ولقد أفاد عبد القاهر الجرجاني من تلك المسألة البلاغية التي مثل بها ابن جنى، وجعلها دليلًا على عناية العرب بإصلاح اللفظ، إفادة كبيرة؛ فلقد أطلق على ما أسماه ابن جنى: إصلاح اللفظ. عبارة التوخي في نظم اللفظ، وترتيبه، وبين على هدى مما قاله ابن جنى؛ في (زيد كعمرو) و(كأن زيدًا عمرو) - أنه لا يكون لإحدى العبارتين مزية على الأخرى"
_________________
(١) الخصائص ١/ ٣١٧
[ ١٠٤ ]
حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها، نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد؛ فتقول: (زيد كالأسد)؛ ثم تريد هذا المعنى بعينه، فتقول: (كأن زيدًا الأسد)، فتفيد تشبيهه - أيضًا - بالأسد، إلا أنك تريد في معنى تشبيهه به زيادة، لم تكن في الأول، وهي أن تجعله؛ من فرط شجاعته، وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد، ولا يقصر عنه حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي!
ثم يستنتج عبد القاهر من هذا الفرق، الذي أتى به ابن جنى أيضًا، من قولهم: (زيد كعمرو) و(كأن زيدًا عمرو)، أنه ليس إلا بما توحي النظم اللفظ وترتيبه - وهو ما سماه ابن جنى إصلاح اللفظ - حيث قدمت الكاف إلى صدر الكلام وركبت مع إن.
ثم يطلب منا بعد استنتاجه هذا، إن نجعله العبرة في الكلام كله، وأن نروض أنفسنا عليه قائلًا: وإذا لم يكن إلى الشك سبيل، أن ذلك كان بالنظم فاجعله العبرة في الكلام كله، ورض نفسك على تفهم ذلك، وتتبيعه" واجعل فيها: أنك تزاول منه أمرًا، عظيمًا، لا يقادر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره (١).
ثم يأتي عبد القاهر بتلك المسألة - أيضًا - في موضع آخر، شاهدًا على أنه إذا تغير النظم تغير المعنى، فيقول: فأما إذا تغير النظم، فلابد - حينئذ - من أن يتغير المعنى - على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير، وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن، أعني قولك: (إن زيدًا كالأسد، وكأن زيدًا الأسد) لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير
_________________
(١) دلائل الإعجاز ١٦٨، ١٦٩
[ ١٠٥ ]
النظم فقط، وأما فتحك (أن) عند تقديم الكاف، وكانت مكسورة، فلا اعتداد بها، لأن معنى الكسر باق بحاله (١).
ثم يطلق على الفروق التي تجدها بين نظم ونظم، اسم المزايا أو الخصائص، فيذكر أن السبب في أن أحالوا، في أشباه هذه المحاسن التي ذكرها، على اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني: بل هي زيادات فيها وخصائص؛ ألا ترى، إن ليست المزية التي تجدها لقولك: (كأن زيدًا الأسد) على قولك (زيد كالأسد) شيئًا خارجًا عن التشبيه الذي هو أصل المعنى، وإنما هو زيادة فيه، وفي حكم الخصوصية في الشكل، نحو أن يصاغ خاتم على وجه، وآخر على وجه آخر، تجمعهما صورة الخاتم، ويفترقان بخاصية، وشيء، يعلم أنه لا يعمل منفردًا، ولما كان الأمر كذلك لم يمكنهم أن يطلقوا، اسم المعاني على هذه الخصائص، إذ لا يفترق الحال - حينئذ - بين أصل المعنى، وبين ما هو زيادة في المعنى، وكيفية له، وخصوصية فيه، فلما امتنع ذلك توصلوا إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافًا له من حيث هو لفظ" (٢).