ظهورها حرز:
(ولقد علمتُ على توقّيَّ الردَى أن الحصونَ الخيل لا مَدَر القرى)
[ ٢ / ١٠٨ ]
ومن أجود ما وصف به حضر الفرس قول الأعرابي في فرسه
(يحضر ما وجد أرضًا)
وقد بالغ امرؤ القيس في قوله:
(على هيكل يعطيك قبلَ سُؤِاله أفانينَ جرى غير كز ولا وان)
وقوله (قبل سؤاله) عجيب الموقع، وقوله
(أفانين جري)
أعجب وأبلغ. وأجود ما وصف به ظفره عند الطلب قوله:
(وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ)
فجعل الأوابد وهي الوحش مقيدة له ينالها كيف يريد. وقد أجاد أيضًا وأحسن القول في اليقين بالظفر حيث يقول:
(إذا ما ولدنا قالَ ولدانُ أهلنا تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطبُ)
وأحسن عمارة التقسيم في قوله في هذا المعنى:
(وأرى الوحشَ في يميني إذا ما كانَ يومًا عنانهُ في شمالي)
ونقله الشماخ بن ضرار إلى وصف رام فأحسن حيث يقول:
(قليلُ التلاد غير قوسٍ وأسهم كأنَّ الذي يرمي من الوحش تارز)
أي جامدٌ باردٌ يصيبه كيف يريد. وجعله أبو نواس في نعت كلاب فقال:
(بأكلبٍ تمرحُ في قداتها تَعُدُّ عيرَ الوحشِ في أقواتها)
وهو من قول أبي النجم
(تعد غابات اللوى من مالها)
وقوله:
(يردى على حوافرٍ لا تخذلُه صم الشوَى يحملها وتحمله)
(حافٍ وما يحفى وما تنعلهُ ثار عجاج مستطيل قسطله)
(تنقش منه الخيل مالا تعزله في جنبه الطائر ديث عجله)
(كأنَّ تربَ القاع وهو يسحله ضيقُ شياطين زفتهُ شمأله)
[ ٢ / ١٠٩ ]
(أو خلقٌ ينشقُّ عنه سمله ترى الغلامَ ساجيًا لا يركله)
(يعطيهِ ما شاء وليس يسأله فوافت الخيل ونحن نشكله)
ويستحب في الخيل سعة المنخرين فمن أبلغ ما قيل في ذلك قول مزاحم بن طفيل العقيلي
(منخرٍ كوجار الثعلب الخرب )
فجعله خربًا ليكون أوسع. وقال العباس بن مرداس:
(مِلء الحزامين ملء العين ينفشُ عندَ الربو منخرين)
(كنفش كيرين بكفي قين )
ومن أبلغ ما قيل في طول عنق الفرس قول مزاحم العقيلي أيضًا كأن هاديه جذعٌ على شرفٍ فلم يرض أن جعلها جذعا حتى جعلها على شرف كصنيع الخنساء في قولها
(كأنه علمٌ في رأسه نار )
وقلت:
(بمعقودِ السراة على اندماج ومزرورِ القميصِ على انشمارِ)
(يُريكَ جبينهُ لمعانَ برقٍ وسائر جسمه لمعان قار)
(فيشبه تحتَ جُنح الليلِ ليلًا ويحكي الخالَ في خدِّ النهارِ)
(ويقبلُ حينَ يُقبلُ في سموّ ويُدبِرُ حينَ يُدْبرُ في انحدار)
(ويُمسك وهو كالغدن المعلى ويحضرُ وهو كالمسد المغار)
(يلوحُ البدرُ منهُ في جبينٍ وتتضحُ الثريا في عذارِ)
وقد أبدع القائل في وصف فرس أبلق أغر فقال:
(وكأنما لطمَ الصباحُ جبينه فاقتصى منه فخاضَ في أحشائه)
إلا أنه أساء في العبارة وذلك أن اللطم لا يكون إلا على الخد وضرب الجبين لا يسمى لطمًا والقصاص يكون بمثل الفعل فالقصاص باللطم اللطم لا الخوض في الأحشاء. وقال ابن دريد وأحسن في وصف الغرة والتحجيل:
(كأنما الجوْزَاءُ في أرْساغِهِ والنجمُ في جبهتهِ إذا بدا)
ونحوه قول كشاجم
[ ٢ / ١١٠ ]
(قد راحَ تحت الصبح ليلٌ مُظلم لو راحَ في السرج المحلى الأدهم)
(ضحك اللجينُ على سوادِ أديمه وكذا الظلام تنير فيه الأنجمُ)
(فكأنهُ ببناتِ نعش مُلبَّبٌ وكأنما هو بالثريا مُلجَمُ)
وقلت:
(عارضتُ فيهِ النجمُ فوقَ مُطهم يهوى لطيئه هُوِيَّ الأعقب)
(ذاوي العسيبِ قصيره ضافي السبيب طويلهُ صافي الأديم محبب)
(كالنورِ بينَ العشبِ يبهرُ حسنهُ بين الجيادِ إذا بدا في موكب)
(وتطيرُ أربعهُ بهِ في أبطح فكأنه من طولها في مرقبِ)
(صمّ الحوافرِ شرب صمّ الصفا منها الأهلةُ في الصفا والصلبِ)
(وكأنَ غرتهُ نفضضُ وجهه والنقعُ يذهبهُ وإن لم يُذْهب)
(وكأنَّ في أكفالهِ وتليلهِ غسقَ النجومِ فتستطيلُ وترتبي)
(وكأنما الأرساغُ ماءٌ لم يسل والجسمُ كأسُ مدامة لم يقطب)
(لم يطلبُ إلا يفوتُ ويُطلب إلا يفوزُ فلم يخب في مطلب)
(والعاصفات حسيرةٌ والبارقات أسيرةٌ في شدةِ المتلهب)
(وكأنما يجري مدارُ حزامهِ أحناءَ بيتٍ بالعراءِ مطنبِ)
وأول من شبه الحافر بالحجارة الأفوه في قوله
(يرمي الجلاميد بأمثالها )
ثم قال رؤبة
(يرمي الجلاميد بجلمودِ مدق )
وأبلغ ما وصف به شدةُ قوائم الفرس ما أنشدناه أبو أحمد عن ابن دريد عن الاشنانداني عن الجرمي:
(سيانَ تحت طموه وطمورهِ أكمُ الفلا ومقايلُ الولدانِ)
(يطأ الخَبَار فلا يطيرُ غبارهُ ويرضُّ حافرهُ حصى الحزّان)
يقول سواء عنده إذا طما في سيره أي إرتفع وإذا طمر أي وثب، والأكم وهي المرتفعات من الأرض فيها حجارة وطين والمقابل وهي ملاعب الصبيان إذا لعبوا بالتراب فمدُوا منه طريقين بينهما كالجدول ثم خبؤا خبيئًا فمن أخرجه فقد غلب، والخبار الأرض السهلة، إذا مشى فيه خفف وطأه فلم يثر غبارًا وإذا
[ ٢ / ١١١ ]
جرى في الحزان وهي الغليظ من الأرض مكن حافره فرض الحصى. ونحوه قول جرير
(ضرم الرقاق مناقل الأجرال )
يقول إذا صار في الرقاق من)
الأرض اضطرام من جريه وإذا صار في الأجرال وهي مواضع الحجارة ناقل فيها لتطمئن مواقع حوافره. وقول الآخر
(شادخة تشدخ من أدلاها )
يقول تبعد عن الطريق ولا تبالي سهلًا أخذت أم حزنًا. ومن الفرد الذي لا شبيه له قول ابن المعتز:
(ولقد غدوتُ على طمرّ قادحٍ رفعت قوائمهُ غمامة قسطلِ)
(ومُحجَّلٍ غر اليمين كأنه متبخترٌ يمشي بِكُمٍّ مُسَبلِ)
وقد أحسن القائل في قوله:
(مدى خطوهِ أقصى مواقعِ طرفهِ وأوَّلُهُ في منعه الخطو آخرهُ)
(وقد قطعت من لونها الشمسُ غُرَّةً لهُ وحجولًا ثم كالظلِّ سائرهُ)
وقال ابن المعتز:
(تمّت لهُ غُرَّةٌ كالشمسِ مشرقةٌ يكادُ سائُلها عن وجههِ يكفُ)
(إذا تقرَّطَ يومًا بالعذار غدا كأنه غادةٌ في أذنها شَنَف)
وقلت:
(إذا تحلّى بالعذارِ ومشى قلتَ فتاةٌ تتصدّى لفتى)
(كأنه تحت الحليِّ روضةٌ دَرَّ عليها الزهرُ أخلافَ الحيا)
وأبلغ ما قيل في طول الفرس في الهواء قول أبي دؤاد:
(إذا ما جرى شأوينِ وابتلَّ عطفهُ أناخ بهاد مثل جذع سَحُوقِ)
(كأني إذا عاليتُ حوزةَ متنهِ تعلق بزي عندَ بيضِ أنوق)
وبيض الأنوق في أعلى موضع من الجبل، فلا ترى أشد مبالغة من هذا البيت. وقلت:
(مضطرمُ الغدوِّ والرواحِ تخاله يمشي على أرماحِ)
وأخبرنا أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال أهدى رجل من الدهاقين إلى خالد بن عبد الله القسري برذونًا وقعد بين يديه فقال ما هذا؟
[ ٢ / ١١٢ ]
فقال أصلحك الله إن تركته نعس وإن حركته طار، فقالِ صفته خير منه وقال ابن المعتز:
(أسرع من لحظته إذا عدا أطوعُ من عِنانهِ إذا جُذبِ)
ويشبه الفرس في عدوه بالنار فأجمع ما جاء فيه قول ابن المعتز:
(ربما أغدو وتحتي طرفُ لاحقٌ بالمهاديات طِمْر)
(طُويَ الشحمُ على متنتيه مثل ما يطوي القباطي تجر)
(فهو نارٌ والترابُ دخانٌ مستطيرٌ وحصى الأرض جمرُ)
وقال:
(وكم غدوت بفتيانٍ تسيل بهم سوابقٌ أحكمتهنَّ المضاميرُ)
(مكنفاتٍ بآذانٍ نواصيها كما يشقُ عن الطلع الكوافير)
(تنزو كراتهمُ في كل مُعترك كما يطيرُ من الذعرِ العصافير)
قوله
(تسيل بهم سوابق)
من أجود ما وصف به الجري السهل. ويستحب في الفرس من الشدق وهو سعة الشدقين فمن المذكور في ذلك قول بعض العرب
(وان يُلق كلبٌ بين لحييه يذهب)
ومن مليح ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(ناظر في غرة شمها واسترطا)
(وإذا سار رمى يدَه والتقطا)
(وكأن ملجمه يفتحان سفطا)
وقال:
(وغدونا بأعنة خيل تأخذُ الأرض بأيدي عجالِ)
(زينتها غررٌ ضاحكاتٌ كبدورٍ في وجوهِ الليالي)
ومن غريب التشبيه تشبيههن قوائم الفرس المحجلة عند السير بجراء كلاب بيض، قال الراجز:
(كأن اجراء كلابٍ بيض دون صافيه إلى التعريضِ)
وقال العماني الراجز:
[ ٢ / ١١٣ ]
(كأن تحت البطنِ منه أكلُبًا بيضًا صغارًا ينتهشْنَ المنقبا)
وتبعه الحماني فقال:
