مقدمة ابن سنا الملك في نظم الموشحات:
بسم الله الرحمن الرحيم
رب "انعمت فزد ١
الحمد لله استفتاحًا بحمده، واستنجاحًا بذكره، ورحمة الله وبركاته، وسلامه وصلاته، على سيدنا وسيد النبين والمرسلين، والآخرين والأولين، محمد وآله الأقربين الأطيبين، وصحابته المنتخبين المنتجبين٢.
وبعد؛ فإن الموشحات مما ترك الأول للآخر، وسبق بها المتأخر المتقدم، وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وغادر بها الشعراء من متردم٣، مُلحةُ الدهر، وبابل السحر، وعنبر الشّحر وعود الهند، "وخمر القفص"٤ وتبر الغرب، ومعيار الأفهام، وميزان الأذهان، ولباب الألباب، تلهى وتطرب، وتؤيس وتطمع، وتخلب وتجلب، وتفرغ وتَشغَل، وتُؤنس وتُنفِر. هزلٌ كله
_________________
(١) ١ بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أستعين، وكفى به معين "ل" والصواب "معينًا". ٢ المنتجبين المنتخبين "ق". ٣ من يتردم "ل". ٤ "وخمر القفص": ن في "ق".
[ ٢٩ ]
جِدّ، وجِدّ كله هزل، ونظم تشهد العين أنه نثر، ونثر يشهد الذوق أنه نظم. صار المغرب بها مشرقًا لشروقها بأفقه، وإشراقها في جوه، وصار أهله بها أغنى الناس لظفرهم بالكنز الذي ذخرته لهم الأيام، وبالمعدن الذي نام عنه الأنام.
وكنت في طليعة العمر وفي رعيل السن قد هِمتُ بها عشقًا، وشغفت بها حبًّا، وصاحبتها سماعًا، وعاشرتها حفظًا، وأحطت بها علمًا، واستخرجت خباياها، واستطلعت خفاياها، وقَلبتُ ظهورها وبطونها، وعانقت أبكارها وعُونها، وغصت على جواهرها المكنونة، وتخطيت من أخبارها المعلومة إلى أسرارها المكتومة، ولبثت فيها من عمري سنين، إلى أن عرفت أن معرفتها تزكية للعقل، وتعديل للفهم، وجهلها تجريح للطبع، وتفسيق الذهن، وأنه لا أدل على أن الذهن لطيف، والفهم شريف، والطبع فايق، والعقل راجح، إلا معرفتها فإن العارف بها قد شهدت له معرفته بذكاء الحس، وضياء النفس، وإشراق نور الفهم، ورقة حاشية العلم، كما أنه لا أدل على أن الفهم فدم، والعقل غفل، والذهن عهن والطبع طَبِع، والخلق خَلَق، إلا جهلها. فإن الجاهل بها بعد سماعها قد شهِد جهله بأنه كز الغريزة، جاسي الطبيعة، غليظ
[ ٣٠ ]
الحاشية، فطير الفِطرة، عاميُّ الفكرة، بهيمي الهمة، لم يخرج بعد إلى وجود الأدب، ولا بينه وبين الفضل نسب. ولم أعن بالجاهل بها من لم يصنعها، بل من إذا سمعها فكأنه لم يسمعها.
ولما كانت الموشحات بهذه المثابة، ولها في سوق الأدب هذه القيمة، ولم أر أحدًا صنف في أصولها ما يكون للمتعلم مثالًا يحتذى١ وسبيلًا يقتفى٢، جمعت في هذه الأوراق ما لا بد لمن يعاينها ويعنى بها من معرفته، ولا غناء به٣ عن تفصيله وجملته، ليكون للمنتهي تذكرة٤، وللمبتدي تبصرة٥، وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ يحتذى "ل". ٢ يقتفي "ل". ٣ غِنًا بها "ل". ٤ تذكره "ل". ٥ تبصره "ل".
[ ٣١ ]
حَدّ الموشح١:
الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص، وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له: التام، وفي الأقل من خمسة أقفال، وخمسة أبيات، ويقال له: الأقرع. فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات.
فمثال التام موشح الأعمى، وهو "الذي سارت به الركبان"٢:
ضاحك عن جمان سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان وحواه صدري
فهذا الموشح ابتدئ بقفله.
