كان ابن جنا محبًا لشعر أبي الطيب المتنبي، إذ هو يستشهد به كثيرًا في خصائصه، على المعاني والأغراض؛ فقد التقى به، في حلب عند سيف الدولة الحمداني، وفي شيراز عند عضد الدولة بن بويه.
وقد قرأ ابن جنى على المتنبي ديوانه؛ يقول البديعي: قال أبو الفتح ابن جنى: كنت قد قرأت ديوان المتنبي عليه، فلما وصلت إلى قوله:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب وأعجب من ذا الهجر، والوصل أعجب
وقوله:
وأخلاق كافور إذا شئت مدحه وإن لم أشأ تملى علي وأكتب
إذا ترك الإنسان أهلًا وراءه ويمم كافورًا فما يتغرب!
فقلت له: يعز علي أن يكون هذا الشعر، في ممدوح غير سيف الدولة، فقال حذرناه، وأنذرناه؛ فما نفع فيه الحذر، ألست القائل فيه:
أخا الجود: أعط الناس ما أنت مالك ولا تعطين الناس ما أنا قائل؟
فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره، وقلة تمييزه (١)
وواضح أن قراءة ابن جنى على المتنبي ديوانه كانت بعد هروبه من مصر وهجائه لكافور.
ويورد البديعي قصة تدل على إعجاب ابن حنى بشعر المتنبي فيقول:
_________________
(١) الصبح المنبي ١٠٠
[ ١٤ ]
كان أبو علي الفارسي بشيراز، وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارس، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء؛ وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه، أو يحط منه، وكان يسوؤه إطناب أبي علي في ذمه؛ واتفق أن قال أبو علي يومًا: أذكروا لنا بيتًا من الشعر نبحث فيه؛ فبدأ ابن جنى وأنشد:
حلت دون المزار؛ فاليوم لوزر ت لحال النحول دون العناق
فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال: لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى؛ فقال ابن جنى للذي يقول:
أزورهم، وسواد الليل يشفع لي وأنثنى، وبياض الصبح يغري بي
فقال: والله هذا حسن، بديع جدًا؛ فلمن هذا؟ قال للذي يقول:
أمضى إرادته، فسوف له قد واستقرب الأقصى، فثم له هنا
فكثر إعجاب أبي علي، واستغرب معناه، وقال: لمن هذا؟ فقال ابن جنى: للذي يقول:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى
فقال: وهذا حسن والله؛ وقد أطلت يا أبا الفتح؛ فأخبرنا من القائل؟
قال: هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويشتقبح زيه، وفعله،
[ ١٥ ]
وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت: نعم، قال: والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة فأطال في الثناء على أبي الطيب؛ ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبيانًا من الشعر (١).