جاء حديث ابن جنى عن الإيجاز والإطناب؛ من خلال حديثه عن الفرق بين الكلام والقول، في باب عقده لهذا الغرض (١).
فأصل الكلام: أن يكون مفيدًا مستقلًا بنفسه، ويشهد لهذا قول كثير:
لو يسمعون - كما سمعت - كلامها خروا لعزة ركعًا وسجودًا
ومعلوم أن الكلمة الواحدة لا تشجو، ولا تحزن، ولا تتملك قلب السامع، وإنما ذلك فيما طال من الكلام، وأمتع سامعيه بعذوبة مستمعه، ورقة حواشيه.
فالكلام إذًا من بيت كثير إنما يعني به المفيد من هذه الألفاظ، القائم برأسه، المتجاوز لما لا يفيد، ولا يقوم برأسه من جنسه.
وقد جاء في أشعارهم ما يدل على وصف الحديث بالإطناب، كالذي تراه في قول الآخر:
ولما قضينا من منى كل حاجة ومسح بالأركان من هو ما سح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا وسالت بأعناق المطى الأباطح
فقوله: بأطراف الأحاديث يعلم منه أنه لا يكون إلا حملًا، كثيرة، فضلًا عن الجملة الواحدة.
_________________
(١) الخصائص ١/ ٢٧
[ ٧٣ ]
كما أنه قد جاء ما يدل على وصف الحديث بغاية الإيجاز، كالذي تراه في قول الشنفري:
كأن لها في الأرض نسيًا تقصه على أمها، وإن تخاطبك تبلت
أي تقطع كلامها، ولا تكثره.
كما أنه قد جاء في وصفهم للحديث بأنه وسط بين الإيجاز والإطناب، كالذي تراه في قول ذي الرمة:
لها بشر، مثل الحرير، ومنطق رخيم الحواشي، لا هراء ولا نزر
إلا أنه على أية حال، لا يكون ما يجري منه - وإن قل ونزر - أقل من الجمل التي هي قواعد الحديث، الذي يشوق موقعه، ويروق مستمعه.
وإطلاق الحديث على ما طال من الكلام، أمر صار معلومًا، غير مشكوك فيه، ألا ترى إلى قوله:
وحديثها، كالغيث يسمعه راعي سنين تتابعت جدبا!
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ويقول - من فرح - هيا ربا
يعني حنين السحاب وسجره، وهذا لا يكون عن نبرة، واحدة، ولا رزمة مختلسة وإنما يكون مع البدء فيه والرجع، وتثنى الحديث على صفحات السمع.
[ ٧٤ ]
وقول ابن الرومي:
وحديثها السحر الحلال لو أنه لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل، وإن هي أوجزت ود المحدث أنها لم توجز
شرك القلوب، وفتنة مامثلها للمطمئن، وعقلة المستوفز
فذكر ابن الرومي هنا: أنها تطيل في الحديث تارة، وتوجز فيه أخرى.
والإطالة، والإيجاز جميعًا؛ إنما هما، في كلام مفيد مستقل بنفسه: ولو بلغ بها الإيجاز غايته لم يكن له بد من أن يعطيك تمامه وفائدته، مع أن لابد فيه من تركيب الجملة، فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب.
فقد ذكر ابن جنى إذًا مصطلحي: الإيجاز، والإطناب؛ ولكنه عبر عن الإطناب بالإطالة ولم يذكر مصطلح: المساواة الذي نجده عند ابن رشيق (١)؛ ويمكن أن نفهمها عنده على أنها أصل الكلام؛ الذي لا يوصف بالإطناب، ولا بالإيجاز، على أن يكون مفيدًا، مستقلًا بنفسه كما شرط. كما يمكن أن تفهمها عنده استشهاده بقول ذي الرمة (لا هراء ولا نزر)
وابن جنى وإن لم يكون قد خصص بابًا للإيجاز، والإطناب، إلا أنه يمكن أن يضم إلى الإطناب عنده باب الاعتراض، وباب الاحتياط؛ وقد جمع فيه احتياط العرب للمعاني بالتأكيد اللفظي؛ والمعنوي، ثم بالتأكيد بالصفة
كما أنه يمكن أن ينضم إلى الإيجاز عنده باب الحذف.
وقد اشترط ابن جنى لحسن الإيجاز أمران:
_________________
(١) العمدة ١/ ٢٥٠
[ ٧٥ ]
أولهما: أن يكون الكلام مفيدًا. وثانيهما أن يكون مستقلًا بنفسه. ولهذا فإن ما جاء منه ناقصًا عن تركيب جملة فإنه لا يوصف بالحسن؛ ولا بالقبح. كقوله:
قلنا لها: قفي لنا قالت: قاف
وقول الآخر فيما حكاه سيبويه: "ألانا" فيقوله مجيبه: "بلى فا"
وأما قول مالك بن أسماء:
أذكر من جارتي ومجلسها طرائفًا من حديثها الحسن
ومن حديث يزيدني مقة مالحديث المرموق من ثمن
فإنه أدل على أن هنالك إطالة، وتمامًا، وإن كان بغير حشو ولا خطل ألا ترى إلى قوله: "طرائفًا حديثها الحسن"، فهذا لا يكون مع الحرف الواحد؛ ولا الكلمة الواحدة بل لا يكون مع الجملة الواحدة دون أن يتردد الكلام، وتتكرر فيه الجمل، فبين ما ضمنه من العذوبة وما في أعطافه من النعمة، واللدونة" (١)
_________________
(١) الخصائص ٣/ ٣١
[ ٧٦ ]