فأما (هل): فقد أخرجت عن بابها، وهو الاستفهام، إلى معنى
_________________
(١) الخصائص ٢/ ٤٦٢
(٢) الخصائص ٣/ ٢٦٠ (٩ - الخصائص)
[ ١٢٩ ]
(قد) وهو: التحقيق، وذلك نحو قول الله تعالى: "هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا (١)؟ " قالوا: معناه: قد أتى عليه ذلك.
ويرى العلامة ابن جنى أن هل يمكن أن تكون مبقاة في هذا الموضع على بابها، من الاستفهام، فكأنه قال - والله أعلم - هل أتى على الإنسان هذا؟ فلابد في جوابه من نعم؟ ملفوظا بها أو مقدرة أي: فكما أن ذلك كذلك، فينبغي للإنسان أن يحتقر نفسه، ولا يفخر بما فتح له.
وهذا كقولك لمن تريد الاحتجاج عليه بالله هل سألتني فأعطيتك؟ ! أم هل زرتني فأكرمتك؟ ! أي: فكما أن ذلك كذلك فيجب أن تعرف حقي عليك، وإحساني إليك.
ويؤكد هذا المعنى عندك: قول الله تعالى: "إنا خلقًا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا، إنا هديناه السبيل" فعدد الله تعالى عليه أباديه وألطافه. وهذا المعنى الذي يقول به ابن جنى قريب من معنى التقرير، لأن الله تعالى، إنما أتى بالكلام على صيغة الاستفهام لأنه يعلم أن الإجابة لابد أن تكون بنعم وكأنه تعالى، أراد أن يقر الإنسان بحقه عليه، وإحسانه إليه.
ومن ذلك (٢): قول الله تعالى: "يوم نقول لجهنم هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ " (٣) فقد قالوا: معناه: قد امتلأت، وهو - كما يقول ابن جنى - تفسير على المعنى دون اللفظ، وهل مبقاة على استفهامها
_________________
(١) الإنسان ١
(٢) الخصائص ٣/ ٢٦٣
(٣) سورة ق ٣٠
[ ١٣٠ ]
وذلك كقولك للرجل - لا تشك في ضعفه عن الأمر - هل ضعفت عنه؟ وللإنسان - يحب الحياة - هل تحب الحياة؟ أي: فكما تحبها، فليكن حفظك لها، وكما ضعفت عن هذا الأمر، فلا تتعرض لمثله، مما تضعف عنه، وكأن الاستفهام، إنما دخل هذا الموضع، ليتبع الجواب عنه، بأن يقال: نعم، فيحتج عليه باعترافه، فيجعل ذلك طريقًا إلى وعظه، أو تبكيته. من معنى التقرير، لأن الوعظ، والتبكيت إنما يكونان لمن أقر بخطئه.
والدليل على ذلك قول ابن جنى بعد هذا الكلام مباشرة: ولو لم يعترف في ظاهر الأمر به، لم يقو توقيفه عليه، وتحذيره من مثله، قوته إذا اعترف به، لأن الاحتجاج على المعترف أقوى منه على المنكر، أو المتوقف.
ثم يقول: فكذلك قوله سبحانه هل امتلأت؟ فكأنها قالت: لا، فقبل لها: بالغي في إحراق المنكر لذلك، فيكون هذا خطابًا في اللفظ لجهنم، وفي المعنى للكفار.
وكذلك جواب هذا من قولها: هل من مزيد؟ أي: أتعلم يا ربنا أن عندي مزيدًا؟ فجواب هذا منه - عز اسمه - لا، أي: فكما تعلم أن لا مزيد، فحسبي ما عندي.
فعلى هذا قالوا - في تفسيره - قد امتلأت، فتقول: ما من مزيد (١).
_________________
(١) الخصائص ٣/ ٢٦٤
[ ١٣١ ]
وهكذا تجد أن (هل) - هنا - على الرأي الأول بمعنى (قد) أي: التحقيق، وعلى رأي ابن جنى، يكون معناها قريبًا من معنى التقرير.
وقد تدخل همزة الاستفهام على (هل) فتخرجها عن معنى الاستفهام، إلى الخبر، وتكون - حينئذ - بمعنى (قد)، أي للتحقيق، لأنها، لو بقيت على الاستفهام، لا امتنع ملاقاتها لهمزته لاستحالة اجتماع حرفين لمعنى واحد، وذلك كقول زيد الخيل الطائي في إغارته على بني يربوع (١).
سائل فوارس يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم؟ !
أي: سائل هؤلاء الفوارس عن شجاعتنا، فقد رأوا شجاعتنا بذلك المكان!