الطَّوِيل عَليّ حراصًا لَو يسرون مقتلي هُوَ عجز من بَيت لامرئ الْقَيْس وَهُوَ:
[ ١١ / ٢٣٨ ]
على أَن لَو فِيهِ مَصْدَرِيَّة.
قَالَ الْمرَادِي فِي الجنى الداني: علامتها أَن يصلح فِي موضعهَا أَن كَقَوْلِه تَعَالَى: يود أحدهم لَو يعمر. وَلم يذكر الْجُمْهُور أَن لَو تكون مَصْدَرِيَّة وَذكر ذَلِك الْفراء وَأَبُو عَليّ والتبريزي وَأَبُو الْبَقَاء وتبعهم ابْن مَالك.
وَمن أنكرها تَأَول الْآيَة وَنَحْوهَا على حذف مفعول يود وَجَوَاب لَو أَي: يود أحدهم طول الْعُمر لَو يعمر بذلك ألف سنة لسر بذلك.
-
وَلَا تقع لَو المصدرية غَالِبا إِلَّا بعد مفهم تمن وَقل وُقُوعهَا بعد غير ذَلِك كَقَوْل قتيلة بنت النَّضر: الْكَامِل
(مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق)
انْتهى.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَلَا خَفَاء بِمَا فِي ذَلِك فِي الْجَواب من التَّكَلُّف. وَيشْهد للمثبتين قِرَاءَة بَعضهم: ودوا لَو تدهن فيدهنوا بِحَذْف النُّون فعطف يدهنوا بِالنّصب على تدهن لما كَانَ مَعْنَاهُ أَن تدهن.
وَيشكل عَلَيْهِم دُخُولهَا على أَن فِي نَحْو: وَمَا علمت من سوءٍ تود لَو بَينهَا وَبَينه
[ ١١ / ٢٣٩ ]
أمدًا بَعيدا.
وَأورد ابْن مَالك السُّؤَال فِي: لَو أَن لنا كرة وَأجَاب بِمَا ذَكرْنَاهُ وَبِأَن هَذَا من توكيد اللَّفْظ)
بمردافه نَحْو: فجاجًا سبلًا. وَالسُّؤَال فِي الْآيَة مَدْفُوع من أَصله لِأَن لَو فِيهَا لَيست مَصْدَرِيَّة.
وَفِي الْجَواب الثَّانِي نظر لِأَن تَأْكِيد الْمَوْصُول قبل مَجِيء صلته شَاذ كَقِرَاءَة زيد
ابْن عَليّ: وَالَّذين من قبلكُمْ بِفَتْح الْمِيم. انْتهى.
وَقد أورد الشَّارِح هَذِه الْآيَة هُنَا تبعا لِابْنِ مَالك فَيرد عَلَيْهِ أَنَّهَا لَو الَّتِي لِلتَّمَنِّي لَا مَصْدَرِيَّة.
وَقد ناقش الدماميني فِي تَوْجِيه دَلِيل المثبتين بأنّ يدهنوا مَنْصُوب بِأَن مضمرة جَوَازًا وَالْمَجْمُوع مِنْهَا وَمن صلتها مَعْطُوف على الْمَجْمُوع من لَو وصلتها فَهُوَ من بَاب عطف مصدر على آخر.
وَهَذَا ماشٍ على الْقَوَاعِد بِخِلَاف تَخْرِيج ابْن هِشَام. انْتهى.
وَالْبَيْت من معلّقة امْرِئ الْقَيْس الْمَشْهُورَة وَقَبله:
(وبيضة خدرٍ لَا يرام خباؤها تمتّعت من لهوٍ بهَا غير معجل)
[ ١١ / ٢٤٠ ]
قَوْله: وبيضة خدر إِلَخ الْوَاو وَاو ربّ والبيضة اسْتِعَارَة للمراة الْحَسْنَاء قَالَ الزوزنيّ: تشبّه النِّسَاء بالبيض من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: بِالصِّحَّةِ والسلامة عَن الطّمث وَمِنْه قَول الفرزدق: الوافر
(
خرجن إليّ لم يطمثن قلبِي وهنّ أصحّ من بيض النّعام)
الثَّالِث: فِي صفاء اللَّوْن ونقائه. وَرُبمَا شبّهت النِّسَاء ببيض النّعامة وَأُرِيد أنهنّ بيضٌ يشوب ألوانهنّ صفرَة. وَكَذَلِكَ بيض النعامة.
