لمّا وطئت البصرة فى جملة عميد الحضرة أبي سعد [٢] حمزة بن منصور «١» أدام الله أيّامه [٣]، ماجت إلينا البادية، وانثالت [٤] وفودها على تلك الرّباع، كما تنثال أعراف «٢» الضّباع. فوجّه بعضهم سفراء [٥] إلى الخفراء، يستودعهم الشّعث الغبر من الحجّاج السالكين لذلك المنهاج، المترادفين فريقا بعد فريق، الآتين من كلّ فج عميق. وارتبط البعض في غمار المرتزقة من الجنود أر المرتفقة من الوفود. فبينا أنا يوما [٦] بين يديه، إذ دخل هذا المنتفقيّ عليه، وشكا إليه سنة أرست عليه الكلاكل «٣»، وأثكلته الكوم «٤»
_________________
(١) - في ب ٣ ول ١ وف ٢: الثقفي. وفي ل ٢: المنتقفي.
(٢) - في ب ٣ ول ١ وف ٣ وف ٢: سعيد.
(٣) - في ل ١: تأييده.
(٤) - في ب ٣ وف ٢: فأسالت. وفي ل ١: فانثالت.
(٥) - في ب ٣ وف ٢: شعرا.
(٦) - في ح وف ٣: ذات يوم.
[ ١ / ٨١ ]
البوازل «١»، وأركبت إليه [١] النوازل. ثمّ وصف له الأمل الذي ركب إليه مطاه، والسّهر في السّفر الذي نغّص بسراه النّوم على قطاه. فأوسعه تأهيلا وترحيبا، وأوطأه من ذراه [٢] كنفا رحيبا. فكان من جملة مفاوضات عميد الحضرة إيّاه أن قال [له] [٣]: قد عمّ علينا هذا الهواء [٤] الذي اصطلينا منه نارا حامية، لم تبق للعيس «٢» منسما، ولا للخيل حامية.
فهل لكم في أن نطنّب الخيام بجواركم، ونقرّط [٥] الآذان بحواركم، ونواردكم على نطف الأداوى «٣» [٦]، ونرنّح [٧] معكم [٨] على أغاريد حفيف الرياح نشاوى..؟ فقال: كرامة لمولانا. ولو [٩] استطعنا لنثرنا [عليه] [١٠] الأرواح على مرادك، وفرشنا الخدود تحت نعال جيادك.
ولي في خدمة أمثالك من الكبراء [١١] عادة، و[لك عندي على الحسنى زيادة] [١٢] . فقال عميد الحضرة: وما هي؟ قال [١٣] شقيقة لي كأنّها
_________________
(١) - في ح: له.
(٢) - في ف ٢: داره.
(٣) - اضافة في ح.
(٤) - في ب ٣ وف ٢: الهوى.
(٥) - في را: نقرظ.
(٦) - في ب ٢: الأذاوي.
(٧) - في ح وب ٣ ول ١ وف ٣ وف ٢: نريح.
(٨) - في ل ١ وف ٢: عندكم.
(٩) - في ل كلها: لو.
(١٠) - اضافة في ب ٣ ول ١ وف ٢.
(١١) - في ل ٢: الكرماء.
(١٢) - في ب ٢: لك عندي الحسنى وزيادة. وفي ب ٢ وب ١: آراؤنا.
(١٣) - في ح وب ١: فقال:
[ ١ / ٨٢ ]
فلقه قمر أجيبك [١] إليها لتبني عليها، فصدقت رغبته والتهبت شهوته، وركب من الغد إلى حلّته بعسفان «١»، وهي رملة ميثاء «٢» خالية [٢] الجنبات، وبزرابيّ [٣] «٣» مبثوثة من النّبات، تتنّفس أبرادها [٤] عن نسيم.
يطير بجناح الهوى [٥]، ويجاذب بحسن المسّ أهداب الرّداء. فإذا قبة من بين سائر قباب الحيّ، تنسب أرآنا «٤» [٦] في قصدها إلى الغيّ، وتشهد أنّا قد تركنا الرأي بالريّ لما نسجتها من دبور «٥» الأدبار، وركبتها من غواشي الغبار، وما بها إلّا كلاب تلغ «٦» في أسآر «٧» القعاب، أو تتمضمض من الطّرّاق بالعراقيب والكعاب، وما من قعب إلا وهو أشدّ عيمة «٨» منّا إلى الألبان، وما من جفنة إلّا ولها جراحة على اللّبان، فحاجتها
_________________
(١) - في ل ٢: أجيئك.
(٢) - في ب ١ وح وف ١ وف ٢ ول ٢: حالية.
(٣) - في ب ٣: بروابي.
(٤) - في ب ٢: أبرداها.
(٥) - في ب ٢ وف ٢ ول ٢: الهواء.
(٦) - في را: أدوانا. وفي ب ٢ وب ١: آراؤنا.
(٧) - في ح وف ١ ول كلها: فحاجاتها. وفي ف ٣: فحاجاتنا.
[ ١ / ٨٣ ]
إلى الزّائب «١» [١] كحاجتنا [٢] إلى الرائب. وفي أحد جوانب البيت عجوز في الغابرين تقذي بطلعتها الشّوهاء عيون الحاضرين، قد تركها الانحناء محطوطة المناكب، وكأنّ بنواصيها غزول العناكب. فأنشدت عميد الحضرة مداعبا [٣]:
يا ليتني حين خرجت خاطبا
(مشطور الرجز)
لقّاني الله طريقا شاطبا لا أمما منّي ولا مقاربا
حتّى إذا ما سرت شهرا دائبا ضلّ بعيري ورجعت خائبا [٤]
ثمّ قلت له: أبصر فلقة القمر التي وعدتها، فبهت أوّلا حتّى كلّت [٥] «٢» نوافذه، واستغرب ثانيا، حتّى استهلّت نواجذه وحلف عليه كامل لينزلنّ فأبى، وجاءه من ناحبة الذّلّ فنبا، واعتلّ عليه بمعاذير رخّصت له في سرعة
_________________
(١) - في ح وف ٣: الترائب.
(٢) - في ح: حاجتنا. وفي ف ٣ وف ١: حاجاتنا.
(٣) - في ل ٢: ملاعبا.
(٤) - الأبيات ساقطة من ل.
(٥) - في ب ٣ ول ١ وف ٢: حلت.
[ ١ / ٨٤ ]
الانصراف، وحببّت إليه الرّضا من الغنيمة بالإياب. ولكامل هذا شعر بدوي وصيت له بين [١] الشّعراء دويّ. فما علق بحفظي من مترنّماته قوله من قصيدة أولها:
إنسانة الحيّ أم أدمانة السّمر بالنّهي، رقّصها لحن من الوتر «١»؟
(بسيط)
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا من هؤليّائكنّ [٢] الضّال والسّمر «٢»
بالله ياظبيات القاع قلن لنا: ليلاي منكنّ أم ليلى من البشر؟
قلت: الإيهام في الشّعر صنعة لا يتوصّل إليها الحضريّون إلّا بتعريق جبين الخاطر، وبعثرة دفين الضّمائر [٣] . وقد أخذ هذا البدويّ من عفو خاطره نوعا من الايهام تنبو عنه صوارم الأفهام، وذلك قوله:
بالنّهي رقّصها لحن من الوتر
فانّ لحن الوتر الذي يضربه اللاهي للإنس مرقّص، ولحن الوتر الذي ينزعه الرّامي للوحش مقمّص «٣» . وما أشبه ذلك التّرقيص بهذا [٤] التّقميص!
_________________
(١) - في ل ١ وف ٢: من.
(٢) - في ح: هؤلاء بين.
(٣) - في ب ٣ ول ١ وف ٢: الخواطر
(٤) - في ب ٣ وف ٢: بذلك.
[ ١ / ٨٥ ]