(وليلٍ مثل خافية الغرابِ عي مذاهب وخفي بابِ)
(دلفتُ لهُ بأسودَ مستمر كما نظرَ الغضابُ إلى الغضاب)
(أجشُّ كأنما قابلتُ منهُ تبعقَ لُجّةٍ وحريقَ غابِ)
(تراهُ كأن عينك لا تراه إذا وصل والوثاب إلى والوثاب)
(كأن لدى مغابنهِ التماعا نهادش عنده بُقعُ الكلابِ)
وليس نظم هذا البيت بمختار، وذكر قوائمه ثم قال:
(يخالس بينها رفعًا ووضعًا كما خفقت بنانُك بالحسابِ)
ومن أحسن ما قيل في الحصى الذي يترامى بسنبك الفرس إذا جرى قول امرئ القيس:
(كأنّ الحصى من خلفِها وأمامِها إذا نجلته رجلها حَذفُ أعسرا)
وجعله أعسر لذهابه على غير إستواء، أحذه ابن المعتز فقال وغير لفظه وأتى بمعناه:
(يقذفُ بالرجلُ حصى الطريقِ كأنهُ رامٍ بلا تحقيقِ)
وقال:
(ينفي خفاف الحصى والنقعُ منتشرٌ كأنها خلفَ رجليه الزنابير)
وقد أجاد الكميت في قوله:
(كأن حصى المعزاءِ بينَ فروجِها نوى الرضخِ يلقى المصعد المتصوّب)
فجعلها لكثرتها تتلاقى في الهواء وزاد في ذلك على الممزق ومنه أخذه وهو قوله:
(كأن حصى المعزاءِ بينَ فروجها نوادي نوىً رضاخة لم تدققِ)
وقد أجاد الراجز في قوله
(يرضخ ما يرضخ مالا يرضخ )
يقول إذا وطأ الحصى نبت من تحت سنبكه فأصاب ما لم يطأه فدفعه من موضعه وكأن رضخه أي رمحه والرضخ الرمح. ويشبه الحافر بالقعب فمن قديم الشعر في ذلك قول امرئ القيس
(لها حافر مثل قعب الوليد )
أخذه ابن المعتز فقال:
[ ٢ / ١١٤ ]
(قد اغتدى بقارح مُسوَّم يَعبوبِ)
(ينفي الحصى بحافرٍ كالقَدَح المكبوبِ)
(قد ضحكت غرتهُ عن موضع التقطيبِ)
وقد أحسن أبو تمام في وقوله:
(بحوافرٍ حُفرٍ وصُلبِ صلِبٍ وأشاعرٍ شعرٍ وحلق أحلق)
فجعل البيت كله تجنسيا ولعله ما سبق إلى ذلك. وقد عاب الآمدي قوله
(وصلب صلب)
وقوله
(وحوافر حفرٍ)
وقال إن الحوافر لا تحفر الأرض وأكثر ما ذكر في ذلك أنها تثير الغبار قال وهو استقصاء المعنى، قلنا وبعضهم يستحسن ذلك وبعضهم يكرهه. ومن المذكور في صفة الفرس قول البحتري وهو أوصف المحدثين للخيل وأكثرهم إجادة في نعتها:
(أما الجوادُ فقد بلونا يومهُ وكفى بيومٍ مُخبرًا عن عامِهِ)
(جارى الجيادَ فطارَ عن أوهامها سبقًا وكاد يطيرُ عن أوهامهِ)
(جذلانُ تلطمُهُ جوانبُ غُرّةٍ جاءت مجئ البدرِ حين تمامِهِ)
(واسودَّ ثم صَفَتْ لعينَيْ ناظرٍ جنباتهُ فأضاء في إظلامهِ)
(مالت نواحي عُرفه فكأنها عذباتُ أثلٍ مالَ تحت حمامه)
(ومقدّمِ الأذنين تحسِبُ أنّه بهما يرى الشخصَ الذي لأمامهِ)
(وكأن فارسَه وراء قَذَالهِ ردفٌ فلستَ تراه من قُدَّامهِ)