ومثال الأقرع:
سطوة الحبيب أحلى من جنى٣ النحل
وعلى الكثيب أن يخضع للذل
أنا في حروب مع الحدق النجل
ليس لي بأحور فتان
من رأى٤ جفونه قد٥ أفسدت دينه
_________________
(١) ١ هذا العنوان ناقص في "ق" وظاهر على الهامش في "ل". ٢ "الذي سارت به الركبان": ن في "ق". ٣ جنا "ل، ق". ٤ رأى "ل". ٥ لقد "ل".
[ ٣٢ ]
"فهذا الموشح ابتدئ ببيته"١
والأقفال هي أجزاء مؤلفةٌ يلزم أن يكون كل قفل منها متفقًا مع بقيتها، في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها.
والأبيات هي أجزاء مؤلفةٌ مفردة أو مركبة يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقًا مع بقية أبيات الموشح في وزنها، وعدد أجزائها لا في قوافيها، بل يحسن أن تكون قوافي كل بيت منها مخالفة لقوافي البيت الآخر، والقفل، كما تقدم، يتردد في الموشح ست مرات في التام، وخمس مرات في الأقرع.
وأقل ما يتركب القفل من جزءين فصاعدًا إلى ثمانية أجزاء، "وقد يوجد في النادر ما قفله تسعة أجزاء"٢ وعشرة أجزاء، ولم أجد للمغاربة منه ما أثق بنسبه فلهذا لم أذكر مثالًا منه.
والبيت لا بد أن يتردد في التام وفي الأقرع خمس مرات، وأقل ما يكون البيت ثلاثة أجزاء، وقد يكون في النادر من جزءين، وقد يكون من ثلاثة أجزاء ونصف، وهذا لا يكون إلا فيما أجزاؤه مركبة، وأكثر ما يكون
_________________
(١) ١ "فهذا الموشح ابتدى ببينه" ن في "ل". ٢ "وقد يوجد في النادر ما قفله تسعة أجزاء" ن في "ق".
[ ٣٣ ]
خمسة أجزاء والجزء من القفل لا يكون إلا مفردًا، والجزء من البيت قد يكون مفردًا، وقد يكون مركبًا، والمركب لا يتركب إلا من فقرتين أو من ثلاث فقر، وقد يتركب في الأقل من أربع فقر.
وسنكتب ههنا مثالًا لكل ما ذكرناه ليتلخص١ ويتشخص وينتقل ما ندركه٢ بالقول سماعًا إلى أن تراه بالخط عيانًا فأمثلة الأقفال:
القفل المركب من جزءين:
شمس قارنت بدرًا راح٣ ونديم
المركب من ثلاثة أجزاء:
حلت يد الأمطار أزرَّة النوار
فياخِدني
المركب من أربعة أجزاء:
ادر لنا أكواب ينسى بها الوجد واستحضر الجلاس كما اقتضى الود
_________________
(١) ١ ليتخلص "ل". ٢ يدركه "ل". ٣ كأس "ل".
[ ٣٤ ]
المركب من خمسة أجزاء:
يا من أجود ويبخل على شحي١ وافتقاري
أهواك وعندي زيادة منها "شوقي وادكاري"٢
المركب من ستة أجزاء
ميتات الدِّمَن أحيين كربي وهل يتمكن
عزاء لقلبي٣ مت يا عزاه شاه
المركب من سبعة أجزاء:
الموشح المعروف بالعروس، وهو موشح ملحون واللحن لا يجوز استعماله في شيء من ألفاظ الموشح إلا في الخرجة خاصة فلهذا٤ لم نورد مثاله.
المركب من ثمانية أجزاء:
على عيون العين رعى الدراري من شغف٥ بالحب
واستعذب العذاب والتذ حاليه٦ من أسف وكرب
وقد يندر في بعض الموشحات الشاذة التي لا يعول عليها أن
_________________
(١) ١ سحى "ل". ٢ ولهذا "ق". ٣ "شوقي وادكاري" ن في "ق". ٤ من شغف "ل". ٥ عن القلبي "ق". ٦ حالبه "ل".
