لكنهم يستثقلون التصريع في وسط الكلمة، لأن ذلك يؤذن ببدء قصيدة جديدة، فتصبح القصيدة كأنها مكونة من عدة قصائد إلا لسبب يدعو لذلك يقول ابن رشيق: وربما صرع الشاعر في غير الابتداء إذا خرج من قصة، أو من وصف شيء إلى وصف شيء آخر فيأتي حينئذ بالتصريع إخبارا بذلك وتنبيها عليه إلا أنه إذا كثر في القصيدة دل على التكلف٣.
٢ وينتقل الشاعر بعد هذه المقدمة إلى الغرض الأصلي سالكا في ذلك مسلك شعراء عصره في طريقة التخلص والانتقال من غرض لآخر، وكانت عادتهم في ذلك أن يذكروا بعض الحروف كبل، أو بعض العبارات التي تفيد الإضراب مثل عد عن ذا، أودع هذا كقول
_________________
(١) ٢ نقد الشعر صـ ٥٨ تحقيق كمال مصطفى ط الخانجي سنة ١٩٧٨. ٣ العمدة حـ ١٧٤/١.
[ ١٦٠ ]
حسان بن ثابت بعد أن تحدث عن الديار الدوارس وأراد ان ينتقل منها إلى الحديث عن حبيبته:
فدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاء
يقول ابن رشيق عن طريقة العرب حين كانت تتخلص من غرض لآخر: كانت العرب تقول عند فراغها من نعت الإبل وذكر القفار، وما هم بسبيله دع ذا وعد عن ذا ويأخذون فيما يريدون أو يأتون بأن المشددة ابتداء للكلام الذي يقصدونه ثم يقول: وإذا لم يكن التخلص متصلا بما قبله بل انتقل الشاعر من معنى إلى آخر من غير تعلق بينهما سمى اقتضابا وانقطاعا كأن الشاعر استهل كلاما آخر١.
وفي هذا الغرض يطلب الشاعر ممن يحمل رسالته أن يبلغها إلى قومه بالجزيرة على وجه السرعة وأن يخص منهم وجهاءهم وأهل الرأي فيهم، فهؤلاء أهل الحل والعقد، وبيدهم تبرم الأمور.
ولما كان لقيط يعمل في ديوان كسرى ويتصل بكثير من رجالات الفرس فقد أتاح له ذلك -بحكم موقعة- الاطلاع على كثير من أسرار الدولة ومعرفة بأمور الحرب والقيادة فإذا جاءهم الإنذار من
_________________
(١) ١ العمدة حـ ٢٣٩/١.
[ ١٦١ ]