من ذلك قول الشاعر:
فقد - والشك بين لي، عناء - بوشك فراقهم، صرد يصيح
أرداد: فقد بين لي صرد يصيح بوشك فراقهم، والشك عناء:
فقد فصل فيه بين (قد) والفعل: (بين)؛ وفصل بين المبتدأ الذي هو "الشك" وبين الخبر الذي هو (عناء) بقوله: (بين لي). وفصل بين الفعل الذي هو: (بين) وبين فاعله الذي هو: (صرد) بخبر المبتدا الذي هو (عناء)، وقدم قوله: (بوش فراقهم) وهو معمول (يصبح) ويصيح صفة لصرد، على صرد وتقدم الصفة أو ما يتعلق بها على موصوفها، قبيح.
وقد ذكر ابن جنى هذا البيت في مكان آخر من الخصائص، وأورد بعده بيتًا آخر هو غاية في التعقيد قائلًا: "وأغرب من ذلك وأفحش، وأذهب في القبح؛ قول الآخر:
لها مقلتا حوراء طل خميلة من الوحش ما تنفك ترعى عرارها
أراد: لها مقلتا حوراء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها،
[ ٤٢ ]
فمثل هذا لا يجيزه للعرب أصلا؛ فضلًا عن أن تتخذه للمولدين رسمًا" (١).
ومن ذلك قول الآخر:
فأصبحت بعد خط بهجتها كأن قفرًا رسومها قلمًا
أراد: فأصبحت بعد بهجتها قفرًا؛ كأن قلما خط رسومها؛ ففصل بين المضاف الذي هو: (بعد) والمضاف إليه الذي هو: (بهجتها) بالفعل الذي هو: (خط)؛ وفصل أيضًا بين كأن واسمها الذي هو: (قلما) بأجنبيين: أحدهما: قفرًا، والآخر: رسومها؛ لأن رسومها مفعول خط الذي هو: خبر كأن؛ وهذا قبيح.
وأقبع من هذا: أنه قدم خبر كأن عليها؛ وهو قوله: خط؛ وهذا، ونحوه مما لا يجوز لأحد قياس عليه (٢).
وأما بيت الكتاب (٣):
وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه
فحديثه معروف.
_________________
(١) الخصائص ١/ ٣٣٠
(٢) الخصائص ٢/ ٣٩٢
(٣) لا يوجد هذا البيت في الكتاب، وهو منسوب إلى الفرزدق؛ وليس في ديوانه ونسبه المبرد في الكامل ١/ ١٢٧ (طبعة المرصفي) وابن رشيق في العمدة في "باب الوحشي المتكلف، والركيك المستضعف"، وأبو الفرج في الأغاني ١٩/ ١٥ (طبعة بولاق) مع مخالفة في الشطر الأول وكذلك صاحب معاهد التنصيص.
[ ٤٣ ]
ومن ذلك قوله:
فليست خراسان التي كان خالد بها أسد، إذ كان سيفًا أميرها
وقد ذكر ابن جنى أن حديث هذا البيت طريف، وهو: أنه - فيما ذكر - يمدح خالد بن الوليد ويهجو أسدًا، وكان أسد وليها بعد خالد، قالوا: فكأنه قال: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفًا، إذ كان أسد أميرها، ففي كان - على هذا - ضمير الشأن والحديث، والجملة بعدها، التي هي (أسد أميرها) خبر عنها، وفي هذا التنزيل أشياء: منها الفصل بين اسم كان الأولى وهو (خالد) خبر عنها، وفي هذا التنزيل أشياء: منها الفصل بين اسم كان الأولى وهو (خالد) وبين خبرها، الذي هو (سيفًا) بقوله: (بها أسد إذ كان)، وفيها: أنه قدم بعض ما "إذ" مضافة إليه، وهو (أسد) عليها، وفي تقديم المضاف إليه، أو شيء منه على المضاف من القبح والفساد مالا خفاء به ولا ارتياب. وفيه - أيضًا -: أن (أسد) أحد جزأي الجملة المفسرة للضمير على شريطة التفسير، يعني ما في كان منه، وهذا الضمير، لا يكون تفسير إلا من بعده، ولو تقدم تفسيره قبله لما احتاج إلى تفسير (١).
ومن الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالنداء قول الشاعر:
كأن برذون أبا عصام زيد حمار دق باللجام
أي كأن برذوق زيد - با أبا عصا - حمار دق باللجام.
وأما الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور فإنه كثير، ولكنه قبيح، وهو من ضرورات الشعراء.
