مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وأستفتح بالذي هو خير.
وبعد:
فمنذ قدرلي الاتصال بالدراسات الأدبية أحسست في أعماقي هوى يشدني إلى الشعر الجاهلي، ويملي على إطالة الوقوف أمامه وإنعام النظر فيه، حتى غدا شغلي الشاغل، فوقفت عليه جهدي في أطروحتي الماجستير والدكتوراه، وما تزال الأواصر بيني وبينه موصولة، وما يزال شغفي به يزداد يوما بعد يوم.
ولعل ذلك راجع إلى أن الشعر الجاهلي هو القاعدة الصلبة، والينبوع الثر الذي يستمد منه الأدب العربي -على اختلاف عصوره وتنائي دياره- أسباب حياته: لما فيه من قيم جمالية أخاذة، ولأنه تعبير صادق عما استكن في أعماق قائله، وتصوير دقيق للبيئة العربية آنذاك، فلم يعرف قائله زيف العواطف، ولا تمويه القول، ومن ثم غدا المنارة الهادية التي انبثقت أضواؤها لتخترق غياهب العصور والأزمان، فإذا الأدب العربي كله على اتساع وقعته، وامتداد آفاقه يقبس من هذا النور، ويتخذه الأ نموذج والمثل.
[ ١ ]
لهذا كله أشرب قلبي حب الشعر الجاهلي، وصارت القراءة فيه تحقق لي متعة فنية أجد معها نفسي، هذه القراءات المتواصلة رشحت لي فكرة انتخاب بعض قصائده، أطيل الوقوف أمام قيمها الجمالية المتعددة من خلال التحليل الفني والاستشفاف والتفسير، والتعرف على نفسيات قائليها وتطلعاتهم وآمالهم وآلامهم وسائر حيواتهم من خلال ذلك.
وقد جاءت هذه القصائد المنتخبة تصور إنسان هذا العصر، إذ يصور بعضها خروج العربي على قومه ونفوره من جوارهم بسبب وجوده في وضع اجتماعي مهين لا دخل له فيه، ويصور بعضها خروج العربي على قومه كذلك من خلاله ذاته ويثبت جوده، كما يصور بعضها الآخر العربي في حرصه على سلامة قومه وتمسكه بالإنتماء إليهم مهما لقي في سبيل ذلك من العناء والهول الذي قد يسلمه للموت، فهذان اتجاهان متقابلان، وقد ختمت هذه القصائد بنموذج المديح الذي لم تدفع إليه رغبة أو رهبة، مما يكشف عن إنسان متحضر ذي قيم خلقية أصيلة.
وقد حاولت من خلال معايشة هذه النصوص أن يكون منظوري لها شاملا يتمثل أولًا في الرجوع إلى المعاجم والاستئناس بالشواهد الشعرية كلما كان ذلك ميسورا بغية تجسيد المعنى وكشف مكنونه بالنسبة لبعض الألفاظ، ومن واقع المعرفة اللغوية كنت أتجه
[ ٢ ]
إلى المعنى الذي يطلبه السياق ويستدعيه المقام، ويهدي إليه الذوق الفني، وأحيانا كنت أعرض المعاني الأخرى للكلمة التي لا يرفضها السياق، والتي تصح فيه بوجه من الوجوه، وإذا كانت هذه النظرة تبدو عليها سمة التقليدية ومسحتها فإنه لا مفر منها، إذ كنا نتعامل مع ألفاظ الشعر الجاهلي وبيننا وبين قائليه بون شاسع مع اختلاف الظروف والبيئات، على أن ربط هذه الألفاظ أو بعضها بأي من القرآن الكريم يسمو بالكلمة ويرطب من جفافها وييسر فهم مضمونها والمقصود منها.
لذلك كنت أقرأ القصيدة وأتعرف على ظروفها وسيرة شاعرها ثم أوجه عنايتي إلى دراسة لغتها فالشعر فن متميز البنية متميز الشكل متميز الجمال مادته اللغة بكل ما تحويه اللغة من طبيعة دلالية أو وظيفة إيحائية.
كما يتمثل ثانيًا في الاستعانة بالدراسة التحليلية التي تكشف عن نواحي الجمال الأدبي في النص كما يهدي إلى ذلك الذوق المتأمل، وذلك مثل دراسة الحالة النفسية للشاعر من خلال موسيقاه التي أفرغ في لحنها كلماته، والنفاذ من مدلول الكلمات أي إيماءاتها النفسية والفكرية، وغير ذلك مما يساعد في الوقوف على عناصر الإبداع في العمل الأدبي، تلك العناصر التي تتشابك وتتداخل.
[ ٣ ]
في ضوء هذا المفهوم اتجه الباحث في معالجة هذه النصوص مؤملا أن يضيف -من خلال هذا العمل المتواضع- لبنه في صرح البحث العلمي الخالص خدمة لتراثنا وأدبنا، والله من وراء القصد، وهو نعم المولى ونعم النصير.
السيد أحمد عمارة
[ ٤ ]