حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله
قال (إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز) قال وكان متكئًا فاستوى جالسا فقال يا نضر كيف قلت سداد قلت يا أمير المؤمنين السداد ههنا لحن قال ويحك أتلحنني قلت إنما لحن هشيم وكان لحانه فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال فما الفرق بينهما قلت السداد القصد في الدين والسبيل، والسداد البلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سداد، قال وتعرف العرب هذا؟ قلت نعم العرجى يقول:
(أضاعوني وأى فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر)
قال قبح الله من لا أدب له، ثم أطرق مليا ثم قال: أنشدني أخلب بيت قالته العرب قلت حمزة بن بيض يقول في الحكم بن مروان:
[ ١ / ١٠ ]
(تقول لي والعُيونُ هاجعةٌ اقم علينا يوماٌ فلم اقم)
(أى الوجوه انتجعت قلت لها وأى وجه إلا الى الحكَم)
(متى يقل صاحبا سرادقه هذا ابن بيض بالباب يبتسم)
(قد كنت أسلمتُ فيك مقتبلا فهات أدخل أو قى سلمى)
فقال أحسن ما شاء، أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت أبو عروه المدني حيث يقول:
(إني وان كان ابن عمي واغرا لمزاحم من خلفه وورائه)
(وممده تصرى وإن كان امرأ متزحزحا في أرضه وسمائه)
(وأكون والى سره فأصونه حتى يحين علي وقتُ أدائه)
(واذا الحوادثُ أجحفت بسوامه قرنتُ صحيحتنا الى جربائه)
(واذا دعا باسمى لنركب مركبا صعبًا قعدتُ له على سيسائه)
(وإذا رأيت له رداءً ناضرًا لم يلفنى متمنيًا لردائه)
فقال أحسن ما شاء، أنشدني أقنع بيت للعرب قلت الراعي حيث يقول:
(اطلب ما يطلبُ الكريمُ من الرزق لنفسى فاجملُ الطلبا)
(واحلبُ الثرة الصفي ولا أجهد أخلاف غيرها حلبا)
(إني رأيتُ الفتى الكريمَ إذا رغبته في صنيعة رغبا)
(والنذلٌ لا يطلبٌ العَلاءَ ولا يٌ عطيك شيئًا إلا إذا رهبا)
(مثلُ الحمار الموقع السوء لا يحسن شيئًا إلا إذا ضربا)
(ولم أجد غرة الخلائق الا الدين لما اعتبرتُ والحَسَبا)
[ ١ / ١١ ]
(قد يُرزَقٌ الخافق وما شدَّ لعيس رَحلًا ولا قتبا)
(ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لا يزالُ مغتربا)
فقال أحسن ما شاء، ما مالك يا نضر؟ فقلت أريض لي بمرو أتصابها وأتمززها قال ألا نفيدك مع ذلك مالا؟ قلت إني الى ذلك محتاج قال فأخذ القرطاس وكتب ولا أدري ما كتب، قال كيف تقول من التراب اذا أمرت أن تترب؟ قلت أتربه، قال فهو ماذا؟ قلت مترب، قال فمن الطين؟ قلت وطنه، قال فهو ماذا؟ قلت مطين، قال هذه أحسن من الأولى ثم قال يا غلام أتربه وطنه، ثم صلى بنا العشاء ثم قال لخادمه تبلغ معه إلى الفضل بن سهل. فأتيته فلما قرأ الكتاب قال يا نضر إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فأخبرته ولم أكذبه فقال لحنت أمير المؤمنين فقلت كلا إنما لحن هشيم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع الفقهاء، فأمر لى الفضل بثلاثين ألفاَ فأخذت ثمانين ألفا بحرف استفاده منى.
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال أخبرنا أحمد بن يحيى المهلبي قال حدثني أبي قال جرى في مجلس الواثق بالله تعالى ذكر ما قيل في أصحاب النبيذ فأمرت أن يسأل أبا محلم عن أحسن ما قيل في ذلك فسئل بعد أن أحضر فقال أحسنه قول حكيم وهو شاعر عصره النمر بن تولب العكلي:
(وفتية كالسيوف أوجههم لا حصر فيهم ولا بخل)
(بيض مساميح في الشتاء وإن أخلف نجم عن وبله وبلوا)
(لا يتأرون في المضيق وان نادى مناد أن انزلوا نزلوا)
(لا يعترى شربنا اللحاء وقد توهب فينا القيان والحلل)
فاستحسن الواثق الأبيات ووهب أبا محلم.