_________________
(١) الخصائص ٢/ ٣٩٧
[ ٤٤ ]
ومن ذلك قول ذي الرمة:
كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أصوات الفراريج (١)
وقول أبي حية النميري:
كما خط الكتاب بكف يومًا يهودي، يقارب أو يزيل
أي: بكف يهوذى، وقد كانت الكتابة يتعاطاها اليهود، ويقارب أو يزيل، يعني: يدني بعض خطه من بعض، أو يميز بين الحروف، ويباعد بينها (٢).
ومنه قول درني بنت عبعبة (٣)
هما أخوا في الحرب من لا أخاله إذا خاف يومًا نبوة فدعا هما.
أي: هما: أخوا من لا أخاله في الحرب، فعلق الظرف بما في (أخوا)، من معنى الفعل، لأن معناه هما ينصرانه، ويعاونانه.
ومنه قول تأبط شرًا (٤):
هما خطتا، إما إسار ومنه وإما دم، والقتل بالحر أجدر
_________________
(١) الكتاب ١/ ٩٢ والخزانة ٢/ ١١٩ وديوان الرمة ٧٦.
(٢) شواهد العيني ٣/ ٤٧٠، اللسان (مادة عجم)
(٣) الكتاب ١/ ٩٣، واللسان مادة (أبو) في الخامسة (شرح التبريزي) طبعة بن ٤٨٣ أن هذا الشعر لعمرة الخثعمية.
(٤) الخزانة ٣/ ٣٥٦
[ ٤٥ ]
ففصل بين (خطتا) و(إسار) بقوله (إما).
ومن ذلك قول الآخر:
فزججتها بمزجة زج القلوص أبي مزادة
أي: زج أبي مزادة القلوص، ففصل بينهما بالمفعول به، "مع قدرته على أن يقول: زج القلوص أبو مزاده".
يقول ابن جنى، "وفي هذا البيت عندي دليل على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول، ألا تراه ارتكب ههنا الضرورة، مع تمكنه من ترك ارتكابها، لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول؟ (١)
وقد جاء الفصل بين الجازم والمجزوم، تشبيهًا بالجار والمجرور، في قول ذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفارًا رسومها كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل
وقد جاء هذا في ناصب الفعل - أيضًا -، كالذي رواه ابن جنى عن محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، وهو قول الشاعر:
لما رأيت أبا يزيد مقاتلًا أدع القتال، وأشهد الهيجاء
أي لن أدع القتال، ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، كما أراد في الأول: كأن لم سوى أهل من الوحش:
_________________
(١) الخصائص ٢/ ٤٠٦
[ ٤٦ ]
يقول ابن جنى: وكأنه شبه (لن) (بأن)، فكما جاز الفصل بين أن واسمها بالظرف في نحو قولك: بلغني أن في الدار زيدًا، كذلك شبه (لن) مع الضرورة بها، ففصل بينها وبين منصوبها، بالظرف الذي هو: (ما رأيت أبا يزيد)، أي: مدة رؤيتي" (١).
وقد كان أبو الفتح ابن جنى معاصرًا، لأبي الطيب المتنبي ومصاحبًا له محبًا لشعره، وقد وجد في شعره شيئًا مما ذكره في هذا الباب، وهو قوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
فقال أبو الفتح ابن جنى:
"وذاكرت المتنبي شاعرنا نحوًا من هذا، وطالبته به في شيء من شعره فقال: لا أدري ما هو، إلا أن الشاعر قد قال:
لسنا كمن حلت إياد دارها تكريت ترقب حبها أن يحصدا
فعجبت من ذكائه وحضوره، مع قوة المطالبة له حتى أورد ما هو في معنى الذي تعقبته عليه من شعره، وذكرنا ذلك لاتصاله بما نحن عليه، فإن الأمر يذكر للأمر" (٢).
ومعنى هذا البيت: لسنا كمن حلت دارها، ثم أبدل (إياد) من (حلت دارها) فإن حملته على هذا كان لحنا، لفصلك بالبدل بين بعض الصلة وبعض، وهذا خطأ في الصناعة، وإذا كان كذلك والمعنى عليه: أضمرت ما يدل عليه (حلت) فنصبت به الدار، فصار تقديره: لسنا كمن حلت إياد
_________________
(١) الخصائص ٢/ ٤١١
(٢) الخصائص ٢/ ٤٠٢، ٤٠٣
[ ٤٧ ]
أي: كإياد التي حلت، ثم قلت من بعده: حلت دارها، فدل حلت في الصلة على حلت هذه التي نصبت (دارها).
ولم يعلق ابن جنى على بيت أبي الطيب - كما رأيت - لحبه لشعر أبي الطيب المتنبي ولكن الذي علق عليه معاصره القاضي الجرجاني، كما سيأتي.