تستمد خطبة واصل قيمتها من الظروف التي أحاطت بها، وقد سردتها في تضاعيف ما مضى من الكلام. ولسنا بحاجةٍ إلى أن نعيد القول في أن خطبة طويلة تقال ارتجالا واقتضًابًا في مقام رهيب، ويقتدر صاحبها على الاستغناء عن حرف هو من أكثر الحروف دورانا في الكلام (^١) على حين أنها خطبة تتسم بطابع ديني، وتقتبس فيها معاني القرآن وأساليبه ونصوصه، فلا يفر صاحبها من أن يزوّد خطبته بذلك الزاد، ولكنه يفرُّ في حذق من ألفاظ معينه إلى مرادف لها - كل أولئك إنما ينبئ عن قدرة فنية لا تتأتى إلا للأفذاذ من الخطباء، فهو
_________________
(١) حفظ لنا التاريخ بعض الخطب التي نزعت منها حروف معينة، كخطبة أحمد بن علي بن الزيات المالقى المتوفى سنة ٧٢٨ فقد نزع منها (الألف)، أولها: «حمدت ربى جل من كريم محمود، وشكرته عز من عظيم معبود»، ولكنها لم تكن مرتجلة كخطبة واصل. انظر الإحاطة ١: ١٥٤ وجمهرة خطب العرب للأستاذ صفوت ٣: ٢٢٦.
[ ١٣٠ ]
حين يريد أن يقول «أعوذ بالله القوي من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم» يقول: «أعوذ بالله القوى، من الشيطان الغويّ، بسم الله الفتاح المنان». وإذا أراد أن يتلوَ سورة كاملة من الكتاب قرأ سورة الإخلاص لخلوّها جميعها من الراء.
وحين يريد أن يقتبس من القرآن الكريم: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما» يقول: «لا يحويه زمان ولا يحيط به مكان ولا يئوده حفظ ما خلق». وإذا أراد أن يقول: «لا يعزب عنه مثقال ذرة» قال: «مثقال حبة»، وإذا أحب أن يقتبس من قوله تعالى: «أصبحوا لا تَرَى إلا مساكنهم (^١)» قال: «أصبحوا لا نعاين إلا مساكنهم». وإذا طلب أن يقول: «فبلغ رسالته» قال: «فبلغ مألَكته» إلى كثير من أشباه هذا.
والخطبة كذلك تقدم لنا نموذجا من خطب القرن الثاني الهجري، من الخطب التي تجنّبت السياسة والدعوة السياسية، وتجنّبت فتن المذاهب والدعوة المذهبية، فهي نموذج لخطب الوعظ الخالص (^٢). ابتدأها بحمد الله والثناء عليه (^٣)، ثم ثّنى بالشهادتين في إسهاب طيّب، وعقّب على ذلك بالصلاة على الرسول الكريم مثنيًا عليه، ثم حثَّ على التقوى والطاعة، ومال بعد ذلك إلى التحذير من مفاتن الدنيا والتهوين من شأن من أطاعتهم الدنيا وأغدقت عليهم ثم صاروا من بعدُ هامًا وأحاديث. ثم دعا لنفسه والناس أن يكونوا ممن ينتفع بالموعظة الحسنة، ثم نوّة بفضل القرآن وتلا ما تيسَّر له منه، بعد أن أجرى الاستعاذة والبسملة أيضًا على أسلوبه الذي يجانب الراء.
_________________
(١) هذه إحدى القراءات في الآية، وهي الخامسة والعشرون من سورة الأحقاف. انظر كتب القراءات والتفسير فيها.
(٢) كان واصل كما يروون على جانب من الزهد والتقوى، روى له الجاحظ في البيان ٣: ١٩٦ قوله: «المؤمن إذا جاع صبر، وإذا شبع شكر». وروى صاحب الأغانى ٣: ٤٠: «كان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها، لحبائل هذا الأعمى الملحد»، يعنى بشارا وما كان يقول من غزل ومجون فاجر.
(٣) كان هذا أمرا محتما في كل خطبهم في ذاك العصر، وكانوا يعدون الخطبة الخالية من هذا أمرا شنيعا، حتى لقد سموا خطبة زياد التي لم يلتزم فيها ذلك خطبة بتراء.
[ ١٣١ ]
وشيء آخر يلمع لنا من ثنايا الخطبة، فهذه الخطبة التي هي أشبه ما تكون بخطبة تقال في يوم الجمعة قد قيلت في مناسبة رسمية كما يقولون، وكان من المتوقع فيها أن يثنى القوم على الأمير ويذكروا فضله وآلاءه، وينوَّهوا بُيْمن عهده وازدهار أيامه، ولكن يبدو أن الطابع الديني كان غلابًا في ذلك الزمان، والرهبة الدينية كانت لا تزال في قوتها وسلطانها، فإن القوم كانوا ينتهزون مختلف الفرص ليقوموا بواجب التذكير والوعظ، والإرشاد والهداية.
والناظر في خطب هذه الفترة يجد شبها كبيرا بين هذه الخطبة وخطبة عمر ابن عبد العزيز (^١)، وكذا بينها وبين خطبة سليمان بن عبد الملك (^٢)، اجتمع فيها كلها التحذير من مفاتن الدنيا، وتصوير نهاية الأحياء في ذل وهوان، كما اشتملت على التنويه بفضل القرآن والحث على اتّباع آيه وهديه، كما اتفقت في الأسلوب المبنى على المزاوجة، وظهور السجع اليسير في غير ما تعمُّل.