[ ١ / ١٢ ]
فحاجة الأديب إلى هذا الفن شديدة وفاقته إليه عتيدة، وأولى ما يصنف ويؤلف ويقرب مأخذه ويسهل ما كانت الحاجة إليه هذه الحاجة فوقعت العناية عليه وانصرفت بالاهتمام إليه حتى تهذب وتثقف وتشذب وتدانت شعبه وتقاربت سبله ولم أبال ما ألفى فيه من زيادة تعب وفضل كد ونصب إذ لم يكن الإنسان يبلغ ما يريد وينال ما يريغ إلا بتكلفة لغوب ومواصلة دؤوب لا يسما إذا كان الغرض الذي ينزع إليه جسيما يكسبه حسن الذكر ويمنحه طيب النشر من علم يتقنه أو يصنفه ويدونه أو رياسة أرادها فارتادها وسيادة طلب أقتيادها وليس ذلك للمتوانى المتهاون ولا المتواكل المتواهن، وقد قيل:
(سهرت عيونهم وأنت عن الذي قاسوه حالم)
وقيل:
(وإن سيادة الأقوام فاعلم لها صعداء مطلعها طويل)
وقيل:
(إن السيادة والرياسة والعلى أعباؤهن كما علمت ثقال)
وقيل:
(وإن جسيمات الأمور منوطة بمستودعات في بطون الأساود)
وقلت:
(إن الأمور مريحها في المتعب)
وفي المثل
(عند الصباح يحمد القوم السرى ) وقيل: ما لمن لم يركب الأهوال حظ وقلت:
(ولم يتسهل للفتى درك العلا إذا هو لم يصبر على المتصعب)
ومن كانت له حاجه في الشئ اشتغل به وفرغ له واستندب التعب فيه حتى بلغ مراده منه وقيل:
(طوامِس لي من دُونِهنَّ عدَاوَةٌ ولي من وراء الطامسات حبيب)
(بعيد على من ليس يطلب حاجة وأما على ذى حاجة فقريب)
والذى حدانى على جمع هذا النوع ايضا أني لم أجد فيه كتابا مؤلفا ولا كلاما مصنفا يجمع فنونه ويحوى ضروبه، ورأيت ما تفرق منه في اثناء الكتب وتضاعيف الصحف غير مقنع يشفى الراغب ويكفي الطالب فجمعته ههنا واضفت إلي كل نوع منه
[ ١ / ١٣ ]
ما يقاربه من امثاله وما يجرى معه من اشكاله ليكون مادة للمناقضة وقوة للمفاوضة، وجعلته نظما ونثرا وخبرا وشعرا لأ بعث به نشاط الناظر واجلى به صداء الخاطر لأن الخروج من ضرب الى ضرب أنفى للملال وأعدى على الكلالا من لزوم نهج لا يتعداه والاقتصار على امر لا يتوخى سواه. وجعلته اثنى عشر بابا: الباب الأول: في التهاني والمديح والافتخار. الباب الثاني: في الخصال. الباب الثالث: في المعاتبات والهجاء والاعتذار. الباب الرابع: في الغزل واوصاف الحسان. الباب الخامس: في ذكر النار والطبخ وانواع الطعام وصفات الشراب وما يجرى مع ذلك. الباب السادس: في ذكر السماء والنجوم والشمس والقمر وما يجرى مع ذلك. الباب السابع: في ذكر السحاب والمطر والثلوج والمياه وصفات البساتين والرياض والاشجار والثمار والرياضين والنسيم وما يجري مع ذلك. الباب الثامن: في ذكر السلاح والحرب وما يشبه ذلك. الباب التاسع: في ذكر القلم والخط والكتاب وصفة البلاغة وما يجرى مع ذلك. الباب العاشر: في ذكر الخيل والابل والسير والفلوات والسراب وصفة سائر الحيوانات. الباب الحادي عشر: في ذكر الشباب والمشيب والعلل والموت والمراثي والتعازي والزهد. الباب الثاني عشر: في صفات اشياء مختلفة. ثم رأيت اصحابنا يشكون طوله وكبر حجمه وبعد غايته فجعلت كل باب منه ينفرد بنفسه ويتميز من جنسه ليخف محمله ويقرب مأخذه، على ان فوائد الكتاب على قدره في صغره وكبره ولكن ينبغى أن يحمل على كل بقدر طاقته ويكلف
[ ١ / ١٤ ]
على حسب مقدرته ويحدث بما ينشط لاستماعه ويتسع لوعيه، وتقريب الحكمة حكمة ثانية ويكسوها المحبة ويوجد اليها الرغبة، وأرجو أن أوافق الصواب في جميع ما ضمنت هذه الأبواب. وأن وجد في فصوله خطل أو تعرض فيه زلل أو تخلله خلل فغير بديع ولا قبيح شنيع لأن النقصان منوط بالانسان لايسلم منه خلقه وخلقه وقوله وفعله وقد شمل العيب كل شئ حتى صارت في وجنة القمر سفعة، وقد قلت:
(وفي كل شئ حين تخبر أمره معايب حتى البدر اكلف اسفع)
والشئ إذا سلم جله فقد حسن كله وبالله التوفيق: