الشنفرى بين نزعة التمرد والاعتصام بالكرامة الإنسانية لامية العرب للشنفرى
[ ١ ]
الشاعر١:
اختلف الرواة في اسمه كما اختلفوا في نسبه وأغلب الروايات تذكر أنه الشنفرى بن الأواس بكسر الهمزة أو ضمها بن الحجر بن الهنو ابن الأزد٢، فهو أزدي من أزد شنوءة التي كان موطنها جبال السراة، بين مكة والمدينة.
وكان أبوه في قلة من المال، وأمه كانت سبية.٣
وهو أحد أغربة العرب، ويصرح في شعره بأنه هجين٤ يقول:
ألا ليت شعري والتلهف ضلة بما ضربت كف الفتاة هجينا
وكان هؤلاء الأغربة ينبذهم آباؤهم لعار ولادتهم لأنهم ليسوا بأولاد حرائر ومن معاني الشنفرى الغليظ الفتين، وغلظ الشفتني من سمات الجنس الأسود كما يقرر ذلك علماء الأجناس.
_________________
(١) ١ راجع ترجمته: الأغاني جـ٢١صـ٨٧ سمط اللآلي ٤١٤ وأسماء المغتالين ٢٣١ والخزانة جـ٢ صـ١٦، والطرائف الأدبية ٢٧. ٢ الأغاني جـ٢١ صـ١٧٩. ٣ ابن الأنباري شرح المفضليات ١٩٥. ٤ الهجين: العربي الذي أمه أَمَةٌ.
[ ٢ ]
قد اصطرع قوم الشنفرى مع بني شبابة إحدى قبائل فهم بن عدوان وقد هزموا، وقتل والد الشنفرى في هذه المعركة، وأخذ هو أسيرًا وظل فيهم، حتى زهدوا فيه، واستبدلوه بأسير منهم وقع في أيدي أعدائهم بني سلامان، فكان الشنفرى في بني سلامان مكان الفهمي وعاش في بني سلامان كأنه واحد منهم وعلى عينيه غشاوة عن حقيقة وضعه حتى ظن أنه ابن الرجل الذي تبناه فكن يعامله على أساس أنه والده ويناديه ياأبي، حتى حدث ما حدث من الأحداث التي جعلته ينقم على بني سلامان ويعود إلى بني فهم.
وتختلف الروايات في سبب نقمته عليهم، وتذكر بعضها أن الرجل السلامي الذي كان يعيش عنده، الشنفرى ويرعى غنمه وإبله كانت له فتاة تسمى قعسوس وبينما هما يرعيان -وأبوها غائب- طلب منها الشنفرى أن تعينه في غسل رأسه فأنفت أن يستخدمها، ولطمته لطمة مدوية على خديه، طار لها لبه وفقد صوابه، واستشاط منها غضبا، وانتظر حتى حضر أبوها، وذهب له مغاضبا وسأله من أنا؟ فقال: من الأواس بن الحجر، فقال: أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استبعدتموني١.
ثم قال للجارية التي لطمته وقالت له لست بأخي:
آلا ليت شعري والتلهف ضلة بما ضربت كف الفتاة هجينها
_________________
(١) ١ الأغاني جـ٢١صـ١٧٩.
[ ٣ ]
ولو علمت قعسوس أنساب والدي
ووالدها ظلت تقاصر دونها
أنا ابن خيار الحجر بيتًا ومنصبًا وأما ابنة الأحرار لوتعرفينها
وبعض الروايات تذكر أنه أحبها، وتمنى أن يتزوجها، وحاول أن يقبلها حين خلا بها، فصكت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته فخرج إليه ليقتله فوجده ينشد أبياتًا يأسف فيها على أن هذه الفتاة لا تعرف نسبه، وبعضها تذكر أنه تزوجها فعلًا، وأن بني سلامان استقبحوا أن يصهر إليهم رجل كالشنفرى، وأن أبا قعسوس خشي أن يقتله أهله أن أصهر إليه، فأقسم له الشنفرى إن قتلوك لأقتلن منهم مائة رجل بِكَ فأنكحه ابنته، وبعد أن تزوجها الشنفرى قتلت بنو سلامان أباها، فأخذ الشنفرى يوفي بوعده للرجل فيغزو بني سلامان وقتلهم.
والذي يعنينا من ذاك أنه نشأ في غير قومه نشأة غير عادية، فلم يتمتع بما كان يتمتع به من نشأ بين قومه وفي أحضان عشيرته.
ففقد توازنه الاجتماعي مع قبيلة الأزد، ثم انتقل إلى قبيلة فهم المشهورة بلصوصها، وهناك اتصل به تأبط شرًا، ووجد فيه تلميذًا ممتازًا، فلقنه دروس الصعلكة الأولى، ورأى الشنفرى أن فرصته في الانتقام من قبيلة الأزد قد سنحت له فصب عليها كل غزواته.١
_________________
(١) ١ الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي د/ يوسف خليف ٣٧٥
[ ٤ ]
فكان يغير على الأزد على رجليه فيمن معه من فهم، وكان يغير عليهم وحده أكثر من ذلك.١
وتذكر بعض الروايات أنه قتل منهم تسعة وتسعين رجلًا، وأنهم حاولوا أكثر من مرة أن يتمكنوا منه ولكنه كان يفر منهم وأخيرًا تمكنوا من قتله بعد أن أذاقوه صنوف العذاب٢، فيمر رجل منهم بجمجمته فيضربها فتعقره فيموت، وتتم به المائة الذين كانت حلفة الشنفرى عليهم٣. ففي قتله لبني سلامان قتل لعدوه الظاهر ولم تدر أن نفس الشنفرى ليست ككل النفوس في إبائها للضيم وشعورها بالهوان، يقول عن نفسه:
ولكن نفسًا حرة لا تقيم بي على الضيم إلا ريثما أتحول
وقد كانت نفسه شديدة الحساسية سريعة التأثير فقد سجل هذا الصراع الذي دار بينه وبين بني سلامان: تهديده لهم، تربصه بهم، أحاديث غاراته عليهم، أسلحته التي استخدمها، كما صور فقره وهزاله ونعليه الممزقتين، وتشرده في الصحراء، وغير ذلك من
_________________
(١) ١ الأغاني جـ٢١صـ١٨٣. ٢ وقد رثاه صديقه تأبط شرًا بأبيات شاكية الطرائف الأدبية ٢٨. ٣ السابق ١٨٦.
[ ٥ ]
الأحداث التي لا ترجع أهميتها لذاتها بل لما تعسكه من آثار على نفسه وحياته.
على أن الشنفرى من الشعراء البارزين في طائفة الصعاليك والذين كان لهم منهج خاص في حياتهم ومنهم عروة بن الورد والسليك بن السلكة وتأبط شرًا، وقد تميز هؤلاء الصعاليك باحتراف الغزو والغارات على الأغنياء والبخلاء ثم يوزعون ما غنموه على الفقراء والمعوزين، وكانت لهم صفات نفسية وبدنية خاصة تؤهلهم للقيام بهذا العمل فقد تميزوا بالشجاعة والصبر وشدة المراس وتحمل المشاق وسرعة العدو حتى ضرب بهم المثل في ذلك فقيل: أعدى من الشنفرى
أو أعدى من السليك.
[ ٦ ]