إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله هُوَ صدر وعجزه: لِبَاس ملك بِهِ تزجى الخواتيم وَهنا وَقعت جملَة: إِن الله سربله: خَبرا
[ ١٠ / ٣٦٤ ]
لقَوْله: إِن الْخَلِيفَة والرابط الْهَاء فِي سربله. وَلَا يجوز فتح إِن هُنَا لِأَنَّهُ يصير فِي تَقْدِير. إِن الْخَلِيفَة سربلته وَلَا يَصح الْإِخْبَار بِالْحَدَثِ عَن اسْم الْعين وَلِهَذَا وَجب كسرهَا. وسربله: ألبسهُ يتَعَدَّى لمفعولين أَولهمَا ضمير الْخَلِيفَة وَالثَّانِي اللبَاس بِمَعْنى الثَّوْب. وَجُمْلَة بِهِ تزجي الخواتيم: صفة لملك والربط الْهَاء فِي بِهِ.
-
وَيجوز أَن تكون الْجُمْلَة خَبرا لإن الْخَلِيفَة وَحِينَئِذٍ جملَة إِن الله سربله لِبَاس ملك: مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها كَمَا قَالَ أَبُو حَيَّان فَتكون الْهَاء فِي بِهِ ضمير الْخَلِيفَة.
وَيجوز أَيْضا أَن تفتح أَن على تَقْدِير اللَّام. وتزجي بالزاي وَالْجِيم. والإزجاء: السُّوق. والخواتيم: جمع خاتام لُغَة فِي الْخَاتم.
يُرِيد: إِن سلاطين الْآفَاق يرسلون إِلَيْهِ خواتمهم خوفًا مِنْهُ فيضاف ملكهم إِلَى ملكه. ويروى: ترجى بالراء الْمُهْملَة من الرَّجَاء. وَهَذِه الراوية أَكثر من الأولى.
وَمثل الْوَجْه الأول آيَة سُورَة الْحَج وَهِي: إِن الَّذين أمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا إِن الله يفصل بَينهم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ الزّجاج وَتَبعهُ صَاحب الْكَشَّاف: خبر الأولى جملَة الْكَلَام مَعَ إِن الثَّانِيَة. وَقد زعم أَن قَوْلك: إِن زيدا إِنَّه قَائِم رَدِيء وَأَن هَذِه الْآيَة صلحت فِي الَّذين. وَلَا فرق بَين الَّذين وَغَيره فِي بَاب إِن. قلت: إِن زيدا إِنَّه قَائِم كَانَ جيدا.
وَمثله قَول الشَّاعِر: إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله وَلَيْسَ بَين الْبَصرِيين خلاف فِي أَن تدخل على كل ابْتِدَاء وَخبر تَقول: إِن زيدا إِنَّه قَائِم. انْتهى كَلَامه.
وَهَذَا تَعْرِيض بالفراء فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيره: وَقَوله: إِن الَّذين أمنُوا وَالَّذين هادوا إِلَى قَوْله:)
-
وَأَنت لَا تَقول: إِن أَخَاك إِنَّه ذَاهِب فَجَاز ذَلِك لِأَن
[ ١٠ / ٣٦٥ ]
الْمَعْنى كالجزاء أَي: من كَانَ مُؤمنا أَو على شَيْء من هَذِه الْأَدْيَان ففصل بَينهم وحسابهم على الله.
وَرُبمَا قَالَت الْعَرَب: إِن أَخَاك إِن الدَّين عَلَيْهِ لكثير فيجعلون إِن فِي خَبره إِذا كَانَ إِنَّمَا يرفع باسم مُضَاف إِلَى ذكره كَقَوْل الشَّاعِر:
(إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله سربال ملك بِهِ ترجى الخواتيم)
وَمن قَالَ هَذَا لم يقل: إِنَّك إِنَّك قَائِم وَلَا إِن أَبَاك إِنَّه قَائِم لِأَن الاسمين قد اخْتلفَا فَحسن رفض وَمثل الْبَيْت فِي الْوَجْهَيْنِ آيَة سُورَة الْكَهْف وَهِي قَوْله تَعَالَى: إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا. أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن فَيجوز أَن يكون إِنَّا لَا نضيع إِلَخ خبر إِن الَّذين والرابط الْعُمُوم. وَيجوز أَن يكون الْخَبَر جملَة أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن وَيكون جملَة إِنَّا لَا نضيع إِلَخ مُعْتَرضَة بَين اسْم إِن وخبرها.