وَمِنْه قَول ذِي الرمة: الْبَسِيط كَأَنَّهَا فضَّة قد مسّها ذهب انْتهى.
والخدر بِالْكَسْرِ: السّتر وَيُطلق الخدر على الْبَيْت إِن كَانَ فِيهِ امْرَأَة. وأخدرت الْجَارِيَة: لَزِمت الخدر. وأخدرها أَهلهَا يتعدّى وَلَا يتعدّى كخدّروها بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف. وَالْمعْنَى: ستروها وصانوها عَن الامتهان وَالْخُرُوج لقَضَاء الْحَوَائِج.
وَقَوله: لَا يرام أَي: لَا يطْلب. وَالروم: الطّلب. والخباء بِكَسْر الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة: بَيت يعْمل من وبر أَو صوف أَو شعر وَيكون على عمودين أَو ثَلَاثَة. وَالْبَيْت أكبر مِنْهُ على سِتَّة أعمدة إِلَى تِسْعَة.
[ ١١ / ٢٤١ ]
وتمتّعت: جَوَاب رب. والتمتّع: التلذّذ بالمتاع وَهُوَ كل مَا ينْتَفع بِهِ كالطعام والبزّ وأثاث)
الْبَيْت. واللهو: ترويح النَّفس بِمَا لَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة. وَغير رُوِيَ بِالْجَرِّ على أَنه صفة للهو وَبِالنَّصبِ على أَنه حَال من التَّاء فِي
تمتّعت.
ومعجل: اسْم مفعول من أعجله أَي: حمله على أَن يعجل. قَالَ التبريزي: غير معجل أَي: غير خَائِف أَي: لم يكن ذَلِك مِمَّا كنت أَفعلهُ مرّة. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: أَي غير خَائِف.
وَقَالَ الإِمَام الباقلاني فِي إعجاز الْقُرْآن: قَالُوا: إِنَّهَا كبيضة خدر فِي صفائها. وَهَذِه كلمة حَسَنَة وَلَكِن لم يسْبق إِلَيْهَا بل هِيَ دَائِرَة فِي أَفْوَاه الْعَرَب وتشبيه سَائِر.
وعني بقوله: غير معجل أَنه لَيْسَ ذَلِك مِمَّا يتّفق قَلِيلا وَأَحْيَانا بل يتكرّر لَهُ بهَا.
وَقد يحمل على أَنه رابط الجأش فَلَا يستعجله إِذا دَخلهَا خوف حصانتها ومنعتها. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَيْت كَبِير فَائِدَة لأنّ الَّذِي فِي سَائِر أبياته قد تضمّن مطاولته فِي المغازلة واشتغاله بهَا فتكريره فِي هَذَا الْبَيْت مثل ذَلِك قَلِيل الْمَعْنى إِلَّا الزِّيَادَة الَّتِي ذكر من منعهتا. وَهُوَ مَعَ ذَلِك سليم اللَّفْظ فِي المصراع الأول دون الثَّانِي. انْتهى.
وَقَوله: تجاوزت أحراسًا إِلَخ قَالَ التبريزي: هُوَ جمع حرس. انْتهى.
وَهُوَ كحجر وأحجار. وحرس: جمع حارس كخدم جمع خَادِم كَذَا قَالَ الزوزني.
وَأَجَازَ أَيْضا أَن يكون الأحراس جمع حارس كصاحب وَأَصْحَاب
[ ١١ / ٢٤٢ ]
وناصر وأنصار وَشَاهد وأشهاد. وَمنعه بَعضهم لأنّ جمع فَاعل على أَفعَال لم يثبت.
