعْتَبر فِيمَا يجوز أَن يدْخل فِيهِ حُرُوف الزِّيَادَة. وَأما الْحُرُوف فَلَا يجوز أَن يدْخل فِيهَا حُرُوف الزِّيَادَة.
وَأما قَوْلهم: إِن هَذِه الْحُرُوف إِنَّمَا عملت لشبه الْفِعْل فجوابهم: أَنا لَا نسلم أَنَّهَا إِنَّمَا عملت لشبه)
الْفِعْل فِي لَفظه فَقَط وَإِنَّمَا عملت لِأَنَّهَا أشبهته لفظا وَمعنى من عدَّة وُجُوه: أَحدهَا: أَنَّهَا تَقْتَضِي الِاسْم كَمَا أَن الْفِعْل يَقْتَضِيهِ.
وَالثَّانِي: أَن فِيهَا معنى الْفِعْل فَإِن وَأَن بِمَعْنى أكدت. وَكَأن بِمَعْنى شبهت وَلَكِن بِمَعْنى استدركت وليت بِمَعْنى تمنيت وَلَعَلَّ بِمَعْنى ترجيت. وَأَنَّهَا مَبْنِيَّة على الْفَتْح كالماضي.
وَهَذِه الْوُجُوه من المشابهة بَين لَعَلَّ وَالْفِعْل لَا تبطل بِأَن لَا تكون على وزن من أوزانه وَهِي كَافِيَة فِي إِثْبَات عَملهَا بِحكم المشابهة. انْتهى.
-
وَقَول الشَّاعِر: لعاء الله فَضلكُمْ علينا جملَة فَضلكُمْ: فِي مَوضِع رفع خبر للعاء بِمَعْنى لَعَلَّ. وَأما على رِوَايَة: لَعَلَّ الله فَضلكُمْ بجر الْجَلالَة فَلَعَلَّ حرف جر لَا يتَعَلَّق بِشَيْء لِأَنَّهُ يشبه الزَّائِد وَلَفظ الْجَلالَة فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ منع
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
رَفعه حَرَكَة الْجَرّ وَجُمْلَة فَضلكُمْ: خبر الْمُبْتَدَأ. والشريم وَكَذَلِكَ الشروم: الْمَرْأَة المفضاة وَهِي الَّتِي صَار مسلكاها وَاحِدًا.
وَالْبَيْت لم أَقف على تتمته وَلَا على قَائِله. وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده