يمكن أن نتبين هذا المعنى، من خلال فصل عقده ابن جنى لما أسماه: "بالفروق، والفصول"؛ وهي الأمور التي يفرق بها بين المضاف والمضاف إليه، وبين الفعل والفاعل، وبين المبتدأ والخبر، وبين الصفة والموصوف، أو ينتج عنها تقديم وتأخير على غير وجهة الصحي مما يؤدي بالكلام إلى التعقيد اللفظي (١) - كما يسميه جمهور البلاغيين - أو المعاظلة المعنوية يسميه أبو هلال العسكري (٢)، ويجاريه في ذلك ابن الأثير.
على أن هذه الأمور، وإن كانت تعرقل السامع عن فهم المعاني المقصورة من الكلام، ولا يرتضيها الذوق السليم، ولا يأنس إليها الطبع الصحيح؛ وتدل على جور الشاعر وتعسفه؛ إلا أنها لا تدل على ضعف لغته بل إنها مؤذنة بعلو قدمه في مجال الفصاحة؛ لأنه إنما تعسف ما تعسف ثقة - كما منه في امتلاك زمام اللغة، والتصرف فيها على حسب إرادته -.
ولهذا: أدخلها ابن جنى في باب: شجاعة العربية، لدلالتها على شجاعة الشاعر في تجشمه ما لم يعهد من أمر اللغة، وخرق العادة فيها.
"فمتى رأيت الشاعر قد ارتكب مثل هذه الضرورات على قبحها، وانخراق الأصول بها - فاعلم أن ذلك - على ما جشمه منه - وإن دل من وجه - على جوره وتعسفه، فإنه من وجه آخر مؤذن بصياله وتخمطه، وليس بقاطع دليل على ضعف لغته، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته.
_________________
(١) الخصائص ٢/ ٣٩٠
(٢) الصناعتين ١٧٩
[ ٤٠ ]
بل مثله في ذلك - عندي - مثل مجرى الجموم بلا لجام، ووأرد الحرب الضروس حاسرًا من غير احتشام هـ فهو - وإن كان معلومًا في عنقه وتهالكه - فإنه مشهود له بشجاعته، وفيض منته؛ ألا تراه لا يجهل، أن لو تكفر في سلاحه، أو اعتصم بلجام جواده، لكان أقرب إلى النجاة وأبعد عن الملجاة؟ لكنه جشم ما جشمه على علمه بما يعقب اقتحام مثله، إدلالًا بقوة طبعه، ودلالة على شهامة نفسه؟ ! "
ثم يزيد ابن جنى هذا الأمر تأكيدًا؛ وهو أن تلك الأمور السابقة، بما لا يقدح في فصاحة الشاعر، - وإن كانت تقدح في فصاحة الشعر - فيقول: "فاعرف بما ذكرناه حال ما يرد في معناه، وأن الشاعر، إذا أورد منه شيئًا، فكأنه لأنه بعلم غرضه وسفور مراده لم يرتكب صعبًا، ولا جشم إلا أممًا؛ وافق بذلك قابلًا له، أو صادف غير آنس به، إلا أنه هو قد استرسل واثقًا، وبنى الأمر على أن ليس ملتبسًا" (١).