-
قَالَ: وَأَصْحَاب إنّما هُوَ جمع صحب بِكَسْر الْحَاء كنمر وأنمار وَصَحب بِسُكُون الْحَاء: اسْم قَالَ الْجَوْهَرِي: فأمّا الأشهاد وَالْأَصْحَاب فَهُوَ جمع شَهِيد وَصَحب. وإليها مُتَعَلق بتجاوزت.
وعنى بالمعشر قَومهَا وَهُوَ الْجَمَاعَة من النَّاس. وعَلى مُتَعَلق بحراص وَهُوَ صفة معشر.
وَرُوِيَ أَيْضا:
(تجاوزت أحراسًا وأهوال معشرٍ عليّ حراصٍ . .)
فحراص وصف معشر فِي النصب والجر وَهُوَ جمع حَرِيص ككرام جمع كريم. وَفعله يتعدّى بعلى يُقَال: حرص عَلَيْهِ حرصًا من بَاب ضرب إِذا اجْتهد وَالِاسْم الْحِرْص.
وَقَوله: لَو يشرّون إِلَخ الْمصدر المؤوّل من لَو وَمَا بعْدهَا بدل اشْتِمَال من الْيَاء فِي عليّ.
وَإِلَى مَصْدَرِيَّة لَو ذهب التبريزي قَالَ: يُرِيد أَن يشرّوا. وَأَن تضارع لَو فِي مثل هَذَا الْموضع يُقَال: وددت أَن يقوم زيد ووددت لَو قَامَ إِلَّا أَن لَو يرْتَفع الْمُسْتَقْبل بعْدهَا. وَأَن تنصبه.)
قَالَ تَعَالَى: أيودّ أحدكُم أَن تكون لَهُ جنّةٌ من نخيلٍ وأعناب وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ودّوا لَو تدهن فيدهنون. انْتهى.
والمقتل: اسْم مصدر بِمَعْنى الْقَتْل. وَقَوله يشرّون قَالَ العسكري فِي كتاب التَّصْحِيف: وَمِمَّا يرْوى على وَجْهَيْن هَذَا الْبَيْت.
[ ١١ / ٢٤٣ ]
-
روى الْأَصْمَعِي: يشرّون بالشين الْمُعْجَمَة وَمَعْنَاهُ يظهرون يُقَال: أشررت الشَّيْء إِذا بسطته.
وَحَتَّى أشرّت بالأكفّ الْمَصَاحِف أَي: أظهرت. وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ يقتل مثلي خَفَاء. فَيكون قَتلهمْ إيّاه هُوَ الْإِظْهَار. وَرَوَاهُ غَيره: لَو يسرّون مقتلي من غيظهم عليّ. وَهَذَا مثل قَول الْقَائِل: هُوَ حَرِيص عليّ لَو يقتلني. يُقَال: أسررت الشَّيْء إِذا أظهرته وَهُوَ من الأضداد. وَمعنى يسرّون أَي: هم حراص على إسرار قَتْلِي وَذَلِكَ غير كَائِن لنباهتي وذكري. انْتهى.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي قَوْله: لَو يسرّون مقتلي: أَي يظهرونه. وَرِوَايَة الْأَصْمَعِي: لَو يشرّون أَي يظهرون يُقَال: أشررت الثَّوْب إِذا نشرته وشررته أَيْضا. انْتهى.
فَمَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ متّفق. وَهَذَا أحسن من قَول التبريزي تبعا لغيره: من رَوَاهُ بسين غير مُعْجمَة احْتمل أَن يكون مَعْنَاهُ يكتمون وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ يظهرون وَهُوَ من الأضداد. انْتهى.
قَالَ الزوزني: يَقُول لَك تجاوزت فِي زيارتي إِلَيْهَا أهوالًا كَثِيرَة وقومًا يحرسونها حراصًا على قَتْلِي جهارًا.
وترجمة امْرِئ الْقَيْس تقدّمت فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ من أَوَائِل الْكتاب.
[ ١١ / ٢٤٤ ]