يصف ابن جنى كتابه "الخصائص"، ويبين بعض ظروفه، وملابساته من خلال إهدائه إلى بهاء الدولة، أبي نصر؛ فيروز عضد الدولة بن بوية الذي تولى حكم العراق بعد وفاة أخيه شرف الدولة (١)، في سنة ٣٧٩ هـ. وقبض على الطائع الخليفة العباسي في سنة ٣٨١ هـ.
ومن تلك الظروف والملابسات:
١ - أن أبا الفتح قد عكف دهرًا طويلًا، على تصنيف هذا الكتاب، معملًا فكره، ورأيه، ورويته في سبيل إخراجه على الوجه الذي يصبو إليه جودة، وإتقانًا مع أن الوقت لم يسعفه لإعادة الإلمام بشوارده.
٢ - أنه لم يستطع أحد من الكوفيين، أو من البصريين أن يلم به، لامتناع جانبه على الفريقين، فلم ير أحدًا من علماء البلدين: البصرة والكوفة قد تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه أما كتاب الأصول لأبي بكر بن السراج، فإنه لم يلم بما ألم به ابن جنى في الخصائص وأما أبو الحسن الأخفش سعيد بن مسعدة المتوفى سنة ٢١٠ هـ فقد صنف كتيبًا إذا قورن بكتاب الخصائص علم أن أبا الفتح قد ناب عنه فيه وكفاه مئوته التعب به مكافأة منه على ما أولاه له من علومه التي سعد بها.
_________________
(١) تاريخ الأمم الإسلامية (الدولة العباسية) ٣٩٨
[ ٢٥ ]
٤ - أن الذي سأله تصنيف هذا الكتاب إنما هو بعض تلاميذه ممن آنس بصحبته وأرتضى حال أخذ عنه، وأنه سأل فأطال المسألة وأكثر الحفاوة والمبلاينة حتى أجابه إلى طلبه.
ويحسن أن نستمع إلى ابي الفتح عثمان بن جنى يسف كتابه "الخصائص" وهو يقدمه إلى بهاء الدولة، "هذا - أطال الله بقاء مولانا الملك السيد المنصور المؤيد، بهاء الدولة، وضياء الملة، وغياث الأمة. وأدام ملكه ونصره، وسلطانه، ومجده، وتأييده، وسموه، وكبت شانئه وعدوه - كتاب لم أزل على فارط الحال، وتقادم الوقت، ملاحظًا له، عاكف الفكر عليه، منجذب الرأي، والروية إليه، وإذا أن أجد مهملًا، أصله به، أو خللًا، أرتقه بعمله، والوقت يزداد بنواديه ضيقًا، ولا ينهج لي إلى الابتداء طريقًا هذا مع إعظامي له، وإعصامي بالأسباب المنتاطه به، واعتقادي فيه، أنه من أشرف ما صنف في علم العرب وأذهبه في طريق القياس والنظر، وأعوده عليه بالحيطة والصون، وآخذه له، من حصة التوقير والأون، وأجمعه للأدلة على ما أودعته هذه اللغة الشريفة: من خصائص الحكمة، ونيطت به من علائق الاتقان والصنعة فكانت مسافر وجوهه، ومحاسر أذرعه وسوقه، تصف لي ما اشتملت عليه مشاعره، وتحى إلى بما خيطت عليه من أقرابه وشواكله، وتريني أن تعريد كل من الفريقين البصريين، والكوفيين عنه، وتحاميهم طريق الإلمام به، والخوض في أدنى أو شاله وخلجه، فضلًا عن اقتحام غماره ولججه، إنما كان لإمتناع جانبه، وانتشار شعاعه، وبادي تهاجر قوانينه وأوضاعه وذلك أنا لم نر أحدًا من علماء البلدين تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه. فأما كتاب أصول أبي بكر، فلم يلمم فيه بما نحن عليه إلا حرفًا أو حرفين في أوله، وقد تعلق عليه به، وسنقول في معناه.
على أن أبا الحسن، قد كان صنف في شيء من المقاييس كتيبًا، إذا
[ ٢٦ ]
أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك أنا نبنا عنه فيه، وكفيناه كلفة التعب به، وكافأ باه على طليف ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا، المفيضة ماء البشر والبشاشة علينا، حتى دعا ذلك أقوامًا نزرت من معرفة حقائق هذا العلم حظوظهم، وتأخرت عن إدراكه أقدامهم إلى الطعن عليه والقدح في احتجاجاته وعلله، وترى ذلك مشروحًا في الفصول بإذن الله.
ثم إن بعض من يعتادني، ويلم لقراءة هذا العلم لي ممن آنس بصحبته لي، وأرتضى حال أخذه عني، سأل فأطال المسألة، وأكثر الحفاوة والملاينة أن أمضى الرأي في إنشاء هذا الكتاب، وأوليه طرقًا من العناية والإنصاب فجمعت بين ما أعتقده "من وجوب ذلك على، إلى ما أوثره من إجابة هذا السائل لي، فبدأت به، ووضعت يدي فيه، واستعنت الله على عمله، واستمددته - سبحانه - من إرشاده وتوفيقة، وهو - عز اسمه - موتي ذلك بقدرته وطوله ومشيئته (١).
_________________
(١) الخصائص ١/ ١، ٢، ٣
[ ٢٧ ]