قَالَ الزّجاج: يجوز أَن يكون الْخَبَر إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا وَمَعْنَاهُ: إِنَّا لَا نضيع أجرهم لِأَن ذكر من كذكر الَّذِي وَذكر حسن الْعَمَل كذكر الْإِيمَان فَيكون كَقَوْلِك:
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
إِن الله لَا يضيع أجره.
وَيجوز أَن يكون خبر إِن أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن وَيكون قَوْله: إِنَّا لَا نضيع أجر
من أحسن عملا قد فصل بِهِ بَين الِاسْم وَخَبره لِأَن فِيهِ ذكر مَا فِي الأول لِأَن من أحسن عملا بِمَنْزِلَة الَّذين آمنُوا. انْتهى.
وَزَاد الْفراء وَجْهَيْن آخَرين: أَحدهمَا: أَن يكون جملَة إِنَّا لَا نضيع: بَدَلا من إِن الَّذين.
وَالثَّانِي: أَن يكون الَّذين متضمنًا لِمَعْنى الشَّرْط لعمومه وَجُمْلَة إِنَّا لَا نضيع الْجَزَاء بِتَقْدِير الْفَاء. وهما ضعيفان لَا يجوزان.
إِن الْخَلِيفَة إِن الله سربله كَأَنَّهُ فِي الْمَعْنى: إِنَّا لَا نضيع أجر من عمل صَالحا فَترك الْكَلَام الأول وَاعْتمد على الثَّانِي بنية التكرير كَمَا قَالَ: يسئلونك عَن الشَّهْر الْحَرَام ثمَّ قَالَ: قتال فِيهِ يُرِيد عَن قتال فِيهِ بالتكرير.
وَيكون أَن تجْعَل إِن الَّذين آمنُوا فِي مهب جَزَاء كَقَوْلِك: إِن من عمل صَالحا فَإنَّا لَا نضيع أجره.)
فتضمر الْفَاء وإلقاؤها جَائِز. وَهُوَ أحب الْوُجُوه إِلَيّ. وَإِن شِئْت جعلت الْخَبَر أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن. هَذَا كَلَامه.
وَالْبَيْت الشَّاهِد من قصيدة لجرير. لَكِن الَّذِي رَأَيْته فِي ديوانه بنسخة صَحِيحَة قديمَة:
[ ١٠ / ٣٦٧ ]
يَكْفِي الْخَلِيفَة أَن الله سربله وَعَلِيهِ لَا شَاهد فِيهِ.
-
وَهَذِه القصيدة مدح بهَا الْعَزِيز بن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان ومطلعها:
(أواصل أَنْت سلمى بعد معتبة أم صارم الْحَبل من سلمى فمصروم)
(قد كنت أضمر حاجات وأكتمها حَتَّى مَتى طول هَذَا الوجد مَكْتُوم)
وَبعد الْبَيْت الشَّاهِد:
(من يُعْطه الله مِنْكُم يُعْط نَافِلَة وَيحرم الْيَوْم مِنْكُم فَهُوَ محروم)
(قوم أبوهم أَبُو العَاصِي وأورثهم جرثومةً لَا تساميها الجراثيم)
(قد فَازَ بالغاية الْعليا فأحرزها سَام خُرُوج إِذا اصطك الأضاميم)
(مَا الْملك منتقل عَنْكُم إِلَى أحد وَلَا بناؤكم العادي مهدوم)
وَهَذَا آخر القصيدة. وَجَرِير تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أول الْكتاب.
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
وَأنْشد بعده