الشاعر:
هو زهير بن ربيعة الملقب بأبي سلمى من قبيلة مزينة من مضر، ولكنه أقام عند بني غطفان لأنه تزوج منهم، ويقال: إنه غادر قومه لخلاف وقع بينه وبينهم فتركهم ونزل بأرض غطفان بالحاجر من نجد، فهو مزني النسب غطفاني النشأة، وقد صرح ابنه كعب في بعض شعره بهذا النسب فقال ردًا على مزرد بن ضرار وقد عَزَاهُ إلى مزينة١:
هم الأصل مني حيث كنتُ، وإنني من المزنيين المصفِّين بالكرم.
ويبدو أن والده لم يعمّر طويلًا، فقد مات وتزوجت امرأته أوس بن حجر الشاعر التميمي المشهور، وكان يقوم على تربيته والعناية به خاله بشامة بن الغدير، كما قام بأمر أخواته: سلمى والخنساء.
وزهير يحيط به الشعر من جميع أطرافه، فكان أبوه شاعرًا، وخاله بشامة بن الغدير شاعر، وزوج أمه أوس بن حجر شاعر أيضًا، وأختاه سلمى والخنساء شاعرتان، وكان ابناه بجير وكعب شاعرين، كما كان حفيده عقبة بن كعب المعروف بالمضرب شاعرًا، وكان ابن حفيده العوام بن المضرب شاعرًا أيضًا فهؤلاء خمسة شعراء من بيت واحد، ممالم يجتمع لشاعر آخر مثله، يقول ابن قتيبة:
إنه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير، وفي الإسلام ما اتصل في ولد جرير٢.
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء: جـ١٤٣/١ تحقيق أحمد محمد شاكر، ط الثالثة سنة ١٩٧٧. ٢ مقدمة شرح ديوان زهير: صـ ٨، والشعراء جـ ١٤٣/١.
[ ٢٢٨ ]
هذه النشأة أعانته على نظم الشعر وصقلت مواهبه، وجلت له من أسرار العبارة مالم يتح لشاعر آخر كالنابغة مثلا الذي لم يرث الشعر وراثة، ولم ينشأ عليه تنشئة.
وكان زهير راوية لأوس بن حجر، ولأوس مذهب في التصوير يمتاز بالدقة والجمال، وملازمة زهير له تجعله يفيد منه ويترسم خطاه، كما أن حفظه لأشعاره وترديده لها يزوده بذخيرة فنية يمتدح منها، شعر أم لم يشعر، كما كان يتأدب بأدب خاله بشامة بن الغدير، وهو من سادات غطفان، وكانت تعظمه وتستشيره، ولا شك أن هذا الجوار الطيب وملازمته له على هذا النحو، ومشاهدته الناس يتوافدون على حكمته ورأيه يجعله معجبًا بهذا الخال، مفيدًا من هؤلاء الوفود ومن هذا الحكيم أيضا.
وشهد زهير حرب داحس والغبراء التي شبت بين قبيلتي عبس وذبيان، ودار معظم شعره حولها، يصور أهوالها، ويصف الدمار والهلاك الذي تخلفه وراءها، ويدعو إلى السلام في وقت كان فيه عرب الجاهلية لا يعرفون غير العزو والقتال، وقد أسهمت عشيرة أخواله في تلك الحروب، وصليت نارها وخصَّ زهير بمدائحه هرم بن سنان والحارث بن عوف المريين اللذين احتملا ديات القتلى، ويقال إن الدية بلغت ثلاثة آلاف بعير أدياها في ثلاث سنين.١
وإذا كان زهير يمدح هرمًا ويمجده، ويشيد به في شعره، فقد كان هرم يغدق عليه وبذلك أعطى كل منهما صاحبه خير ما عنده، وقد تبدد ما أعطاه هرم لزهير، أما ما أعطاه زهير لهرم من
_________________
(١) ١ الأغاني: جـ٩٨/١٠.
[ ٢٢٩ ]
حلل البيان فقد خلده على مرور الأيام فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لبعض ولد هرم: أنشدني بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال يا أمير المؤمنين: إنا كنا نعطيه فنجزل: فقال عمر ﵁: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.١
واشتهر زهير بأنه من الذين يعنون بشعرهم، ويعيدون النظر فيه، حتى لينظر في القصيدة سنة كاملة، ولهذا سميت قصائده بالحوليات، وقلّ من يفعل ذلك من الشعراء، ولا شك أن هذا يشير إلى طبع من الطباع الفنية التي كانوا يتمتعون بها، وهو طبع التأني والرويَّة.
وإذا كان امرؤ القيس يمثِّل نموذج الإنسان المقبل على الحياة بنهم وشهوة جارحة، وحرية مطلقة في مواقعة الشر والتغني به، وعنترة نموذج الإنسان المعتصم بالبطولة، يؤدي بها غايته في الحياة، ويتخطى نطاق القدرة الإنسانية وشرط المصير البشري، وإذا كان طرفة تصرعه الحيرة، وتكتظ في نفسه الشهوة المنطوية على البعث والشعور الحاد بالزوال والعدم، فإن زهيرًا يؤدي من دونهم جميعا نموذج الإنسان القانع بقسمة المصير، وحكمة الإدارة الكلية للحياة، فلا تصرفه شهواته عن جادة العقل، كما أن الحيرة لا تعروه وتقضُّ مضجعه أمام دورة الزمن وحتمية القدر والموت كي يفرغ للخمرة
_________________
(١) ١ الشعر والشعراء: حـ ١٥٠/١.
[ ٢٣٠ ]
التي تغشى الأشياء، وتطمس واقعها، شأن طرفة، فعالمه الفني هو انعكاس هادئ لعالمه الواقعي١.
فهو من طراز آخر غير طراز امرئ القيس وغيره، إذ لم يكن مفتونا بالنساء وتصوير مغامراته القصصية معهن.
وهو ميال بطبعه إلى الوعظ والإرشاد، ودعوة الناس إلى الخير والصلاح، وله بعض الأبيات التي تدل على إيمانه بالله واليوم الآخر، وما فيه من حساب وثواب وعقاب كقوله:
فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخرْ فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم
فكأنه بذلك أحد المتحنفين الذين عاشوا قبل الإسلام وبرزت بعض مبادئهم في شعرهم.
ويظهر أنه عمَّر طويلًا، إذ يقال إنه أدرك الاسلام وله مائة سنة، ولم يسلم٢، والصحيح أنه مات قبل الإسلام بمدة قليلة، والذي أدرك الاسلام حقا ابناه: بجير وكعب، وقد أسلما وحسن إسلامهما٣.
_________________
(١) ١ موسوعة الشعر العربي: جـ ٣٠٩/٢. ٢ الأغاني: جـ ٢٩١/١٠. ٣ العصر الجاهلي: صـ ٣٠٥.
[ ٢٣١ ]