[ ٣٥ ]
تكون١ أققالها مختلفة أعداد الأجزاء كالموشح الذي أوله:
بأبي عِلْقُ٢ بالنفس عليق
وهذا الموشح لعُبادة* فإن قفله الأول جزءان، وبقية أقفاله ثلاثة، وسيأتي هذا الموشح "منسوقًا"٣ في جملة ما نذكر٤ من الموشحات التي ذكرت الأمثلة منها، فإني أذكر في آخر هذه الأوراق كل موشح ذكرت المثال منه؛ ليكون أنس المتعلم بها أكثر٥ وعلمه بها في نفسه أرسخ.
أمثلة الأبيات:
أمثلة ما أجزاؤه مفردة
ما هو منها على ثلاثة أجزاء
أرى لك مهند
أحاط به الإثمد
فجرد ما جرد
فيا ساحر الجفن
حسامك قطاع
_________________
(١) ١ يكون "ل". ٢ علق "ل". ٣ "منسوقا": ن في "ل". ٤ يذكر "ل". ٥ "ليكون أنس للمتعلم، وبها فكره أكثر وأغزر" "ل".
[ ٣٦ ]
ما هو منها على أربعة أجزاء
قد باح دمعي بما أكتمه وحنّ قلبي لمن يظلمه
رشا تمرن في لا فمه كم بالمنى أبدًا ألثمه
يفتر عن لؤلؤ متسق من للأقاح بنسيمه العبق
أمثلة الأبيات التي أجزاؤها مركبة
ما تركب "بيته"١ من فقرتين وثلاثة أجزاء
أقم عذري فقد آن أن أعكف
على خمر٣ يطوف بها أو طف
كما تدري هضيم الحشى مخطف
إذا ما ماد في مخضرة الأبراد
رأيت الآس بأوراقه قد ماس
ما تركب من فقرتين وثلاثة أجزاء ونصف
من أودع الأجفان صوارم الهند
وأنبت الريحان في صفحة الخد
قضى على الهيمان بالدمع والسهد
أنى وللكتمان
_________________
(١) ١ "بيته" ن في "ق". ٢ خمري "ل".
[ ٣٧ ]
للهايم المغرم بدمع نم إذ يسجم بما يكتم من السر
في عاطل حال غرير ساط علي بالدعج
ما تركب من فقرتين وأربعة أجزاء
ما حوى محاسن الدهر إلا غزال
معرق الخدين من فهر عم وخال
نسبة للنايل الغمر وللنزال
فأنا أهواه للفخر وللجمال
وجهه وجه طليق للضيوف مشرق ويد تسطو على الأسد فتفرق٢
ما تركب من فقرتين وخمسة أجزاء
هن الظباء٣ الشمس قنيصهن الضيغم
ما إن٤ لها من كنس إلا القلوب الهيتم
القرب منها عرس والبعد عنها مأتم
تلك الشفاه اللعس يحي بهن المغرم
لها لحاظ نعس ترنو إلى من يسقم٥
_________________
(١) ١ حالي "ل". ٢ فتفترق ل". ٣ الظبا "ق". ٤ أن "ل". ٥ تسقم "ق".
[ ٣٨ ]
بأعين الغزلان وتبتسم عن جوهر الأسماط
قضى لها الغيران أن تكتتم في مضمر الأنياط
وقد يندر في بعض الموشحات ما يكون بيته جزءين مركبين من فقرتين، وهو شاذ جدًّا "وهو"١:
باكر إلى الخمر واستنشق الزهرا
فالعمر في خسر ما لم يكن سكرا
فقل ما أسلو عن مرشف الأكواس وساحرالطرف مساعد الجلاس
فسقيني بنت٢ الزراجين
ما تركب من ثلاثة فقر وثلاثة أجزاء
من لي به يرنو بمقلتي ساحر إلى العباد
ينأى به الحسن فينثني نافر صعب القياد
وتارة يدنو كما احتسى الطاير ماء الثماد
فجيده أغيد والخد بالخال منمق تكتمه٣ الحجب فلي إلى الكلة تشوق
_________________
(١) ١ "وهو" ن في "ل". ٢ تنبت "ل". ٣ يكتمه "ل".
[ ٣٩ ]