حول القصيدة
بدأ زهير قصيدته في مدح هرم بن سنان بغرض تمهيدي وهو الغزل فتحدث عن أسماء التي تعلق بها قلبه، وهام بحبها فؤاده، وقد ارتحلت عنه بعد أن صار قلبه أسيرًا لديها وحبيسًا عندها، وكانت قد وعدته اللقاء ومنته الوصال، ولكنها لم تفِ بالعهد وماطلت في الوصل حتى كاد أمله في اللقاء يتبدد.
ثم تحدث عن مسلكها نحوه، وموقفها منه، فهي ماكرة خبيثة، لا رحمة عندها ولا شفقة، إذ أخذت تعرض للشاعر، وتتراءى له لتشوقه إليها وتعطفه نحوها، وتحزنه لهذا الفراق الذي لا أمل معه في اللقاء، فحن لرؤيتها، ومنَّى نفسه بالوصول ولا محالة أن يشتاق من عشقا وأخذ في الحديث عن ابنة البكري التي أعجبه لونها وجيدها وريقها
وزهير في هذا يسير على نهج شعراء عصره، فقد كانوا يفتتحون قصائدهم بالغزل أو ذكر الطلل أو بهما معًا، وقد بدأ زهير قصيدته هذه بالحديث عن محبوبته أسماء، وهو ليس من شعراء الغزل، لأنه رجل تعقل وحكمة ورزانة، يقول الدكتور طه حسين عن غزله: إنه يثير في نفسك الأشجان الهادئة الرقيقة التي تخرجك عن طورك العادي، ولا تبلغ بك الحزن الممض، ولا اليأس المهلك، ولا الأسى العميق، وإنما هي تحيي في قلبك طائفة من الذكرى البعيدة١ وقد علل ابن رشيق سر بدء الشعراء بأسماء النساء، وعدد أسماء من
_________________
(١) ١ حديث الأربعاء: جـ ٨٢/١، ط دار المعارف، الطبعة الثالثة عشرة.
[ ٢٥٣ ]
تغزل بها الشعراء نحو ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، ثم قال: إنها أسماء تخفُّ على ألسنتهم وتحلو في أفواههم، وكثيرا ما يأتون بها زورًا ويقول: وربما أتى الشعراء بالأسماء الكثيرة في القصيدة إقامة للوزن وتحلية للنسيب١
وهو بذلك يؤيد وجهة النظر التي تقول: إن الشعراء يأتون بها في مفتتح قصائدهم مراعاة للتقليد الفني الذي جرى عليه العرف في البدء بأسمائهم واستشهد لذلك بما رواه مالك بن زغبة الباهلي، أن الأصمعي أنشده قوله:
وما كان طبي حبها غير أنه يقام بسلمى للقوافي صدورها
[ ٢٥٤ ]