(لانَتْ معاطفُه فخُيِّلَ أنّه للخيزرانِ مناسبٌ بعظامهِ)
(وكأنّ صهلَتَهُ إذا استُعْلي بها رعدٌ يقيقع في ازدحام غَمامه)
(مثلَ الغرابِ بدا يباري صحبه بسواد صبغته وحسن قوامه)
(والظرف أجلبُ زائر لمؤونة مالم بزره بسرجِهِ ولجامهِ)
وقوله أيضًا:
(وأغرَّ في الزمن البهيمِ مُحجَّلٍ قد رُحُت منهُ على أغرّ مُحجل)
[ ٢ / ١١٥ ]
(كالهيكلِ المبنيِّ إلا أنّهُ في الحسنِ جاءَ كصُورةٍ في هِيْكَلِ)
(ذَنبٌ كما سحبَ الرداء يذبُ عن عرف وعرفٌ كالقناع المسبلِ)
(جذلانُ ينفضُ عُذرةً في غرةٍ يققٍ تسيلُ حُجولُها في جَنْدلَ)
(تتوهمُ الجوزاءُ في أرساغهِ والبدرُ غرةُ وجههِ المتهللِ)
(وتراهُ يسطعُ في الغبار لهيبهُ لونًا وشدًا كالحريقِ المشعلِ)
(هزيج الصهيلَ كأنَّ في نَغَماتِهِ نَبَراتُ معبدَ في الثقيلِ الأوّل)
(مَلَكَ العُيون فإنْ بدا أعطينهَ نظرَ المحبِّ إلى الحبيبِ المقبلِ)
وقد أحسن ابن طباطبا في قوله:
(عجبًا لشمسٍ أشرقتْ في وجهه لم تمح منهُ دجى الظلامِ المطبقِ)
(وإذا تمطر في الرهانِ رأيتهُ يجري أمامَ الريح مثلَ مطرّق)
وقال ابن المعتز:
(تحملني طِرفةٌ صادرةٌ واردهْ)
(ترضيك في يومها وهي غدًا زائده)
(ورجلها تقتضي ويدها جاحده)
وبإسناد لنا أن رجلًا أنشد أبا البيداء قول أبي نخيلة:
(لما رأيتُ الدّيْنَ دينًا يُؤفَك وأمست القبةُ لا تستمسكْ)
(تفتقُ من أعراضِها وتهتك سرت من الباب فسارت دكك)
(منها الدَّجوجيُّ ومنها الأرمكِ كالليلِ إلا أنها تحركُ)
فقال لعنك الله إن كنت أنشدتنيها وأنت على غير وضوء، قوله
(كالليل إلا إنها تحرّك )
استثناء عجيبٌ. وقال ابن المعتز:
(إذا ما بدا أبصرتَ غرةَ وجههِ كعنقودِ كرمٍ بينَ غصنينِ نوّرا)
(وردفًا كظهرِ الترس أسبلِ خلفهُ عسيبًا كعِيص الطَّودِ لما تحدّرا)
ومما يجري مع ذلك قول بعضهم:
[ ٢ / ١١٦ ]
(قد أشهدُ الليل بفتيانِ غُرر على جياد كتماثيل الصورْ)
(كأنما خيطوا عليها بالإبرْ أو سمِّر الفارسُ فيها فانسمر)
وبإسنادٍ لنا أن محمد بن عبد الله بن طاهر أرق ذات ليلة فقال لكاتبه أنائمٌ أنت؟ قال لا وأيد الله الأمير، قال ما أطيب الطعام؟ قال طعام شهوة في إبان جوعة، قال فما ألذ الشراب؟ قال شربة ماء بارد تطفئ بها غليلك أو كأسٌ تعاطي بها نديمك، قال فما أشهى النساء؟ قال التي تدخل إليها والهًا وتخرج عنها هاربًا، وقال فما أجود الخيل؟ قال الأسوق الأعنق الذي إذا طلب لحق وإذا طلب سبق وإذا صهل أطربك وإذا بدا أعجبك. قال صدقت لله درك، اعطه يا غلام ألف دينار، قال أصلح الله الأمير وأين تقع مني ألفا دينار؟ قال أو زدت نفسك ألفًا قال أو ليس كذا؟ قال لا ولكن حقق ظنه يا غلام. فأعطاه ألفي دينار. وقيل لأعرابي أتعرف الجواد المبرز من الطيء المقرف قال نعم أما الجواد المبرز فهو الذي لهز لهز العير وأنف تأنيف السير إذا عدا إسلهب وإذا إنتصب اتلأب، والبطئ المقرف هو المدلوك الحجبة القحم الأرنبة الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إذا قلت أمسكه قال أرسلني وإذا قلت أرسله قال أمسكني. وقال المهدي لمطر بن دراج: أي الخيل أفضل؟ قال الذي إذا استقبلته قلت نافر وإذا إستدبرته قلتَ زاخر وإذا استعرضته قلت زافر، قال فأي البراذين خيرٌ؟ قال ما طرفه أمامه وسوطه عنانه، قال فأي البراذين شرٌ؟ قال الغليظ الرقبة الكثير الجلبة إذا أرسلته قال أمسكني وإذا أمسكته قال أرسلني. ووصف رجلُ من العرب خيلًا فقال: إنها لخليقة للجودة وآية ذلك إنها سامية العيون لاحقة البطون مصغية الآذان افتاء الأسنان ضخام الركبات مشرفات الحجبات رحاب المناخر صلاب الحوافر وقعها تحليل ورفعها تعليل إن طلبت فاتت
[ ٢ / ١١٧ ]
وإن طلبت نالت. واستوصف الحجاج ابن القرية فرسًا فقال طويل الثلاث قصير الثلاث حديد الثلاث رحيب الثلاث صليب الثلاث عريض الثلاث منيف الثلاث أسود الثلاث. فاستفسره فقال طويل العنق والسبب والساق، قصير الظهر والعسيب والشعر، حديد القلب والسمع والمنكب، رحيب المنخرين والشدقين والجوف، صليب الدخيس والكاهل والعجب، عريض اللباب والحجبة والخد، منيف الجوانح والقذال والقوائم، أسود الذكر والحافر والعين. وقال محمد بن منادر في وصف فرس:
(وإذا أعْرضَ قطريهِ لنا وفيا واستوفيا قَدًّا بقَدّ)
(فهو كالقدْح أقامت درأهُ كفُ باريهِ فما فيه أوَدْ)
ووصف النظام فرسًا فقال: هو صافي القميص جيد الفصوص وثيق القصب نقي العصب يبوع بيديه ويندس برجليه ويشير بأذنيه ويبعد مدى بصر عينيه يلحق الأرانب في الصعداء ويجاوزُ الظباء في الاستواء إن حركته طار وإن زجرته حار وإن طرحتَ عنانهُ سار كموج في لجة أوسيل في فجوة إن وجد علفًا أمعن وإن فقده ضغن. وأنفذ جعفر بن يحيى إلى أبيه برذونًا وكتب إليه: قد بعثت إليك ببرذون لين المرفوع وطئ الموضوع حسن المجموع طويل العذار أمين العثار. ومما يجري مع ذلك ما
أخبرني به أبو أحمد عن أبيه قال حدثني أحمد ابن طاهر أنه كتب إلى الحسن بن علي بن يحيى يستهديه لجامًا لحماره:
(جُعلتُ فِداك قد أمسى حماري لهُ سرجٌ وليس لهُ لجامُ)
(كمِثلِ العاطل الحسناءِ أمستْ لها حليٌ وليسَ لها نظام)
ثم قال
(وأنت لكل ناقصة تمام )