لم يعين أحد ممن ترجم لابن جنى سنة ولادته، ويكتفون بقولهم: إنه ولد قبل الثلاثين والثلاثمائة، إلا أبا الفداء، الذي يذكر أن ولادته كانت ٣٠٢ هـ، ولكنهم يتفقون على سنة وفاته، وهي سنة ٣٩٢ هـ.
وقد قالوا: إن ابن جنى قد صحب أستاذه أبا علي الفارسي أربعين عامًا" على أثر معرفته به في مسجد الموصل، وقد كان ذلك في سنة ٣٣٧ هـ.
وقد قال ابن قاضي شهبة - في طبقات النحاة - إنه توفى وهو في سن السبعين ومعنى هذا: أن ولادته كانت في حوالي سنة ٣٢٣ هـ
وإذا كانت ولادته في هذه السنة، فإن معرفته بأبي علي الفارسي في مسجد البصرة قد تمت وهو في سن الخامسة عشرة، ونروي قصة لقائه بأبي علي: أن أبا علي مر عليه، وهو يدرس العربية، ومن القليل أن يتعرض المرء للتدريس في هذه السن المبكرة، وهذا يرجح رواية أبي الفداء في تاريخ ولادته.
غير أن رواية لقائه بأبي علي - وهي التي يذكرها ابن الأنباري في نزهة الألباء - ربما توحي لنا بأن ابن جنى - وهو يدرس العربية بمسجد البصرة - كان في هذه السن المبكرة لأنها تقول، وكان سبب صحبته إياه: أن أبا علي الفارسي كان قد سافر إلى الموصل فدخل إلى الجامع فوجد أبا الفتح عثمان بن جنى، يقرأ النحو، وهو شاب، وكان بين يديه متعلم وهو يكلمه، في قلب الواو وألفًا، نحو قام، وقال، فاعترض عليه أبو علي، فوجده مقصرًا، فقال له: تزببت وأنت حصر (١)!
_________________
(١) الخصائص ١/ ١٠ من المقدمة، وانظر نزهة الأنباء ٤٠٨ (الطبعة الأولى).
[ ٢٠ ]
فقول أبي علي: تزييت وأنت حصرم، تدل على أن ابن جنى - وهو يدرس العربية في مسجد الموصل - كان في سن مبكرة.
وقد توفى ابن جنى في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر صفر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة، في خلافة القادر (١)، وتولى الصلاة عليه الشريف الرضى، وكان بينها صداقة وكيدة - كما في ديوان الشريف الرضى -.
وقد رثاه الشريف الرضى بقصيدة، منها:
ألا بالقوم، للخطوب الطوارق وللعظم يرمي كل يوم بعارق
وللدهر يعرى جانبي من أقاربي ويقطع ما بيني وبين الأصادق
وللنفس قد طارت شعاعًا من الجوى لفقد الصفايا، وانقطاع العلائق
لها كل يوم موقف من مودع وملتفت في عقب ماض مفارق
نجوم من الإخوان يرمى بها الردى مغاربها فوت العيون الروامق
ومنها:
لتبك أبا الفتح العيون بدمعها وألسننا من بعدها بالمناطق
إذا هب من تلك الغليل بدامع تسرع من هذى الغرام بناطق
شقيقي إذا التاث الشقيق وأعرضت خلائق قومي جانبًا عن خلائقي
_________________
(١) نزهة الألباء ٢٢٢
[ ٢١ ]