ويمكننا أن نرد على ابن الأثير بما يلي:
أولًا: أن قوله: "والذي عندي أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول، لأن الثاني هو التجريد" مبنى على أساس غير مسلم به، وهو التعريف الذي افترض صحته ابن الأثير، وهو: إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، وهو تعريف لم يقل به أحد غيره من البلاغيين.
ولهذا عرفه الخطيب بقوله: أن ينتزع من أمر ذي صفة، أمر آخر مثله في تل الصفة مبالغة في كما لها فيه (٢)، وبهذا التعريف تدخل كل أنواع التجريد، التي رفض دخولها ابن الأثير.
ثانيًا: أن قوله في: "لئن لقيت فلانًا لتقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر": إنه تشبيه مضمر الأداة، قد نقله من دلائل الإعجاز" لعبد القاهر إذ جعله تشبيهًا على حد المبالغة (٣)، وأما قوله "إذ يحسن
_________________
(١) المثل السائر ٢/ ١٦٧
(٢) الإيضاح (ضمن شروح التلخيص) ٤/ ٣٤٨
(٣) دلائل الإعجاز ٤٥
[ ١٢٧ ]
تقدير أداة التشبيه فيه" فمأخوذ - أيضًا - من أسرار البلاغة لعبد القاهر؛ إذ جعل حسن دخول أداة التشبيه مفرقًا بين ما يرجح أن يكون تشبيهًا، وما يرجح أن يكون استعارة (١).
فلما رأى عبد القاهر بعد هذا النوع تشبيهًا على حد المبالغة ظن أنه أخرجه عن التجريد؛ فأخذ عنه هذا الرأي دون أن يشير إليه!
ثالثًا: أن أبا علي الفارسي لم يقل: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه" فقد غير ابن الأثير - كما أسلفنا لك - عبارة ابن جنى، وهي: "إن العرب قد تعتقد في الشيء من نفسه معنى آخر، كان حقيقته ومحصوله" فجعل قوله "تعتقد أن في الإنسان" بدلًا من قوله "تعتقد في الشيء" ليتسى له الرد الذي أسلفناه؛ فكأنه اصطنع مبررًا للهجوم على أبي علي الفارسي؛ لكي يبدو، وكأنه قد فاقه في علمه!
على أن الذي أوحى له بهذا الرد هو ما قاله ابن جنى في نهاية هذا الباب: "وقد دعا تردد هذا الموضع (أي مخاطبة النفس) على الأسماع ومحادثته الأفهام، أن ذهب قوم، إلى أن الإنسان هو معنى متلبس بهذا الهيكل الذي يراه؛ ملاق له، وهذا الظاهر مماس لذلك الباطن، كل جزء منه منطو عليه، ومحيط به" (٢).
وهذا القول يعزى إلى الإمام مالك ﵁ - وهو في الحقيقة لأتباعه - ففي جوهرة التوحيد:
ولا تخض في الروح إذ ما وردا نص من الشارع لكن وجدا
لمالك هي صورة كالجسد فحسبك النص بهذا السند (٣)
_________________
(١) أسرار البلاغة ٢٦٤
(٢) الخصائص ٢/ ٤٧٦
(٣) الخصائص (تعليق للشيخ محمد علي النجار) ٢/ ٤٧٦
[ ١٢٨ ]