من نقضه وإبرامه في حال واحدة ومثل هذا من البلاغة أصعب مرامًا وأعجز مطلبًا وقد أشبعنا القول فيه في كتاب صنعة الكلام. ومما يدخل في بابه ما
أخبرنا به أبو أحمد
أخبرنا الصولي حدثني الطيب بن محمد الباهلي قال موسى بن سعيد بن مسلم عن أحمد بن يوسف الكاتب قال دخل خالد بن صفوان التميمي على أبي العباس السفاح وعنده أخواله من بني الحارث بن كعب فقال له ما تقول في أخوالي قال هم هامة الشرف وخرطوم الكرم وغرس الجود إن فيهم لخصالًا ما اجتمعت في غيرهم من قومهم إنهم لأطولهم أممًا وأكرمهم
[ ١ / ١٥٠ ]
شيمًا وأطعمهم طعمًا وأوفاهم ذممًا وأبعدهم هممًا هم الجمرة في الحرب والرفد في الجدب والرأس في الخطب وغيرهم بمنزلة العجب. فقال لقد وصفت أبا صفوان فأحسنت فزاد أخواله في الفخر فغضب أبو العباس لأعمامه فقال أفخر يا خالد فقال أعلى أخوال أمير المؤمنين فقال نعم وأنت من أعمامه فقال وكيف أفاخر أقوامًا هم من بين ناسج برد وسائس قرد ودابغ جلد دل عليهم الهدهد وغرقتهم الفأرة وملكتهم امرأة. فأشرق وجه أبي العباس وجعل يضحك. قال وحدثني ابن المزرع قال سمعت عمرو بن بحر الجاحظ وقد ذكر كلام خالد هذا يقول والله لو نفكر في جمع معايبهم واختصار اللفظ في مثاليهم بعد ذلك المدح المهذب سنة لكان قليلًا فكيف على بديهٍ لم يرض فكرًا. وأجود ما قيل في كراهة المزاح قولهم إن المزاح هو السباب الأصغر، وقيل المزاح سباب النوكى. وأجود ما قيل في تخوف عاقبته قول أبي نواس:
(إنه نار وقدحُ القادحِ وأيّ جدٍ بلغ المازحُ)
ومثله:
(صارَ جدًا ما فرحت به ربَ جدٍ جرهُ لعبُ)
وقلت:
(عضبت للمزح ولم تنظر في موقعهِ المزح في موضعهِ كالجدِّ في موضعهِ)
أجود ما قيل في التضافر والتعاون قول قيس بن عاصم المنقري يوصي ولده وقومه وجدت في كتاب غير مسموع لما حضر عبد الملك بن مروان الوفاة وعاينته وقال يا بني أوصيكم بتقوى الله وليعطف الكبير منكم على الصغير ولا يجهل الصغير حق الكبير وأكرموا مسلمة بن عبد الملك فإنه نابكم الذي عنه تعبرون ومجنكم الذي به تستجيرون ولا تقطعوا من دونه رأيًا ولا تعصوا له أمرًا، وأكرموا الحجاج بن يوسف فإنه الذي وطأ لكم المغابر وذلل لكم قارب العرب وعليكم بالتعاون والتضافر وإياكم والتقاطع والتدابر. فقال قبس بن عاصم لبنيه:
(بصلاح ذاتِ البينِ طولُ بقائكم إن مُد في عمري وإن لم يُمددِ)
(حتى تلين جلدوكم وقلوبكم لمسوَّد منكم وغير مسوَّد)
[ ١ / ١٥١ ]
(إن القداحَ إذا جُمعن] َ فرامها بالكسر ذو حَنق وبطش أيّدِ)
(عزت ولمُ تُكسر وإن هيَ بُددَتْ فالوهنُ والتكسيرُ للمتبدد)
ثم قام علي بن خالد بن يزيد بن معاوية وخالد بن عبد الله بن أسيد فقال لهما قد حضر من الأمر ماتريان فإن كان في نفوسكما شئ من بيعه الوليد نزعتماه قال وجعلتما الأمر حيث شئتما قالا بل رضينا أكمل الناس لها وأقواهم عليها قال أما والله لو غيرها قلتما لمتا قبلي ثم رفع طرف فراشه فإذا تحته سيف مجرد فقال للوليد لا أعرفنك إذا أنامت تعصر عينيك وتمسحها نعل الأمة الوعكاء شمر وابرزو اللبس جلد النسر وادع الناس إلى بيعتك فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا. ثم لم يزل متمثلًا بقول الشاعر:
(وهل من خالد أما هلكنا وهل بالموتِ يا للناسِ عار)
ثم قال الحمد لله الذي لا يبالي أصغير هلك في ملكه أم كبير ثم قضى. فقال هشام ابن عبد الملك:
(وما كان قيسٌ هلكهُ هلك واحدٍ ولكنه بنيانُ قومٍ تهدما)
فسمعها الوليد فتطير منها فرفع يده فلطمه وقال إنك أعور مشؤوم هلا قلت كما قال التميمي:
(إذا سيدٌ منا ذرا حدُ نابه تخمط فينا نابُ آخر مقرمِ)
فسمع مسلمة الصيحة فقال ذروا الصياح فإنكم إن استقمتم استقام الناس وإن اختلفتم اختفلوا.
أخبرنا أبو أحمد
أخبرنا أبو بكر بن دريد
أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال كان عبد الملك بن مروان ذات ليلة في سمره مع ولده وأهل بيته وخاصته فقال ليقل كل واحد منكم أحسن ما قيل من الشعر وليفضل من رأى من الشعراء تفضيله فأنشدوا وفضلوا فقال بعضهم أمرؤ القيس وقال بعضهم النابغة وقال بعضهم الأعشى، ولما فرغوا قال أشعر والله من هؤلاء جميعًا عندي الذي يقول:
[ ١ / ١٥٢ ]
(وذي رحمٍ قلمتُ أظفارَ ضغنهِ بحلميَ عنهُ وهو ليس لهُ حلمُ)
(إذا سمتهُ وصلَ القرابةِ سامني قطيعتها تلك السفاهةُ والظِلمُ)
(وأسعى لكي أبني صالحي وليس الذي بيني كمن شأنهُ الهدمُ)
(يحاولُ رغمي لا يحاولُ غيرَهُ وكالموتِ عندي أن يحل به رغمُ)
(فإن أنتصر منهُ أكن مثلَ رائش سهامَ عدوٍ يستهاضُ بها العظمُ)
(وبادرت منه النأي والمرءُ قادرٌ على سهمهِ ما دامَ في كفهِ السهم)
(فإن أعفُ عنهُ أغض جفنًا على القذى وليس لهُ بالصفحِ عن ذنبهِ علم)
(حفظتُ الذي قد كان بيني وبينهُ وهل يستوي حربُ الأقاربِ والسلم)
(فما زلتُ في لِين لهُ وتعطفٍ عليهِ كما تحنو على الولدِ الأمُ)
(لأستلَ منهُ الضغنَ حتى سللته وإن كان ذا ضغنٍ يضيقُ به الحزم)
فقالوا يا أمير المؤمنين من قائل هذه الأبيات فما أحسنها وأرضاها قال معن ابن أوس المزني. ومن أجمع ما قيل في المعروف قول النبي