[ ٢٨ ]
أقول هذا باب عقدناه لذكر تغير لوني المحبين إذا وقعت العين في العين وهرب الدم إلى شبكة الدماغ فقال له الحاجر: إلى أين وقد نصت الأطباء على السبب في ذلك وجلو من اصفرار المحب واحمرار المحبوب سواد كل حالك وأنا أورد هنا ما قالوه بنصه وأصوغه كالخاتم بفصه وأعقبه بذكر ألوان الحسان بأحسن بيان وأوضح تبيان هذا مع ما ينجر في ذيل ذلك من التفصيل بين السمر والبيض ووقوع محب السمان من الشعور والأرداف في الطويل والعريض. واختم ذلك بفصل في ذكر ما يعتري المحب من خفقان قلبه وطيران عقله ولبه فأقول وبالله التوفيق.
قال بعض الأطباء: سبب اصفرار وجه العاشق الفزع فإن الدم لا يأوي مع الفزع وربما نظر المعشوق إلى العاشق فجأة فيضطرب قلبه وتشتعل الحرارة ثم تخمد فإذا خمدت برد التامور فإذا برد التامور جمد الدم واستحال اللون إلى السواد والخضرة ثم يستقر فيصفر وأما احمرار وجه المعشوق فمن الخجل والخجل عرض من حركة تامور القلب فتحيل الدم وتلطفه فيظهر في أرق مكان في الوجه وذلك عند معالجة الحرارة العرضية ومجاهدتها الدم لما يندفع فيطلب الخلاص حتى ينتهي إلى تحت الرأس فيمنعه الحاجز من النفود فيهبط إلى الوجه فيحمر الوجه قالوا والوجه الرقيق البشرة الصافي الأديم إذا خجل يحمر وإذا فزع يصفر ومنه قولهم ديباج الوجه يريدون تلونه من رقته قال الشاعر:
حمرة خلط صفرة في بياض مثل ما حاك حائك ديباجًا
وقالوا حمرة لون الإنسان يولدها الفرح والصحة والنعمة وصفرة لونه يولدها الفزع والبؤوس والغم والسقم وأما أحسن الألوان فإنه الأحمر بدليل أن الدم صديق الروح والحمرة لونه وأفضل الياقوت وأفخره الأحمر وأجود الذهب أحمره وأفضل العسل الذهبي والياقوتي وتمدح الأرض بحمرة التربة وأكرم الخليل أشقرها وهب ديباجها وأكرم الأبل حمرها وهي التي قال النبي ﷺ وهو يعظم مقدار ذلك لو أن لي حمر النعم ولو أن لي طلاع الأرض ذهبًا وأحسن الأنوار الورد والشقائق والجلنار وأحسن الحلل المصبوغة المعصفرة وأحسنها ما كان صبغة القرمز وأحسن الخمر الحمراء ولذلك وصفتها الشعراء بلون النار والعندم والعصفر والياقوت والعبقر وأحسن الألوان المخلوقة النار ومن أجل ذلك اكتنى عبد العزى بن عبد المطلب بالهب وكان يكنى قبل ذلك أبا عتبة لأنه كان من أحسن الناس وجهًا وكانوا يشبهون احمرار وجهه بلهيب النار لأنه كان مشرق الوجه ملتهبة كما كنى النبي ﷺ أنه قال أهلك الرجال الأحمران وأهلك النساء الأحامرة والأحمران الخمر اللحم والأحامرة الذهب والزعفران الخمر والخمر واللحم قال الشاعر:
إن الأحامرة الثلاثة ضيعت مالي وكنت بهن قدمًا مولعًا
الخمر واللحم السمين وما طلى بالزعفران فلا أزال مروعًا
وكان النبي ﷺ يعجبه الطائر الأحمر وقال وهب ابن عبد الله ما رأيت ذالمة سوداء في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ. قال المتنبي من الجأذر في زي الأعاريب.
حمر الحلى والمطايا والجلاليب.
وأما قول الشاعر:
هجان عليها حمرة في بياضها تروق به العينين والحسن أحمر
فإنه عني به الحسن في حمرة اللون مع البياض دون غيره من الألوان وقال ابن عبد ربه الحسن أحمر وقد تضرب فيه الصفة لطول المكث في الكون والضمخ بالطيب.
قال أعرابي:
وما تسليت عن صفراء حالية كالعاج صفرها إلا كان والطيب
وقال آخر:
كأن لون البيض في الأدحى لونك لولا صفرة الجاوي
يريد أنها تتضمخ بالجاوي وهو الزعفران وصفة البيضة لا تدرك صفرته وقالوا الجارية الحسناء تتلون تلون الشمس فهي بالضحى بيضاء وبالعشاء صفراء.
قال الشاعر:
بيضاء صحوتها وصفراء العشية كالنهار
وقال بشار بن برد:
فخذي محاسن زينة ومعصفرات هن أفخر
فإذا بلغنا فادخلي في الحمرات الحسن أحمر
وقال الحريري في ردة الغواص أما قولهم الحسن أحمر فمعناه أنه لا يكتسب ما فهي الجمال إلا بتحميل مشقة يحمار منها الوجه كما قالوا للسنة المجدبة حمراء كنوا عن الأمر المستعصب بالموت الأحمر كما قيل:
[ ٢٩ ]
وإذا رأت عيناك طرفًا أسودا فاعلم بأن هناك موتًا أحمرا
وأحسن زينة النساء في أجسادهن الخضاب ولذلك أطنبت فيه الشعراء وشبهوه بالعناب وغير ذلك قال أبو نواس فيه:
يا قمرًا أبصرت في مأتم يندب شجوًا بين أتراب
يبكي فيذري الدر من نرجس ويلطم الورد بعناب
وقال ابن عكاشة:
من كف جارية كأن بنانها من فضة قد طوقت عنابا
وما أحسن قول الواو الدمشقي: فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد وقال المرزباني قال لي ابن دريد سهرت ليلة فلما كان آخر الليل أغمضت عيني فرأيت رجلًا طويلًا أصفر الوجه كوسجًا دخل علي وأخذ بعضادتي الباب وقال أنشدني أحسن ما قلت في الخمر فقلت ما ترك أبو نواس لأحد شيئًا فقال أنا أشعر منه فقلت ومن أنت فقال أنا ابن ناجية من أهل الشام وأنشدني:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده بدت بين ثوبي نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفًا فسلطوا عليها مزاجًا فاكتست لون عاشق
فقلت أسأت الترتيب فقال ولم قلت لإنك قلت وحمراء فقدمت الحمراء ثم قلت بين ثوبي نرجس وشقائق فأخرت الحمرة فهلا قدمتها على الأخرى فقال وما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض ثم انصرف: وقال المتنبي:
قالت وقد رأت اصفراري من به وتنهدت فأجبتها المتنهد
أخذه الآخر فقال:
قالت لترب معها منكرة لوقفتي هذا الذي نراه من
قالت فتى يشكو الهوى متيم قالت بمن قالت بمن قالت بمن
وقال ابن النبيه:
وفي الكلمة الحمراء بيضاء طفلة بزرق عيون السمر يحمي احوارها
وقال عماد الدين ابن دبوقا من أبيات:
أرى العقد في ثغره محكما يرين الصحاح من الجوهر
وتكملة الحسن إيضاحها رويناه عن وجهك الأزهر
ومنثور دمعي غدا أحمرا على آس عارضك الأخضر
وبعت رشادي بغي الهوى لأجلك يا طلعة المشترى
وقلت أنا من قصيد:
لعمرك لا زيد يكون ولا عمر ولا ثغر إلا دون تقبيله ثغر
لا بيض إلا أسود حظي عندها ولا سمر إلا دون أعطافها السمر
وقال بدر الدين بن المحدث:
يصفر لوني حين أنظر وجنة منها تعلم حسنه الورد الجنى
يفنى الزمان وليس يفنى حبه وقد انحنيت وما آراه ينحني
حكي عن أبي أيوب وزير المنصور أنه كان إذا دعاه المنصور يصفر ويرعد فإذا خرج من عنده تراجع لونه فقيل له إنا نراك مع كثرة دخولك على أمير المؤمنين وأنسه بك تتغير إذ دخلت إليه فقال مثلي ومثلك في هذا مثل بازي وديك تناظر فقال البازي للديك ما أعرف أقل وفاء منك لأصحابك فقال وكيف قال تؤخذ بيضة فيحضنك أهلك ويخرج على أيديهم فيطعمونك بأكفهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت من هنا إلى هنا وصحت وإن علوت حائظ دار كنت فيها سنين طرت منها وتركتها إلى غيرها وأما أنا فأوخذ من الجبال وقد كبرت فتخاط عيناي وأطعم الشيء اليسير وأساهر فأمنع من النوم وأونس اليوم واليومين ثم أطلق على الصيد وحدي فأطير إليه وآخذه وأجيء إلى صاحبي فقال له الديك ذهبت عنك الحجة أما والله لو رأيت بارزين في سفود ما عدت إليهم أبدًا وأنا في كل يوم أرى السفافيد مملوءة ديوكًا فلا تكن حليمًا عند غضب غيرك وأنتم لو عرفتم من المنصور ما أعرفه لكنتم أسوأ حالًا مني عند طلبه لكم قلت والذي هرب منه وقع فيه على الصحيح الأشهر ولم يزل يصفر منه حتى إذاقه الموت الأحمر هذا بعد أن أخذ أمواله وتركه في أسوأ حالة حكي أنه كان يدهن حاجبه بدهن يسحر فيه المنصور فلا يمكن منه إذا رآه حتى ضرب به المثل فقيل أدهن من أبي أيوب وما أفاده ذلك شيئًا لأنه فعل به ما فعل وقابله بما ليس له به قبل.