ويستدل ابن جنى، في موضع آخر من كتابه الخصائص (٣)، أن الهمزة تفيد الإنكار ويمثل لذلك بقول الله تعالى: "أأنت قلت للناس"؛ أي: ما قلت لهم، وقوله تعالى: " آلله أذن لكم"، أي: لم يأذن لكم.
لأنها دخلت على الموجب هنا، فعاد نفيًا.
وبقول الله تعالى: "ألست بربكم؟ ! " أي: أنا كذلك؛ وقول جرير:
"ألستم خير من ركب المطايا؟ ! "
_________________
(١) يونس ٩٥
(٢) المائدة ١٣١
[ ١٣٣ ]
أي: أنتم كذلك:
لأنها لحقت لفظ النفي - في الآية للكريمة وفي البيت - فعاد إيجابا
ثم يوضح معنى الإنكار هنا بأنه إنما كان الإنكار كذلك، لأن منكر الشيء إنما غرضه أن يجيله، على عكسه، وضده، ولهذا استحال به الإيجاب
وهكذا تجد أن ابن جنى قد جعل همزة الاستفهام - في موضع من كتابه - للتقرير، وجعلها - في موضع آخر - للإنكار، والأمثلة واحدة في الموضعين وهو محقق في الموضعين!
فقد بين لنا عبد القاهر، كيف أن التقرير، والإنكار يجتمعان في مثال واحد، وذلك إذ يقول بعد أن أورد أمثلة للاستفهام التقريري مع تقديم المسند إليه: وأعلم أن الهمزة - فيما ذكرنا - تقرير بفعل قد كان، وإنكار له لم كان، وتوبيخ لفاعله عليه، ومن الأمثلة التي أشار إليها عبد القاهر بذلك القول قوله تعالى - حكاية عن قول نروذ - وأأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (١) ".
ولهذا يقول الخطيب: إن من مجيء الهزة للإنكار، نحو قوله تعالى "أليس الله بكاف عبده؟ ! " وقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا وأتدى العالمين بطون راح؟ !
أي: ألله كاف عبده، وأنتم خير من ركب المطايا، لأن نفي النفي إثبات ثم قال: وهذا مراد من قال: إن الهمزة فيه للتقرير، أي: للتقرير بما
_________________
(١) دلائل الإعجاز ٨٩
[ ١٣٤ ]
دخله النفي (١). ويرتب على هذا، العلامة الدسوقي (٢). أنه يصح أن يقال: إن الهمزة فيه للتقرير، كما يصح أن يقال: إنها للإنكار، ومثله قول الله تعالى "ألم نشرح لك صدرك؟ ! " و"ألم يجدك يتيما فآوى؟ !، فقد يقال: إن الهمزة للإنكار. وقد يقال: إنها للتقريرن وكلاهما حسن.