كما يصف الناقة التي تستقي بهذه الدلو، فهي ناقة معودة على هذا العمل الشاق ألفته ومرنت عليه، يقول عنها: مقتلة من النواضح، وهذه العبارة تنطوي على شعور الإعجاب بهذه الناقة المدربة الماهرة، والتي تطيع صاحبها لساعات طويلة، دون أن تنفر منه أو تحرن، والسائق خلفها يحدو لها وينذرها بالسوط إن أبطات، والرجل القائم على فم البئر يستقبل الدلو ليفرغه في الجدول، ويصف كذلك الجدول الذي يجري فيه الماء، والضفادع التي تعيش على شواطئه، والحفرة التي تحيط بالنخيل، وأخيرًا يصف فزع الضفادع حين يجري الماء في الحفر، حيث تقفز إلى جذوع النخل تخاف الغرق والهلاك.
وقد عابوا عليه قوله عن الضفادع:
يخرجن من شربات ماؤها طحل على الجزوع يخفن الغم والغرقا
وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء مخافة الغرق والغم، وإنما ذلك لأنهن يبضن في الشطوط، فغلطوه في ذلك، وأنكروه عليه أشد الإنكار.
فهذا أبو هلال العسكري يتحدث عن الخطأ، ويعدد له أمثلة كثيرة ثم يقول: وقريب من هذا قول زهير: ويذكر البيت السابق، ويعلق عليه بقوله: ظن زهير أن الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق.
وكأنهم يفترضون في زهير أن يكون عالمًا بطبائع الحيوانات، عارفًا بصفاتها على وجه التحقيق العلمي، مع أن زهيرًا لم يقصد إلا أن يقول إن الماء الذي يصب في الجدول، ثم يجري في الشربات يخيف
[ ٢٥٧ ]
الضفادع، فتخرج منه مندفعة إلى الشاطئ، ولم يكن زهير مخطئًا في ذلك؛ لأن الضفادع لا تستطيع أن تعيش تحت الماء، إذ ليست لها خياشيم كخياشيم الأسماك تمكنها من أن تأخذ الأكسجين المذاب في الماء، بل هي تتنفس الهواء الجوي بواسطة رئتين لها عن طريق الأنف أو الفم، وبواسطة جلدها أيضًا، فلو وضعت تحت سطح الماء، وظلت تحته لغرقت فعلًا١.
على أن هذه الضفادع كانت مختفية في شقوق الجداول وفي الشربات حول أصول النخيل، فلما أحست بالماء خرجت تقفز وتثب على جذوع النخل.
وقد دافع ابن رشيق عن زهير بقوله: إن زهيرا لم يرد أنها تخاف الغرق على الحقيقة، ولكنها عادة من هرب من الحيوان من الماء، فكأنه مبالغة في التشبيه كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾ والقول فيهما محمول على كاد، مع أنا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابة خوفًا على نفسها من الهلكة، فكأنه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات٢.
_________________
(١) ١ يراجع الشعر الجاهلي: د محمد النويهي: صـ ١٤٠، وما بعدها، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة. ٢ العمدة: جـ ٢٥١/٢.
[ ٢٥٨ ]